خطيبي جاب قايمة حكايات رومانى مكرم 2

طوال الليل، النور في بيتنا ما جاش ليه نوم. أبويا كان قاعد في الصالون بيشرب سجاير ورا سجاير، والدخان مالي المكان زي الضباب، وعينيه مثبتة على التليفون ومستني الضربة الأولى هتيجي منين. وأنا كنت في أوضتي، دافنة وشي في المخدة، والرسالة بتاعة رائف “أنا في الحرب مبرحمش” بتلف في دماغي زي الساطور.

مع أول ضوء للصبح، تليفون أبويا رن. قمت بسرعة ووقفت ورا الباب أسمع.

كان المتصل المحامي بتاع أبويا، وصوته كان طالع فيه الخضة:

— “الحق يا حاج متولي! رائف وأبوه عملوا حركة متخرش المية.. هما ماراحوش يعملوا محضر في القسم، دول راحوا الشهر العقاري وعملوا إنذار رسمي على يد محضر، بيثبتوا فيه إن رائف سلم الشقة بمفتاحها ليك، وإن الشقة مفيش فيها عفش لسة، وجايبين شهادة من الشركة اللي بتشطب الشقة بالفواتير والتواريخ إن المكان لسة تحت التأسيس! يعني الـ 5 مليون جنيه اللي أنت كاتبهم في القايمة بقوا حبر على ورق، وهيتهموك بالتزوير وخيانة الأمانة!”

أبويا سيجارة وقعت من إيده على السجادة، ملامحه اللي كانت كلها ثقة وبرود اتهزت لأول مرة. وشہ اتقلب لونه، وزعق في المحامي:

— “يعني إيه؟! الورقة ممضية ومبصومة على بياض! هو اللي مديهالي بنفسه!”

المحامي رد عليه بأسف:

— “يا حاج متولي، القانون مابيحميش المغفلين، وأنت تاجر وعارف.. لما القاضي يشوف قايمة بـ 5 مليون جنيه لعريس لسة مادخلش، والشقة نفسها فاضية وعلى المحارة وبشهادة الشهود والفواتير، القاضي هيعرف إنك استغليت إمضائه على بياض، والقضية هتقلب ضدك أنت بجناية خيانة ائتمان، وممكن تروح فيها في داهية!”

أبويا قفل السكة، وهو حاسس إن الأرض بتلف بيه. “الصياد” اللي كان فاكر إنه صاد فريسته، لقى نفسه واقع في مصيدة أذكى بكتير. رائف مكنش لوحده، ده وراه عيلة مأصلة في السوق وبتعرف تلعب بالقانون كويس.

على الضهر، الباب خبط. فتحت وأنا مرعوبة، لقيت المحضر واقف وبيديني ورقة رسمية.. إنذار من المحكمة بفسخ الخطوبة، وطب بـ “رد المؤخر والمقدم” اللي مكنش اتكتب أصلاً، وبلاغ رسمي ضد أبويا باتهامه بالنصب وخيانة الأمانة.

أبويا مسك الورقة، وإيديه كانت بترتعش لأول مرة في حياته. دخلت عليه الصالون وصوتي كان مخنوق بالدموع:

— “شفت يا بابا؟ شفت الكبرياء والغرور وصلونا لإيه؟ رائف اللي كان شاري وشايلنا فوق راسه، دلوقتي بيحاربنا بلقم وسلاح القانون اللي أنت علمتنا نخاف منه! أنت ضيعتني وضيعت نفسك عشان لقطة مالهاش عازة!”

أبويا بصلي بغل، وزعق فيا:

— “اخرسي! متولي المنياوي ميتلويش دراعه من عيل زي ده! أنا هعرف أوريهم لغة السوق على حق.. لو هما معاهم ورق وقانون، أنا معايا حاجات تانية.”

أبويا نزل بسرعة، وعرفت إنه رايح لكبار المنطقة والمحاميين بتوعه عشان يشوف مخرج من الورطة دي.

مر يومين والبيت بقى زي القبر. رائف عمل لي “بلوك” من كل حتة، واختفى تماماً، كأنه مكنش في حياتي في يوم من الأيام. الشاب الطيب المحترم اللي كان بيبصلي بحب، اتحول لوحش كاسر بيدافع عن شرفه وفلوسه ومستقبله اللي أبويا كان عايز يضيعهم.

وفي اليوم الثالث بالليل، وأنا قاعدة مع أمي بنبكي في المطبخ، سمعنا صوت دوشة وعربيات كتير وقفت تحت البيت. بصينا من البلكونة، لقيت حارة بيتنا اتملت بناس من طرف رائف.. بس المرة دي مش جايين بخناق ولا بعصيان.. دول جايين ومعاهم لودر وعربيات نقل كبيرة!

رائف كان واقف في نص الشارع، لابس جلباب صعيدي أسود، ووشه خالي من أي ملامح رحمة. شاور للعمال وقال بصوت هز الشارع كله:

— “هاتوا كل حاجة! الشقة اللي اتكلفت 2 مليون جنيه تتهد على اللي فيها.. الطوب، السيراميك، النجف، البيبان.. مش هسيب لمتولي المنياوي مسمار واحد يتحجج بيه في المحاكم! هثبت للعالم كله إنها على البلاط!”

العمال بدأوا يكسروا ويشيلوا التجهيزات من الشقة اللي في العمارة اللي قدامنا، وصوت التكسير كان بينزل في قلبي أنا.. دي كانت شقة أحلامي، الحاجة اللي كنا بنختار ألوانها وسيراميكها مع بعض بالحب، بقت بتتكسر وتتهد قدام عيني بسبب الطمع.

أبويا جه جري على الشارع وهو بيزعق:

— “أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! أنت بتبوظ شقتك؟!”

رائف لف وشه لأبويا، وبص له بنظرة تخوف، وضحك بمرارة وقال:

— “أهدم شقتي بـ 2 مليون جنيه بـإيديا، ولا تذلني أنت بـ 5 مليون جنيه يا حاج متولي! أنا هديت بيتي بإيدي عشان ميبقاش ليك حق عندي.. وافرق بقى بالورقة اللي معاك في المحاكم، وخلي القاضي ينفعك لما يكتشف إنك بتطالب بعفش في شقة مفيهاش حتى حيطة واقفة!”

الناس كلها اتجمعت، وبقوا يبصوا لأبويا بنظرات لوم وعتاب، والكل بقى يتوشوش: “متولي طمع في الراجل وخرب بيت بنته”. أبويا وقف وسط الشارع وهو حاسس بالهزيمة، هيبة التاجر الكبير انكسرت قدام العلن.

رائف ساب العمال يكملوا تكسير، ومشي من غير ما يبص وراه.

أنا دخلت أوضتي، وكنت حاسة إن روحي بتتسحب مني. تليفوني رن برقم غريب.. فتحت الخط وأنا ماليش صوت، لقيت صوت رائف، بس مكنش صوت رائف اللي أعرفه.. كان صوت شخص تاني خالص، هادي ومخيف:

— “أنا هديت الشقة يا رنا.. وشطبت اسمك من حياتي زي ما شطبت على المحارة.. بس الحساب بيني وبين أبوكي لسة مقفلش، والخطوة الجاية هتحرق قلبه عليكي وعلى كل مليم يملكه.”

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

مرت الليلة دي وكأنها كابوس ملوش نهاية، صوت التكسير والهدد اللي كان شغال في شقة أحلامنا كان بينزل على قلبي زي المطارق. نمت من كتر البكاء والتعب، وصحيت الصبح على صوت صراخ عالي جاي من الصالة.

جريت بسرعة، لقيت أمي قاعدة في الأرض وبتلطم على وشها، وأبويا واقف وشه أصفر زي الليمونة، وماسك في إيده ورق كتير، وحواليه اتنين رجالة من كبار السوق في منطقتنا، وجوههم مابتفسرش غير بالمصايب.

أمي أول ما شافتني صرخت:

— “خرب بيتنا يا رنا! أبوكي ضيعنا وضيع شقاه وشقى عمره كله عشان ورقة وعناد ملوش لازمة!”

التفت لأبويا وسألته وأنا برتعش:

— “في إيه يا بابا؟ رائف عمل إيه تاني؟”

أبويا ماردش عليا، كان باصص للفراغ وعينيه مبرقة، كأنه مش مصدق اللي بيحصل. واحد من التجار الكبار اللي قاعدين، الحاج “عبد العظيم”، بصلي وقال بأسف وخيبة أمل:

— “يا بنتي، خطيبك وعيلته مش سهلين، وأبوكي استهون بيهم.. رائف مأكتفش باللي عمله في الشقة، ده راح من النجمة هو وأبوه وأعمامه على سوق الجملة، وبحكم علاقاتهم وفلوسهم، ولموا كل الشيكات والكمبيالات الآجلة اللي على أبوكي لتجار القماش والموردين! اشتروا ديون أبوكي كلها كاش من السوق بالمليم!”

الصدمة لجمت لساني، والحاج عبد العظيم كمل وهو بيهز راسه:

— “مش بس كدة.. دول رفعوا بالشيكات دي قضايا حجر وتنفيذ فوري، وحجزوا على مخازن أبوكي الكبيرة اللي في الوكالة، والآن البضاعة كلها عليها شمع أحمر! أبوكي بقا مهدد بالإفلاس وخراب البيوت في ظرف كام ساعة، والتجار في السوق بقوا يخافوا يتعاملوا معاه بعد ما سمعته اتهزت!”

قعدت على الكرسي ومش قادرة أصلب طولي. رائف نفذ تهديده.. الحساب بدأ، والضربة كانت قاضية في المكان اللي بيوجع أبويا أكتر من أي حاجة؛ فلوسه وهيبته في السوق. أبويا الراجل الناشف اللي طول عمره بيلوي دراع الناس بالقرش، لقى اللي يكسر ضهره بنفس السلاح.

في نفس اليوم على العصر، الباب خبط خبطة هادية وموزونة. فتحت أمي الباب وهي بتترعش، كان واقف برة المحامي بتاع رائف، ومعاه اتنين رجالة هيبتهم تسبقهم. المحامي دخل الصالون بكل برود، وطلع حافظة مستندات وحطها قدام أبويا على الترابيزة وقال بنبرة واثقة:

— “مساء الخير يا حاج متولي.. أنا جاي من طرف الباشمهندس رائف والحاج صلاح.. هما باعتينلك العرض ده، ومفيش غيره.”

أبويا بص للورق وصوته كان طالع مبحوح ومكسور:

— “عرض إيه؟”

المحامي ابتسم وقال:

— “دي مخالصة كاملة وشاملة.. تتنازل عن قضية القايمة الـ 5 مليون جنيه وتسلمنا الورقة الممضية على بياض فوري، وتتنازل عن أي حقوق.. في المقابل، الباشمهندس رائف هيتنازل عن قضايا الشيكات والكمبيالات ويرفع الحجز عن مخازنك وبضاعتك.. تخلصوا حبايب وكل واحد يروح لحاله، كأن مفيش حاجة حصلت.”

أبويا وعزة نفسه وتاريخه في السوق خلته يتنفض من مكانه، وزعق في المحامي وعينيه حمرا:

— “ولو موافقتش؟! متولي المنياوي مبيتهددش! أنا هبيع بيتي وهسدد الشيكات دي، بس مش هسيب ابن صلاح يكسر عيني ويفرح فيا السوق!”

المحامي لم ورقه بكل هدوء، وقف وبص لأبويا بنظرة شفقة وقال وهو رايح ناحية الباب:

— “لو موافقتش يا حاج.. فالبشمهندس رائف باعتلك رسالة تانية وبيقولك: السوق لسة فيه شيكات تانية بتتباع، ومخازنك مش هي وبس اللي هتتقفل، ده الدور الجاي على البيت اللي أنت قاعد فيه ده، وهيخرجكم منه بالهدوم اللي عليكم ويسجنك.. معاك لحد بكرة الصبح يا حاج، فكر كويس، عشان بعد كدة العرض ده نفسه مش هيكون موجود.”

المحامي نزل، والبيت رجع تاني زي القبر. بصيت لأبويا اللي كان واقف وضهره منحني لأول مرة في حياته، دموعي نزلت وجريت عليه، مسكت إيده وقولتله بقهر:

— “عشان خاطري يا بابا.. كفاية لحد كدة.. وافق ورجعله ورقته.. رائف مابقاش رائف اللي كنا نعرفه، ده بقا وحش وعايز يدمرنا كلنا.. أنا مش عايزة أتجوزه ولا عايزة منه حاجة، بس مش عايزة أشوفك مسجون ومكسور!”

أبويا بصلي بنظرة غريبة، نظرة تائهة بين الندم وبين العناد والغل اللي جواه، وماردش عليا. سابني ودخل أوضته وقفل الباب على نفسه.

الساعة بقت 2 بعد نص الليل، والهدوء مرعب. قمت من سريري عشان أشرب، وأنا معدية من جنة صالة بيتنا، لمحت نور خفيف طالع من البلكونة. مشيت براحة وبصيت.. لقيت أبويا واقف في البلكونة، وماسك في إيده تليفونه القديم، وكان بيتكلم بصوت واطي جداً ومليان غدر:

— “أيوا يا معلم سُلطان.. جهزلي الرجالة بتوعك.. رائف وصلاح فاكرين إن السوق ورق وقانون وبس، ونسيوا إن في لغة تانية خالص.. بكرة الصبح هعرفهم مين هو متولي المنياوي.. الشيكات دي هترجع، والورقة هتفضل معايا، والواد ده هيركع تحت رجلي ورجلك.”

وقفت مكاني والدم نشف في عروقي.. أبويا ناوي يجيب رجالة ويلجأ للبلطجة والقوة! الحرب مخلصتش، دي لسة هتقلب بدم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *