طلبت الطلاق حكايات رومانى مكرم 2

طليقتي وقفت من طولها وهي بتترعش، وصوتها طلع بالعافية: “أحمد؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت عايز مني إيه تاني؟ مش طلقنا وخلاص!”

والد مدحت قام وقف وهو راجل كبير في السن، وبصلي بحدة وقال: “جرى إيه يا فندي؟ أنت مين؟ وبأي صفة بتدخل وتقول الكلام ده؟”

ابتسمت ببرود وقعدت على كرسي فاضي كان على التربيزة اللي جنبهم، وحطيت رجل على رجل وبصيت لوالد مدحت وقلت له: “أنا مين؟ أنا جوز الست المصونة اللي قاعدة قدامك دي.. قصدي طليقها اللي لسه مكملتش شهر من يوم ما انفصلنا، يعني الست اللي ابنك جاي يخطبها ويقعد معاها في كافيه، لسه شرعاً ودينًا في شهور العدة ومتحرمة عليه وعلى غيره!”

والدة مدحت شهقت وحطت إيدها على بقها وبصت لطليقتي بذهول: “عدتها؟! أنتِ مش قلتي لمدحت إنك مطلقة من شهور والعدة خلصت؟!”

طليقتي وشها بقى يجيب ألوان، وبصت لمدحت وهي بتعيط وبتترجاه: “مدحت متصدقوش.. ده كداب وجاي يخرب حياتي عشان ينتقم مني.. أنا طالعة من بيته بقالي كتير!”

قمت وقفت وقربت من والد مدحت وطلعت تليفوني، وفتحت وثيقة الطلاق الرسمية اللي متصورة على الموبايل ووريتها له: “اتفضل يا حاج.. شوف التاريخ بنفسك، الطلاق ملوش غير أسابيع قليلة. يعني ابنك المحترم بيخطب ست وهي لسه في عدتها، وده في شرع ربنا باطل ومينفعش. مش بس كده.. الست اللي ابنك هيموت عليها دي، سابت بنتها اللي عندها 5 سنين بتبكي وراحت تدور على الصاغة والفساتين!”

والد مدحت وشه اسودّ من الغضب، وبص لابنه وزعق بعلو صوته في الكافيه: “الكلام ده صحيح يا مدحت؟ أنت كنت عارف إنها لسه في العدة وجايبنا نخطبها؟!”

مدحت كان واقف مصدوم، الشكوك اللي زرعتها في دماغه الصبح مع كلامي دلوقتي خلته يبص لطليقتي بنظرة غريبة.. نظرة واحد حاسس إنه اتخدع. قال بصوت متلعثم: “يا بابا.. هي قالت لي إن الأمور منتهية بينهم من زمان.. أنا..”

والد مدحت قاطعه بقسوة وضرب التربيزة بإيده: “الموضوع ده ينتهي حالاً! إحنا ناس بنعرف الأصول وبنخاف من ربنا، ومندخلش بيوت من أبوابها وهي لسه مقفولة بشرع الله.. يلا بينا!”

أم مدحت قامت بسرعة وهي بتبص لطليقتي بقرف، ومدحت وقف عاجز ومشلول مش عارف يدافع عنها ولا يواجه أبوه، وبص لطليقتي بكسرة وقال لها: “أنتِ كدبتِ عليا يا سماح.. كدبتِ في أهم حاجة!” وسابها ومشي ورا أهله.

طليقتي قعدت على الكرسي وهي بتنهار وتعيط بهستيريا، والناس في الكافيه كلها كانت بتبص عليها وبتتوشوش. قربت منها وميلت عليها وقلت لها بصوت واطي وشماتة مصلية: “دي أول خطوة.. زي ما هنتي كرامتي وسِبتِ بنتك عشان تجري وراه، أديكي خسرتيه وخسرتِ نفسك قدام أهله.. وال جاي أسوأ.”

سيبتها وخرجت من الكافيه وأنا حاسس إن ناري بردت شوية، بس وأنا ماشي في الشارع تليفوني رن.. كان رقم غريب، فتحت الخط وجالي صوت راجل غامض بيقول لي: “فاكر نفسك انتصرت يا أحمد؟ اللي عملته النهاردة في الكافيه هتدفع تمنه غالي أوي.. وبنتك ليلى مش هتشوفها تاني!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

الخط قطع، والدنيا اسودت في عيني أكتر م الصدمة الأولى! الصوت كان حاد وفيه نبرة غل مش طبيعية. مسكت التليفون وأنا إيدي بتتأرش كأني ماسك حتة تلج، وحاولت أتصل بالرقم تاني.. “هذا الرقم غير متاح حالياً”.

نزلت جري في الشارع زي المجنون، مش شايف قدامي، العربيات بتزمرلي وأنا بعدي الطريق ومنطقتش ولا كلمة غير اسم واحد: “ليلى!”. ركبت أول تاكسي وقابلني، وقلت له وعيني طالع منها شرار: “سوق بأقصى سرعة عندك يا أسطى، بيتي بيخرب!”.

طول الطريق والأفكار السودا بتاكل في عقلي. مين ده؟ وليه ليلى بالذات؟ هل مدحت لحق يرتّب لحاجة بالسرعة دي؟ ولا سماح هي اللي ورا الموضوع وعايزة تلوت ذراعي بعد ما فضحتها قدام أهل العريس؟

وصلت البيت، طلعت السلم تلاتات تلاتات، وبقيت أرزع على الباب بكل قوتي. أمي فتحت وهي مخضوضة: “في إيه يا أحمد؟ مالك يا ابني بتنهج كدا ليه؟”

دخلت عيني بتدور في الصالة زي الرادار: “أمي.. ليلى فين؟ ليلى جوة؟”

أمي ردت باستغراب: “ليلى نايمة جوة في أوضتها يا ابني من ساعة ما دخلت، جرى إيه؟”

جريت على الأوضة وفتحت الباب.. ليلى كانت نايمة في سريرها الصغير، ملاك بريء مش دريان بالحروب اللي بتطحن فينا برة. أخدت نفس طويل ودموعي نزلت غصب عني، قعدت جنبها وبست إيدها الصغيره وضميتها لصدري وأنا بحلف في سري إني مش هسمح لمخلوق يمس شعرة منها.

خرجت لأمي وحاولت أهدي نفسي عشان متتخضش، وقلت لها تقفل الأبواب كويس وم تفتحش لأي حد مهما كان. قعدت في الصالة، والتليفون في إيدي مش بيفارقني. الساعة بقت 2 بعد نص الليل، وكنت خلاص هبدأ أحس إن المكالمة كانت مجرد تهديد فاشل أو لعبة أعصاب.. لحد ما التليفون نوّر ورنت رسالة “واتساب” من نفس الرقم الغريب.

فتحت الرسالة.. كانت صورة!

صورة لـ “ليلى” وهي نايمة في سريرها دلوقتي حالا! ومتصورة من شباك الأوضة اللي بيطل على المنور! وتحت الصورة مكتوب: “المرة دي تصوير.. المرة الجاية هناخد الأمانة. لو عايز بنتك تفضل في حضنك، بكرا الساعة 10 الصبح تكون عند بيت أهل سماح، وتعتذر لمدحت وأبوه قدام المنطقة كلها، وترجع لسماح وتكتب لها مؤخر وعقد جديد باللي هي تطلبه.. وإلا، اعتبر ليلى مأخدتش غير 5 سنين بس من عمرها.”

جسمي كله سقع. الشباك! بصيت بسرعة على شباك الأوضة ولقيته موارب سنة صغيرة. طلعت بلكونة البيت وبصيت في المنور ملمحتش حد، المجرم صورها وهرب في الضلمة.

الشك بدأ ينهش فيا.. مدحت؟ لأ، مدحت جبان وأبوه راجل بتاع أصول وطرد سماح. أكيد سماح استعانت بحد من قرايبها الصيع عشان يهددوني، أو يمكن هي اللي باعتة البلطجي ده عشان تكسرني وترجع البيت شروطه هي وتنتقم لكرامتها اللي اتعجنت في الكافيه.

الدموية عمت عيني، ومبقاش في عقلي مكان للخوف. مسكت التليفون وكتبت رد على الرسالة: “الميعاد بكرا الساعة 10.. وأنا هاجي، بس افتكروا كويس إن اللي بيلعب مع ديب، بيبقاش خايف على عمره.”

قضيت بقية الليلة صاحي، حاطط كرسي ورا باب الأوضة وعيني على الشباك، والنار بتاكل في صدري. الصبح طلع، لبست هدومي، ونزلت وعيوني حمرا من قلة النوم ومن الغضب.

وصلت لشارع أهل سماح الساعة 10 بالدقيقة. الشارع كان هادي، بس أول ما قربت من بيتهم، لمحت عربية مدحت واقفة على جنب، ولمحت سماح واقفة في البلكونة وباصة لي بنظرة كبرياء وشماتة، وجنبها واقف راجل ضخم، حاطط إيده في جيبه وبيبص لي وهو بيضحك.. الراجل ده أنا عارفه كويس!

#الكاتب_رومانى_مكرم

الراجل ده كان “حامد”، ابن عم سماح الكبير.. صايع مسجل خطر وياما دخل في مشاكل، ومن زمان وهو كان عينه منها قبل ما تتجوزني، وعرف أزاي يستغل الفرصة عشان يظهر في الصورة ويلوي دراعي بالتهديد رغبة في الفلوس اللي سماح وعدته بيها من المؤخر الجديد.

نزلت سماح من البيت ومعاها حامد، وفي نفس الوقت كانت عربية مدحت بتفتح ونزل منها هو وأبوه اللي جم بطلب من حامد عشان يشوفوا “رد شرف” سماح زي ما فهمهم. الجيران بدأت تتجمع في الشارع، والكل واقف مستني يشوف أحمد اللي كان مكسور هينفذ الشروط أزاي.

حامد قرب مني وبثقة وعين قوية قال: “نورت يا أبو ليلى.. ها، فكرت كويس في الكلام اللي دار بيننا بالليل؟ ليلى غالية برضه ومينفعش تغيب عن حضنك.”

مدحت وأبوه كانوا واقفين بعيد، مدحت بيبص لي بنظرة تشفي، وسماح واقفة ورا ابن عمها ورافع راسها لفوق بكل كبرياء ومستنية لحظة انكساري واعتذاري.

قربت من حامد، وبمنتهى الثبات والبرود اللي في الدنيا، طلعت تليفوني وضغطت على زرار التشغيل وفتحت الاسبيكر.. فجأة، طلع صوت من التليفون، بس مش صوت تهديد، ده كان صوت “سيد” صاحبي وهو بيتكلم مع ظابط المباحث في القسم ومعاهم القوة وبيدخلوا بيت أمي عشان يأمنوا المكان، وصوت ظابط تاني بيرد في اللاسلكي: “يا أحمد بيه، القوة مسكت الواد اللي كان بيراقب البيت من المنور وهو نازل، واعترف بكل حاجة وبالمكالمة والصورة اللي بعتها، واعترف على حامد ابن عم طليقتك!”

وش حامد اتقلب 180 درجة، وألوانه خطفت والضحكة ماتت على وشه. سماح رجعت خطوة لورا وهي بتترعش، ومدحت وأبوه بصوا لبعض بصدمة.

قلت لحامد وأنا ببتسم وبحط التليفون في جيبي: “فاكرني عبيط وهسيب بنتي في خطر لحد الساعة 10 الصبح؟ من ساعة ما الرسالة وصلتني وأنا مكلم رئيس المباحث، وبلاغ التهديد بالق-تل والخطف وتصوير القصر متسجل.. والواد صبيك وقع، وأنت دلوقتي مطلوب في القسم بتهمة جناية خطف وابتزاز!”

مكملتش الكلمة، ولقينا بوكس الشرطة داخل الشارع بسرعة ووقف قدام البيت بالظبط. أمين الشرطة نزل ومعه العساكر وشاور على حامد وسماح: “هما دول يا فندم.. هاتوا حامد وسماح أحمد للقسم فوراً بطلب من رئيس المباحث!”

حامد حاول يجري، بس العساكر قفلو عليه الطريق وكلبشوه في ثانية وسط ذهول وصدمة كل أهل المنطقة والجيران اللي بقوا يتوشوشوا ويدينوهم. وسماح بدأت تصرخ وتعيط ودموعها تسيل وهي بتتبهدل وتتركب البوكس قدام الناس كلها اللي كانت جاية تتفرج على انكساري أنا.

بصيت لمدحت وأبوه اللي كانوا واقفين مشلولين من الكارثة، وقلت لوالد مدحت: “أظن دلوقتي شوفتوا حقيقتها وحقيقة أهلها بنفسكم.. الست اللي تخطط لخطف بنتها عشان الفلوس والانتقام، متستاهلش تكون أم ولا زوجة.”

والد مدحت تف في الأرض وبص لابنه وقال له: “الحمد لله إن ربنا نجدنا منها ومن قرفها.. يلا من هنا.” وسابوا الشارع ومشيوا وعمرهم ما هيرجعوا تاني.

ركبت عربيتي ورجعت بيتي، جريت على أوضتي وحضنت ليلى اللي كانت صاحية وبتلعب، ودموعي نازلة من الفرحة.. البيت هدي، والنار اللي كانت قايدة في قلبي انطفت بالعدل والقانون. خسرت ست مكنتش تصون الاسم ولا البيت، بس كسبت بنتي وكسبت كرامتي اللي دمرت شرهم في النهاية.

#الكاتب_رومانى_مكرم

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *