روحت اخدت مراتي حكايات زهره 4

تلاقت عيناي بعيني ضابط المباحث في لحظة صمت مرعبة، تجمدت فيها الدماء في عروقنا جميعاً. صرخة رانيا كانت تدوي في الممر وهي تمسك بهاتفها وتكاد تسقط أرضاً: “بيتنا بيتحرق يا أحمد! الشقة فيها كل حاجتنا.. لبس بنتنا.. كل حاجة بنتلها في سنين بتضيع!”

أشار الضابط إلى اثنين من رجاله وقال بصوت جهوري: “اطلعوا فوراً على بيت البنت اللي اسمها ميادة قبل ما تهرب، هاتوهم هي وأهلها كلهم على القسم!” ثم التفت إليّ وأمسك بكتفي قائلاً: “أحمد، اطلع معايا على البيت فوراً، عربية المطافئ في الطريق!”

ركبنا سيارة الشرطة وانطلقت السارينة تدوي في شوارع المدينة، بينما كانت رانيا تبكي بحرقة بجواري وتضم طفلتنا إلى صدرها، وعقلي لا يتوقف عن الربط بين الأحداث. هل يعقل أن تكون ميادة هي التي أحرقت الشقة لتداري على ج*ريمة السم؟ أم أن هناك أطرافاً أخرى دخلت في اللعبة بعد أن انكشف أمر مغارة الجبل؟

وصلنا إلى شارعنا، وكان المشهد مهيباً؛ الدخان الأسود الكثيف كان يخرج بغزارة من نوافذ شقتنا في الطابق الثالث، بينما تجمع الجيران في الأسفل يحاولون السيطرة على الموقف بخرطوم مياه بدائي قبل وصول سيارة الإطفاء التي ظهرت في أول الشارع في نفس اللحظة.

قذفت بنفسي من السيارة وركضت نحو مدخل العمارة، لكن الضابط ورجاله منعوني بالقوة: “استنى يا أحمد! المكان خطر والدخان ممكن يخنقك، سيب رجال الإطفاء يقوموا بشغلهم!”

مرت نصف ساعة وكأنها دهر من العذاب، حتى تمكن رجال الإطفاء من السيطرة على الحريق وإخماد النيران تماماً. صعدت السلم أركض خلف قائد طاقم الإطفاء وضابط المباحث. عندما وطأت قدمي الشقة، انقبض قلبي؛ الجدران كانت متفحمة تماماً، ورائحة الحريق تزكم الأنوف، وكل أثاث الصالة وغرفة المعيشة تحول إلى رماد.

بدأ خبير أدلة الحريق بمعاينة المكان، وبعد دقائق التفت إلينا وقال: “الحريق ده مش ماس كهربائي يا فندم. الحريق بدأ من غرفة النوم الداخلية، وتحديداً من الدولاب.. فيه مادة مساعدة على الاشتعال “بنزين” اترشت على الهدوم والمفروشات قبل ما النار تولع، والباب بتاع الشقة مفيش فيه أي آثار كسر، يعني اللي دخل هنا، دخل بمفتاح!”

تراجعت خطوة إلى الخلف وأنا أنظر لرانيا بصدمة: “دخل بمفتاح؟ رانيا، مين معاه نسخة من مفتاح شقتنا غيري وغيرك؟”

ردت رانيا وهي ترتجف من الخوف والذهول: “والله ما حد يا أحمد! المفتاح مبيفارقش شنطتي، وأنت مفتاحك معاك.. ومفيش نسخة تالتة غير اللي كانت مع والدتك تحت عشان لو احتاجت حاجة في غيابنا!”

التفت الضابط إليّ وقال بنبرة غامضة: “يعني اللي دخل الشقة وولع فيها، يا إما حد من عيلتك، يا إما حد قدر يوصل لمفتاح والدتك أو مفتاح مراتك!”

في تلك اللحظة، رن لاسلكي الضابط، وجاءه صوت العسكري من الطرف الآخر: “يا فندم.. القوة راحت بيت المتهمة ميادة، ولقينا البيت مقفول تماماً، والجيران قالوا إنهم لِموا حاجتهم وسافروا البلد عند قرايبهم من الصبح بدري، بعد ما عرفوا إن تامر اتنقل المستشفى!”

قال الضابط بحزم: “عمموا نشرة باسمها وأسماء أهلها كلهم على كل الأكمنة، مش عاوز حد منهم يخرج برة المحافظة!” ثم التفت إليّ وقال: “أحمد، انزل معايا شقة والدك تحت، لازم نعاينها ونشوف لو فيه أي حاجة ناقصة أو لو مفتاح شقتكم كان مكانه فين بالظبط.”

نزلنا إلى الطابق الأرضي، ودخلنا شقة والدي الحاج عبد العزيز. كانت الشقة هادئة بشكل كئيب، وبقايا اللحمة المشؤومة لا تزال في المطبخ تحكي بداية هذا الكابوس. توجهت رانيا فوراً نحو المطبخ حيث كانت أمي تضع المفاتيح الاحتياطية في درج صغير، وفتحت الدرج لتصرخ فجأة: “أحمد! المفتاح مش هنا! نسخة مفتاح شقتنا اللي كانت مع حماتي مش موجودة في الدرج!”

أحسست بقشعريرة تسري في جسدي بالكامل. من الذي دخل هذه الشقة وأخذ المفتاح وصعد ليحرق شقتنا؟

بينما كنا نقف في ذهول داخل المطبخ، سمعنا صوت حركة خفيفة وغريبة تأتي من الغرفة الداخلية لشقة والدي، غرفة تامر المغلقة! أشار الضابط لرجاله بتهيئة الس*لاح، وتقدم ببطء نحو الباب، ثم دفع الباب بقدمه بقوة وهو يصرخ: “اثبت مكانك والزم حدك!”

انفتحت الغرفة، لتتسع أعيننا جميعاً من شدة المفاجأة. لم تكن ميادة، ولم يكن أحد من رجال الجبل.. بل كان شخصاً لم نكن نتوقعه على الإطلاق، يقف وسط الغرفة ويده ترتعش وهو يحاول إخفاء كيس أسود صغير وراء ظهره، ووجهه يتصبب عرقاً ورعباً!

تابعو صفحه رومانى مكرم

تسمرت أقدامنا جميعًا في أماكننا، وانعقدت الألسن عن الكلام لثوانٍ بدت دهرًا. الشخص الذي كان يقف وسط غرفة تامر، ممسكًا بالكيس الأسود ووجهه بلون الأموات، لم يكن سوى “المعلم عطوه الجزار”، جارتنا وصديق والدي المقرب، والرجل الذي طالما لجأنا إليه في كل مناسباتنا!

كان عطوه يرتجف بشدة، وعيناه تلتفتان يمينًا ويسارًا كفأر حوصر في مصيدة. تقدم ضابط المباحث نحوه بخطوات ثابتة ونبرة حادة هزت أرجاء الغرفة: “نزل إيدك دي.. وهات الكيس اللي ورا ضهرك ده حالا!”

حاول عطوه أن يتصنع الثبات، وابترع ريقه بصعوبة وقال بصوت مرتعش: “في إيه يا باشا؟ أنا.. أنا عرفت باللي حصل للحاج عبد العزيز والست أم تامر، وجيت عشان أشوف لو محتاجين حاجة من الشقة، ودخلت أطمن على أوضة تامر..”

قاطعه الضابط بقوة وهو يجذب الكيس الأسود من يده عنوة: “تطمن على أوضته وتسرق مفتاح الشقة اللي فوق وتحرقها؟” فتح الضابط الكيس، وخرجت منه زجاجة بلاستيكية صغيرة تفوح منها رائحة نفاذة، ونصف زجاجة أخرى من البنزين، بالإضافة إلى نسخة مفتاح شقتنا المفقودة!

وقعت عيناي على الزجاجة الصغيرة، فصرخت فيه بجنون: “أنت! أنت يا معلم عطوه؟ ده أنت صاحب أبويا وعشرة عمره! بتعمل فينا كده ليه؟ حرق الشقة ده بسبك؟ وتامر أخويا.. أنت اللي كنت بتحط له السم في العسل؟”

وقع عطوه على ركبتيه باكيًا ومنهارًا بعد أن أدرك أن الخناق قد ضاق عليه تمامًا، ولم يعد هناك مجال للإنكار، خاصة مع وجود أدوات الج*ريمة والمادة السامة في يده داخل غرفة الضحية. نظر إليّ وقال بنبرة يملؤها الحقد الممزوج بالندم: “أبوك هو السبب يا أحمد! الحاج عبد العزيز هو اللي دمرني ودمر بيتي الأول وهو مش داري!”

التفت الضابط إلى العساكر وقال: “كلبشوه!” ثم نظر إلى عطوه وقال: “اتكلم.. إيه علاقتك بالسم وبتامر ومغارة الجبل؟”

بدأ عطوه يروي اعترافاته الصادمة وهو يشهق بالبكاء: “أنا ماليش علاقة بالجبل ولا بالدهب.. أنا علاقتي بالفلوس اللي تامر كان بيجيبها! من ست شهور، لما تامر بدأ يرجع بالآلاف من الشغل، كان بييجي يسهر عندي في المحل، وبحكم إني قريب منه، حكالي برعونة وطيش عن الدهابة وعن الريس عتمان والفلوس اللي بيعملوها. أنا كنت بمر بضائقة مالية كبيرة والمحل كان هيقفل، وطمعت في الفلوس دي.. طلبت من تامر يدخلني معاهم، لكنه رفض تمامًا وقالي ‘الموضوع خطر يا معلم وعتمان مبيأمنش لغريب’.”

وتابع عطوه وعيناه تلمعان بالشر: “حقدت عليه.. قولت الواد الصغير ده يتقلب في الفلوس دي كلها وأنا الجزار الكبير أشحت؟ ولما تامر قرر ينسحب من شهر ونزل البلد، جالي المحل وقالي إنه خايف عتمان يقت*له لأنه عرف أسرارهم. في اللحظة دي الشيطان لعب في دماغي.. فكرت إني لو خلصت من تامر بالتدريج، الكل هيشك في الريس عتمان ورجالة الجبل بسبب التهديدات، ومحدش هيفكر فيا أبدًا! ولما تامر يموت، كنت ناوي أروح لعتمان في الجبل وأقوله إن السر مات مع تامر، وإني مستعد أحل محله وأشغل عمالي ومعداتي معاهم!”

سألته رانيا وهي تبكي من الصدمة: “طب وميادة؟ والعسل الأسود؟”

رد عطوه وهو ينكس رأسه: “ميادة ملهاش ذنب.. أختها الصغيرة لما جابت برطمان العسل وسابته هنا في الشقة تحت، أنا كنت موجود مع الحاج عبد العزيز وبنواسي بعض في مرضه. استغليت إن الحاج دخل يتوضى، وكنت جايب معايا سم ‘الزرنيخ’ اللي بنستخدمه في المحل لمكافحة الفئران والكلاب الضالة، وحقنته في البرطمان وسيبته، وعرفت إن تامر هياكله كله لوحده بناءً على كلام خطيبته السابقة.. وفعلاً الواد بدأ يدبل ويموت بالبطيء ومحدش حاسس بحاجة.”

وأضاف الضابط مستجوبًا: “والنهارده؟ إيه اللي جابك تحرق الشقة فوق؟”

مسح عطوه العرق عن وجهه وقال: “لما عرفت إن تامر اتنقل المستشفى بسبب اللحمة، وروحت سألت وعرفت إنهم بيعملوا له تحليل سموم متقدم.. خفت! خفت ليكون تامر حكاله عن سر الجبل وعن كلامي معاه، أو تكون الأدلة الجنائية هتيجي تفتش الشقة فوق وتحت وتوصل لبرطمان العسل وبواقي السم اللي معايا. استغليت إن البيت كله فاضي في المستشفى، ونزلت أخدت المفتاح من شقة الحاج، وطلعت الشقة فوق رشيت بنزين وولعت فيها عشان أضيع أي أثر أو ورق أو مذكرات لتامر ممكن تبوح بسري.. وكنت نازل أوضته هنا عشان ألم البرطمان وأي حاجة تخصني.. بس حظي الأسود أنكم جيتوا في ثانية واحدة!”

صدمتي في عطوه كانت أكبر من قدرتني على الاستيعاب؛ رجل كان يأكل معنا في طبق واحد، وصديق والدي الصدوق، يتحول إلى وحش كاسر يحاول ق/تل أخي ويحرق بيتي من أجل حفنة من الفلوس الحرام وسوء الظن والحقد!

أخذت القوة الأمنية المعلم عطوه مكبلًا بالحديد إلى سيارة الترحيلات، وتحولت القضية تمامًا من تهمة موجهة لحماتي أو لرجال الجبل، إلى جناية محاولة ق*تل عمد مع سبق الإصرار والترصد، وحرق عمد للممتلكات ضد الجزار.

عدت مع رانيا إلى المستشفى، ودخلنا غرفة العناية المركزة حيث كان والدي يجلس بجوار سرير تامر، وكلاهما قد علم بالقصة كاملة من رجال المباحث الذين اتصلوا بالمستشفى.

كان الحاج عبد العزيز يبكي بحرقة، ممسكًا بيد تامر ويقول: “أنا السبب يا ابني.. أنا اللي فتحت بيتي لعطوه، وأنا اللي سوء ظني وعنادي كاد يموتنا باللحمة، وعمايا عن الحقيقة كاد يضيعك مننا.”

نظرت إلى رانيا التي كانت تقف بجواري، وحملت ابنتنا الصغيرة التي بدأت تبتسم وكأنها تبشرنا بنهاية العاصفة. تقدمت حماتي، أم رانيا، ودخلت الغرفة وهي تحمل في يدها حقيبة صغيرة، ونظرت إلى والدي وقالت بطيبتها المصرية الأصيلة: “حمد الله على سلامتك يا حاج.. وسلامة تامر. أهو ربنا كشف المستور ونور بصيرة الكل.”

ظننا جميعًا أن الأمور قد استقرت، وأن القاتل خلف القضبان، وتامر سيتعافى ببطء بعد وقف السم.. ولكن، بينما كنا نستعد لمغادرة المستشفى وإغلاق هذا الفصل المرعب، اقترب طبيب الطوارئ مني وأمسك بذراعي على انفراد، ووجهه يحمل تعبيرًا جادًا للغاية وقال: “أستاذ أحمد.. المعلم عطوه اعترف بالزرنيخ اللي في العسل، وده فسر لنا حالة تامر.. لكن فيه حاجة تانية مرعبة ظهرت في تحليل دم والدتك ‘الحجة أم تامر’ دلوقتي، حاجة ملهاش علاقة باللحمة ولا بالعسل بتاع تامر، ومستحيل يكون عطوه وصلها!”

توقفت دقات قلبي للمرة الألف.. وجلست على المقعد وأنا أشعر أن الكابوس يرفض أن ينتهي! ما الذي وجدوه في دم أمي؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *