حكايات اسما 1

ثم ابتسم:
— صاحبها من بلدنا أصلًا.
تظاهرت بعدم المعرفة.
— مين؟
رفع الرجل حاجبيه باستغراب.
— المهندس شاهين عبد الرحيم.
توقفت أنفاسها للحظة.
تابع الرجل بحماس:
— الراجل ده عامل شغل كبير. بدأ من الصفر تقريبًا. شغال في القاهرة والصعيد وكمان ليه مشاريع بره مصر.
أغلقت أزل الملف الذي بيدها.
— كويس.
— وهو جاي النهارده أصلًا.
رفعت رأسها.
— هنا؟
— آه. فيه اجتماع بعد الضهر بخصوص جناح الأطفال.
لم يعطها القدر وقتًا لتستعد.
ولا هي طلبت.
—
مرّت الساعتان التاليتان ببطء غير طبيعي.
فحصت مرضى.
كتبت تقارير.
تحدثت مع الممرضات.
لكنها كانت تسمع حركة الباب الخارجي كل مرة يُفتح فيها.
ومع كل خطوة رجولية في الممر، كان قلبها يسبق عقلها.
كرهت ذلك.
كرهت أن يكون لرجل لم تره منذ خمسة عشر عامًا هذا السلطان على نبضها.
قالت لنفسها بعصبية:
— فوقي يا أزل.
ثم جاء الصوت.
صوت رجل يتحدث مع مدير الوحدة في الخارج.
صوت أعمق مما تتذكر.
أهدأ.
أقسى.
لكنها عرفته.
جسدها كله عرفه قبل أن تراه.
بقيت جالسة خلف مكتبها.
دق الباب.
— اتفضل.
دخل مدير الوحدة أولًا.
— دكتورة أزل، أحب أعرفك بالمهندس…
ثم دخل هو.
وتوقف الزمن.
لم يكن شاهين الذي تركته.
كان الرجل الذي صار إليه بعد أن تركته.
أطول مما تتذكر.
أعرض كتفين.
ملامحه حادة، ناضجة، وقد رسم الزمن خطين صغيرين بجوار عينيه.
كان يرتدي قميصًا أبيض بأكمام مرفوعة حتى المرفق، وبنطالًا داكنًا، وساعة سوداء بسيطة.
لا شيء فيه استعراضي.
لكن حضوره وحده ملأ الغرفة.
نظر إليها.
وتوقفت عيناه.
لم يبدُ عليه الذهول.
وهذا أزعجها أكثر.
قال مدير الوحدة:
— المهندس شاهين عبد الرحيم.
ثم ابتسم.
— والدكتورة أزل الشافعي، الاستشارية الجديدة عندنا.
امتدت ثوانٍ طويلة.
ثم قال شاهين:
— أعرفها.
جاء صوته باردًا.
ردت أزل:
— وأنا أعرفه.
نظر مدير الوحدة بينهما.
— آه صح… إنتوا قرايب.
قال شاهين:
— قرايب.
كانت الكلمة محايدة.
لكنها شعرت بما وراءها.
وقف صامتًا.
فقالت هي:
— أهلًا يا شاهين.
لم يقل “أهلًا”.
قال:
— حمد لله على السلامة.
— الله يسلمك.
نظر إليها طويلًا.
— رجعتي في الآخر.
فهمت المعنى.
لم يكن يقصد مصر.
ولا القرية.
قالت:
— كل واحد بيرجع لحاجات كان فاكر إنه خلص منها.
ارتفع طرف فمه قليلًا.