حكايات اسما 1

رقم لا تعرفه.
ردت:
— ألو؟
جاءها صوت رجل متوتر.
— مدام أزل؟
— أيوه.
— أنا سامح… صاحب أستاذ مراد.
توقفت يدها فوق الملف.
— خير؟
صمت الرجل.
ثم قال:
— البقاء لله.
لم تفهم.
— في مين؟
سكت.
فقالت بحدة:
— في مين؟!
— مراد… توفاه الله من شوية.
بقي الهاتف على أذنها.
لم تسمع بعدها شيئًا.
الأصوات حولها ابتعدت.
الممر الطويل أمامها صار ضبابيًا.
جلست على أقرب كرسي.
انتظرت الدموع.
لم تأتِ.
وضعت يدها على صدرها.
كانت تتوقع حزنًا.
انهيارًا.
أي شيء.
لكن الذي جاء…
كان صمتًا.
ثم إحساس خافت، مرعب، كأن بابًا ثقيلاً فُتح بعد سنوات.
الحرية.
خافت من الكلمة نفسها.
فأغمضت عينيها.
بعد أسابيع، كانت الطائرة تهبط في القاهرة.
آدم بجانبها.
وهي تنظر من النافذة.
خمسة عشر عامًا مرت منذ غادرت قريتها عروسًا صغيرة.
الآن تعود أرملة.
طبيبة.
وأمًا لولد في الرابعة عشرة.
قال آدم:
— ماما؟
— نعم؟
— إنتِ كويسة؟
ابتسمت.
— كويسة.
— متأكدة؟
نظرت إليه.
ثم قالت:
— مش عارفة.
وضعت يدها فوق يده.
كانت عائدة إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.
إلى أمها.
إلى البيت القديم.
إلى الغيط.
إلى الذكريات التي دفنتها.
لكنها لم تكن تعرف أن شاهين…
كان قد عاد هو الآخر.
وأن الرجل الذي تركته في آخر الطريق منذ خمسة عشر عامًا…
لم ينسَ.
ولم يسامح.
والأسوأ من ذلك كله…
أنه ما زال يحبها.
يتبع في الفصل الثاني: اللقاء الأول بين أزل وشاهين بعد خمسة عشر عامًا.
لم يكن الرجوع إلى القرية عودةً إلى مكان.
كان عودةً إلى نسخة قديمة من نفسها حاولت أزل لسنوات أن تقنع روحها بأنها ماتت.
منذ أن وطئت قدماها أرض البيت القديم، شعرت بأن الجدران تحفظ أصواتًا لم تعد تريد سماعها، وأن الممرات الضيقة ما زالت تعرف وقع أقدام البنت التي كانت تركض إلى غرفتها لتبكي في صمت حتى لا يسمعها أحد.
حتى رائحة البيت بدت لها كما هي.
رائحة الخشب العتيق، والقهوة الثقيلة، والبخور الذي كانت أمها تشعله كل مساء، كأن السنوات الخمس عشرة التي مرت لم تستطع أن تغيّر شيئًا هنا.
إلا أزل.
أزل فقط لم تعد كما كانت.
دخلت وهي ترفع حقيبتها بيد، بينما كان آدم خلفها يحمل حقيبة أخرى وينظر حوله بفضول.
كانت أمها واقفة في منتصف الصالة.
كبرت كثيرًا.
انحنى ظهرها قليلًا، وامتلأ وجهها بالتجاعيد، لكن عينيها ظلتا كما هما؛ حادتين، فاحصتين، كأنهما تبحثان دائمًا عن الخطأ قبل أن تبحثا عن أي شيء آخر.