حكايات اسما 1

صار لديها سبب آخر.
وُلد آدم.
وحين وضعوه بين ذراعيها، شعرت أن العالم للمرة الأولى يمنحها شيئًا دون أن ينتزع مقابله جزءًا منها.
بكى الطفل.
فبكت هي أيضًا.
وقالت له:
— أنا وإنت هننجو.
لم تكن تعرف كيف.
لكنها قررت.
بعد عام، سافر مراد بها إلى الخليج.
وهناك، بعيدًا عن القرية وأمها وثرثرة العائلة، رأت أزل نافذة صغيرة.
التعليم.
كانت قد أنهت الثانوية قبل الزواج بنتيجة تؤهلها للالتحاق بالجامعة.
وفي ليلة، قالت لمراد:
— أنا عايزة أكمل تعليمي.
كان يشاهد التلفاز.
لم ينظر إليها.
— تعليم إيه؟
— كلية.
ضحك.
— وإنتِ ناقصك كلية؟
— نفسي أبقى دكتورة.
التفت لها أخيرًا.
— دكتورة؟
— أيوه.
— وإحنا هنستفيد إيه؟
شدت أصابعها بعضها.
— أنا هستفيد.
ابتسم بسخرية.
— ما أنا بصرف عليكي.
— مش عايزة أفضل طول عمري مستنية حد يصرف عليا.
اختفت ابتسامته.
نظر إليها طويلًا.
— قصدك إيه؟
أدركت أنها أخطأت.
قالت بسرعة:
— قصدي… عايزة آدم لما يكبر يبقى فخور بيا.
سكت.
ثم قال:
— لو ده مش هيأثر على البيت والولد… اعملي اللي إنتِ عايزاه.
وهكذا بدأت.
لم يكن طريقًا سهلًا.
كانت تدرس وآدم نائم.
تنام ساعتين.
تصحو على بكائه.
تحضر محاضراتها ثم تعود لتطبخ وتغسل وتنفذ ما يريده مراد حتى لا يتهمها أن الدراسة أفسدتها.
وفي كل مرة تشعر فيها أنها لن تستطيع، كانت تتذكر ذلك اليوم عند الغيط.
وتتذكر شاهين.
لكنها كانت تدفع صورته بعيدًا.
لأن شاهين كان ينتمي إلى حياة ماتت.
هكذا أقنعت نفسها.
مرت خمسة عشر عامًا.
وحين نظرت أزل إلى نفسها في المرآة وهي ترتدي المعطف الأبيض لأول مرة وقد صار اسمها مسبوقًا بلقب “دكتورة”، لم ترَ الفتاة التي جُرت من شعرها.
رأت امرأة صنعت لنفسها بابًا بعدما أغلقت كل الأبواب في وجهها.
تخصصت.
نجحت.
صار لها اسم.
وصار آدم شابًا ذكيًا هادئًا هو أجمل ما خرجت به من زواجها.
أما علاقتها بمراد، فلم تتحسن.
لكنها تغيرت.
لم تعد تخافه كما كانت.
صار يعرف أن المرأة التي أمامه لم تعد تلك الطفلة.
وفي إحدى الليالي، قال لها:
— إنتِ اتغيرتي.
كانت تقرأ ملفًا طبيًا.
قالت:
— طبيعي.
— بقيتي شايفة نفسك.
رفعت عينيها.
— أنا بس بقيت شايفة نفسي أصلًا.
لم يفهم.
أو فهم ولم يعجبه.
وفي صباح لم يكن مختلفًا عن غيره، كانت أزل داخل المستشفى حين رن هاتفها.
