حكايات اسما 1

الفصل الأول: ما كُسر في الثامنة عشرة
لم تكن أزل تعرف، وهي في الثامنة عشرة، أن بعض الأعمار لا تُقاس بالسنوات، بل بما يُنتزع من الإنسان فيها.

كانت في ذلك الوقت لا تزال على عتبة الحياة؛ فتاة نحيلة، يسبق قلبُها عقلَها، وتؤمن أن الحب قادر على أن يهزم كل شيء، وأن يدًا واحدة تمسك بها في الوقت المناسب قد تكون كافية لتمنع العالم كله من السقوط فوق رأسها.

وكانت تلك اليد، في خيالها على الأقل، يد شاهين.

ابن عمها.

رفيق طفولتها.

والرجل الوحيد الذي تخيلت يومًا أن تبدأ معه حياتها.

لكن الحياة، كما ستعرف لاحقًا، لا تعبأ كثيرًا بما يتخيله الذين في الثامنة عشرة.

في ذلك الصباح، كانت أمها قد أغلقت باب الغرفة خلفها بعنف، ثم أمسكت أزل من شعرها كأنها لا تمسك ابنتها، بل تمسك فضيحة تريد خنقها قبل أن تخرج إلى الناس.

تألمت أزل، وارتفع جسدها تلقائيًا وراء قبضة أمها.

— سيبي شعري يا أمي… بالله عليكي وجعتيني.

لكن أمها لم ترحم ارتجاف صوتها.

شدتها أكثر، وقالت من بين أسنانها:

— إنتِ عايزة تفضحينا يا بنت المركوب؟! ملقتيش غير ابن دلال السحّارة تحبيه؟!

رفعت أزل وجهها إليها، وقد امتلأت عيناها بالدموع.

— شاهين ابن عمي يا أمي… مش غريب.

— ابن عمك اللي على الحديدة! هيأكلك حب يعني؟

— هو بيشتغل… وهيشتغل أكتر.

ضحكت أمها ضحكة قصيرة ساخرة.

— وهيجيبلك بيت منين؟ وهيصرف عليكي منين؟ ولا إنتِ فاكرة الجواز قعدة تحت شجرة وقلبين مرسومين على الحيطان؟

ابتلعت أزل بكاءها وقالت:

— أنا مش طالبة حاجة… أنا عايزاه هو.

وهنا تغيّر وجه أمها.

صفعتها.

لم تكن الصفعة هي الأقسى، بل ما جاء بعدها.

— وإحنا مش عايزينه.

تجمدت أزل.

قالت أمها:

— مراد ابن خالتك طلبك.

رمشت أزل ببطء.

ظنت للحظة أنها لم تسمع جيدًا.

— مين؟

— مراد.

خرجت منها ضحكة مرتبكة.

— مراد؟! مراد عنده أربعين سنة يا أمي!

— راجل.

— أكبر مني باتنين وعشرين سنة!

— وده أحسنلك. راجل عاقل، شاف الدنيا، مسافر الخليج وعنده شقته وفلوسه.

حدقت فيها أزل وكأنها تراها للمرة الأولى.

— بس أنا مش عايزاه.

ردت الأم بلا تردد:

— ومين قال إن حد مستني رأيك؟

في تلك اللحظة، سقط شيء داخل أزل.

شيء لم تسمع له صوتًا.

لكنه ظل مكسورًا فيها سنوات طويلة.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *