حكايات اسما 1

ما إن رأت آدم حتى فتحت ذراعيها.
— تعالى يا حبيبي… تعالى لحضن ستك.
تقدم آدم بأدب، فاحتضنته وقبلت وجهه مرارًا.
— ما شاء الله… طولت وبقيت راجل.
ابتسم.
— الله يخليكي.
ثم رفعت أم أزل عينيها إلى ابنتها.
تأملتها من أعلى إلى أسفل.
المعطف الخفيف فوق ملابس السفر، حقيبة يدها، شعرها المربوط بعناية، الوقفة المستقيمة التي لم تعد تعرف الانكسار.
قالت:
— وشك خاسس.
أجابت أزل بهدوء:
— السفر بيتعب.
— ومراد الله يرحمه… سابلك أملاك كويسة؟
توقفت أزل لحظة.
كانت تعرف أمها.
وتعرف أن الأسئلة عندها لا تأتي بريئة.
قالت:
— ساب اللي سابه.
جلست الأم وقالت وهي تحرك يدها بفخر:
— أهو شوفي… أنا من زمان كنت عارفة مصلحتك. جوزتك راجل مقتدر، عيشك بره، علّمك، وخلفتي منه ولد زي القمر…
رفعت أزل عينيها إليها ببطء.
لم تعد الكلمات تطعنها كما كانت.
لكن بعضها ما زال يعرف مكان الجرح.
قالت:
— هو اللي علّمني؟
استغربت الأم.
— أمال مين؟
ابتسمت أزل ابتسامة صغيرة لم يكن فيها دفء.
— أنا.
— يا بنتي قصدي إنه صرف.
— وأنا دفعت.
صمتت الأم.
قالت أزل:
— دفعت أكتر بكتير من الفلوس.
ضاقت عينا أمها.
— إنتِ جاية تفتحي القديم؟
— القديم عمره ما اتقفل.
— مراد مات. ربنا يرحمه. والمفروض ما نتكلمش على الميت غير بالخير.
تنفست أزل ببطء.
— أنا مش هشتمه.
ثم أضافت:
— بس مش هكدب علشان مات.
تدخل آدم بحساسية واضحة.
— ماما، تحبي أطلع الشنط فوق؟
نظرت إليه أزل وفهمت أنه يحاول إنهاء التوتر.
قالت:
— آه يا حبيبي. أوضتي القديمة على اليمين.
ذهب آدم.
وما إن اختفى على السلم حتى قالت أمها بصوت منخفض:
— خلي بالك من كلامك قدام الولد.
— ليه؟
— ده أبوه.
— وأنا عمرى ما شوّهت صورة أبوه قدامه.
— يبقى متبدأيش دلوقتي.
ضحكت أزل بمرارة.
— طول عمري بتحاسبيني أنا على إن الحقيقة مؤذية… عمرك ما حاسبتي اللي عمل الحقيقة نفسها.
ارتفع صوت أمها:
— أنا عملت اللي كل أم كانت هتعمله وقتها!
— لأ.
— أزل!
— لأ يا أمي.
وقفت.
وكانت المرة الأولى التي تقف أمام أمها بلا خوف.
— إنتِ ما عملتيش اللي كل أم تعمله. إنتِ عملتي اللي الناس كانوا مستنيينه منك.
شهقت الأم.
— يعني أنا وحشة؟
— أنا ما قلتش كده.
— أمال بتقولي إيه؟
قالت أزل ببطء:
— بقول إنك اخترتي كلام الناس عليا.
