مع سقوط آخر حبة تراب2
انقبض قلبي ووقفت مكاني زي الصنم، والدموع جمدت في عيني من فرط الصدمة. “عم عماد؟ الراجل اللي اعتبرناه فرد من العيلة يبيعنا؟”
خطواتهم برة كانت بتقرب، وصوت خشخشة المفتاح وهو بيدخل في الكالون خلت ركبي تخبط في بعضها. بصيت حواليا في الصالة الضلمة زي المجنونة، مفيش غير شباك واحد في الأوضة التانية بيبص على منور ضيق، وباب المطبخ المتهالك.
الطبنجة بتاعة محمود كانت لسه في جيب عبايتي الثقيل. حطيت إيدي عليها، ملمس المعدن البارد اداني ثبات مؤقت وسط الرعب ده كله.
الكالون لَف تكتين.. والباب اتفتح.
دخل أحمد الأول، وبخطوات واثقة دخل وراه مصطفى، وفي ضهرهم كان واقف عم عماد، وشه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني. وأخيراً.. ظهر من وراهم الراجل اللي محمود حذرني منه في الفيديو: المحامي “رفعت”. ستيلا أنيقة، وابتسامة باردة لافة على وشه، وفي إيده شنطة جلد سودا.
أحمد بص لي وربع إيده وقال بنبرة خالية من أي رحمة:
ـ منورانا في شقة عماد يا أمي.. تعبناكي معانا وتعبتِ السواق القديم، بس كان لازم نلاقى طريقة تخرجك من الفيلا من غير شوشرة وجيران، والرسائل دي كانت أحسن طريقة تخليكي تتحركي برجليكي للمكان اللي احنا عايزينه.
برقت عيني وقولت بصوت مرعش بس عالي:
ـ الرسايل.. الرسايل كانت منكم أنتم؟ محمود مات فعلاً؟
ضحك مصطفى بسخرية وقرب خطوتين:
ـ طبعاً مات.. وشبع موت كمان.. ودفناه بإيدينا الصبح. حكاية “أنا عايش” دي كانت الطُعم اللي أكيد هتمشي وراه، لأننا عارفين إنك عمرك ما هتصدقي موته بسهولة، وكنتِ هتفضلي تنبشي ورا الدكتور ورئيس المباحث لحد ما تودينا في داهية.
المحامي رفعت تقدم بهدوء، وحط الشنطة على التربيزة القديمة وفك قفلها، وطلع منها دفتر أوراق كبير وقلم حبر:
ـ يا حاجّة روايح.. الموضوع مش مستاهل الرعب ده كله.. دي أوراق تنازل وتفويض مطلق لأحمد ومصطفى لإدارة كل الأصول وشركات التأمين في الخارج. تمضي هنا.. وتعيشي معززة مكرمة في أي مكان تختاريه، أو..
سكت ومصطفى كمل ببرود:
ـ أو الدكتور اللي مستني تحت يطلع، وتقرير حالتك العقلية والنفسية جاهز، وهتنزلي معانا على مستشفى الأمراض النفسية.. ومحدش هيسمع عنك كلمة تانية.
بصيت لعم عماد وقولت بكسرة نفس:
ـ بعتني بكام يا عماد؟ بعت عشرة تلاتة وأربعين سنة بكام؟
عم عماد همس وهو بيبص للأرض:
ـ سامحيني يا ست الكل.. ولادك هددوني بعيالي.. مكنش قدامي حل تاني.
أحمد زعق وخبط على التربيزة:
ـ خلصنا بقا! امضي يا أمي اخلصي.. مش هنضيع وقت أكتر من كده!
في اللحظة دي، عقلي اشتغل بأقصى سرعة. الفيديو اللي شوفته على الفلاشة مكنش تمثيل، ملامح محمود وكلامه عن الجهات الرقابية والطب الشرعي كانت حقيقية، الرسايل بس هي اللي كانت اللعبة اللي عملوها عشان يسحبوني لهنا. يعني محمود ساب الفلاشة دي في المكتب وهو عارف إنهم هيراقبوني، وسابلي الدليل عشان أنجو بيه!
مديت إيدي وأخدت القلم وأنا بظاهر بالاستسلام والضعف، ودموعي نازلة:
ـ حاضر.. هتمضى.. بس سيبوني أعيش اللي باقي من عمري في حالي.
أحمد ومصطفى نظراتهم ارتاحت، واللمعة الجشعة ظهرت في عيونهم وهم شايفيني بقرب من الورق. المحامي رفعت شاور بصباعه على مكان الإمضاء:
ـ هنا يا حاجّة.. وهنا كمان.
وطيت راسي كأني بقرأ الورق، وبإيدي التانية اللي مستخبية تحت العباية، سحبت الطبنجة، وفجأة.. رفعتها في وش أحمد ومصطفى!
الكل اتسمر في مكانه. أحمد رفع إيده بذهول، ومصطفى رجع خطوة لورا ووشه اصفر:
ـ أمي.. أنتِ بتعملي إيه؟ دي طبنجة أبويا؟ دي مش مأمنة ومبتعرفيش تستخدميها!
ـ جرب تقرب خطوة واحدة يا أحمد.. وهتشوف هعرف استخدمها ولا لأ! تقتلوا أبوكم؟ وتيجوا تحجروا عليا؟ أنا اللي ربيتكم بأيدي دي.. والظاهر إني معرفتش أربي!
المحامي رفعت حاول يتكلم بهدوء:
ـ يا فندم اهدي.. الموضوع مش كده..
ـ اخرس خالص يا رفعت!
زعقت فيه وأنا حاسة بقوة غريبة بتسري في جسمي. بصيت لعم عماد وقولتله:
ـ هات الموبايلات بتاعتهم كلها هنا على التربيزة.. حالاً يا عماد! وإلا ورب العرش هفضّي الخزنة دي فيهم!
عم عماد من الرعب بدأ يلم الموبايلات من جيوب أحمد ومصطفى ورفعت وحطهم قدامي. سحبتهم بسرعة وحطيتهم في الشنطة مع الفلاشة والورقة الأصلية.
كنت برجع بضهري ببطء ناحية الباب وعيني عليهم والطبنجة موجهة لصدورهم. وفجأة.. وأنا على عتبة الباب برة، سمعت صوت سارينة بوليس من بعيد.. بس الصوت مكنش جاي من الشارع تحت.. الصوت كان جاي من جهاز لاسلكي صغير جوه الشنطة الجلد بتاعة المحامي رفعت!
الملامح اتغيرت بالكامل، ورفعت ابتسم ابتسامة خبيثة ورعبني أكتر لما قال:
ـ افتكرتِ نفسك ذكية يا روايح؟ البوليس اللي جاي ده مش عشاننا.. ده البوليس اللي احنا مكلّسينه ييجي بعد ما ترفضي، عشان يثبت حالة الهياج العصبي ومحاولة القتل.. ارمي السلاح ده لأنك رسمياً بقيتي جوه المصيدة!
وفعلاً.. صوت عربيات البوليس وقف تحت العمارة، وصوت خبط جزم الميري بدأ يرن على السلم الخشبي. وبقيت واقفة في الممر الضلمة، محاصرة بين ولادي من جهة.. والبوليس اللي جاي يقبض عليا بتهمة الجنون من جهة تانية!
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
الدنيا لفت بيا وصوت ضربات جزَم البوليس على السلم الخشبي كان زي دقات ساعة الموت. المحامي رفعت واقف متبت ومبتسم ابتسامة النصر، وأحمد ومصطفى ملامحهم اتقلبت لشماتة وراحة وكأنهم خلاص استلموا صك موتي بالحي.
أحمد قال بنبرة واثقة وهو بيعدل جاكت بدلتة:
ـ ارمي السلاح يا أمي.. خلاص، الحكومة بقت تحت، والتقرير الطبي اللي معا المحامي يوديكي ورا الشمس، أصل مفيش قاضي هيصدق إن ست في سنك رفعت سلاح على ولادها في يوم عزا أبوهم إلا لو كانت فاقدة الأهلية.
صوت الخطوات بقى على بعد دور واحد.. ثواني والبوليس هيكون قدام الشقة.
في اللحظة دي، عين عم عماد جت في عيني.. شوفت في عينه نظرة ندم حقيقية، نظرة راجل حاسس إنه هيموت كافر بعشرة عمره. فجأة، ومن غير ما حد يتوقع، عم عماد هجم على التربيزة، أخد مفتاح الشقة التاني اللي كان مركون جنب الفيشة، وزقني بكل قوته لبرة الشقة في الممر الضلمة وقفل الباب الخشبي التقيل من جوة، وسمعت صوته وهو بيصرخ فيهم:
ـ مش هتكملوا لوعتكم على حساب الست الطاهرة دي! اescapeي يا أم أحمد!
ـ عماد! أنت بتعمل إيه يا ابن الـ…؟!
ده كان صوت أحمد وهو بيجأر جوة، وبعدها ساد الهرج والمرج وصوت خبط وتكسير جوة الشقة.
ما كدبتش خبر.. الرعب اداني طاقة شبة في العشرين. بدل ما أنزل السلم اللي البوليس طالع عليه، جريت في الممر الضلمة لآخر الدور، لقيت سلم داخلي ضيق ومكسر، بتاع الخدمات والمطابخ القديمة للبيوت دي. نزلت عليه وأنا بسند على الحيطة المقشرة، ونفسي مقطوع، والطبنجة لسه في إيدي والشنطة اللي فيها الموبايلات والفلاشة كبشاها بضوافري.
نزلت للشارع الوراني.. حارة ضيقة جداً وريحتها قذرة، مفيش فيها صريخ ابن يومين. مشيت وأنا بتلفت ورايا وزي ما أكون شحاذة هربانة، لحد ما طلعت على الشارع الرئيسي في السيدة زينب.
طلعت تليفون من الشنطة.. مكنش تليفوني، ده كان تليفون المحامي رفعت. الشاشة كانت منورة بإشعار رسالة “واتساب” لسه واصلة حالا من رقم غير مسجل، مكتوب فيها:
“القوة وصلت الشقة يا سيادة المستشار.. خمس دقايق والست هتكون في البوكس، والدكتور جاهز بالحقنة المهدئة في العربية.”
جسمي كله سقع. “الحقنة المهدئة؟” يعني كانوا ناوين يغيبوني عن الوعي تماماً عشان أمضي وأنا مش دريانة بالدنيا!
وقفت تاكسي على السريع، وركبت ورا وأنا بحاول أداري وشي بطرف العباية. السواق بصلي في المراية بقلق:
ـ على فين يا حاجة؟ شدي حيلك.. باين عليكي التعب.
قلت بصوت مبحوح:
ـ على جاردن سيتي.. بسرعة يا ابني الله يخليك.
كنت رايحة للشخص الوحيد اللي محمود ذكره في الفيديو ووثق فيه.. صديق عمره القديم في الطب الشرعي، الدكتور “نبيل المحلاوي”. محمود قال في الفيديو إن نبيل ساعده.. وبما إن حكاية “محمود عايش” طلعت طعم من ولادي، يبقى الأمل الوحيد إن الدكتور نبيل هو اللي معاه السر الحقيقي لجثة مين اللي في القبر، ومين الطرف اللي كان بيحمي محمود فعلاً!
وصلت قدام عمارة دكتور نبيل في جاردن سيتي في نص الليل. نزلت وطلعت الدور الرابع وبإيد بترتعش رنيت الجرس.
فتحتلي الشغالة، وبصتلي باستغراب:
ـ مين يا فندم؟ الدكتور نايم.
ـ قوليلوه روايح.. مراد الحاج محمود رسلان.. ضروري يا بنتي، الأمر فيه حياة أو موت.
ما فاتتش دقيقة ولجيت الدكتور نبيل خارج بجلابيته، راجل وقور وشعره أبيض كله، أول ما شافني ملامحه اتقبضت وجري عليا مسك إيدي:
ـ روايح؟! إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟ ولادك قالوا إنك انهرتي بعد الدفن وميعرفوش مكانك!
دخلت الصالون وأنا بنهار من الطول، رميت الشنطة والطبنجة على التربيزة وقعدت أبكي بحرقة:
ـ ولادي كانوا هيقتلوني يا نبيل.. ولادي قتلوا محمود وعايزين يحجروا عليا! محمود سابلي فلاشة في المكتب وبيقول فيها إنك ساعدته يغير الجثة.. قولي الحقيقة يا نبيل، جوزي مات ولا عايش؟ وجثة مين اللي دفناها الصبح؟!
الدكتور نبيل بلم.. ملامحه اتحولت لذهول تام، وفضل يبصلي ويبص للطبنجة اللي على التربيزة وهو مش مصدق. قعد قصادي وقال بصوت هادي وبطيء يخوف:
ـ فلاشة؟ محمود سابلك فلاشة بيقول فيها إني ساعدته؟
ـ أيوا.. الفيديو معايا هنا على الفلاشة دي!
نبيل حط إيده على راسه واتنهد تنهيدة هزت ضلوعه، وبصلي بنظرة مليانة رعب وشفقة وقال:
ـ يا روايح.. محمود مات قدام عيني في المستشفى بأزمة قلبية حادة ناتجة عن تسمم بمادة مجهولة.. وأنا اللي أشرفت على غسله وكفنه بنفسي.. محمود اندفن الصبح فعلاً وجثته هي اللي في القبر!
ـ أمال الفيديو؟! الخط اللي في الرسالة؟!
صرخت وأنا عقلي خلاص هيطير.
نبيل قرب مني ومسك كتفي:
ـ محمود جالي من تلات أسابيع يا روايح.. كان حاسس إن ولاده بيخططوا لحاجة، فطلب مني أسجل معاه فيديو كـ “تأمين” لو جرى له حاجة، وقاللي لو مات مقتول، أظهر الفيديو ده للنيابة.. بس الفيديو الأصلي معايا أنا في مكتبة بالطب الشرعي! الفلاشة اللي معاكي دي أكيد م تلعوب فيها بالذكاء الاصطناعي من المحامي رفعت وولادك عشان يسحبوكي للمصيدة ويثبتوا جنونك!
وقفت وأنا حاسة إن الحيطان بتقع عليا.. يعني محمود مات؟ مات فعلاً ومفيش أمل يرجع؟
وفجأة.. وقبل ما أنطق بكلمة.. تليفون المحامي رفعت اللي في شنطتي رن.
بصيت على الشاشة.. المتصل كان “أحمد”.
نبيل شاورلي أفتح وأشغل السبيكر. فتحت الخط وأنا كاتمة نفسي.
صوت أحمد جه من الناحية التانية، بس مكنش صوت شماتة.. كان صوت مرعوب، بينهج وصوته بيرتعش لدرجة الهستيريا:
ـ رفعت! الحقنا يا رفعت.. احنا رجعنا الفيلا في المعادي عشان ندور على الست.. ودخلنا مكتب أبويا..
أحمد سكت وهو بيشهق من الخوف، وكمل بصوت بيبكي:
ـ رفعت.. أبويا قاعد جوه المكتب.. محمود رسلان قاعد على كرسيه ولابس نضارته وبيتفرج علينا.. أبويا رجع من القبر يا رفعت!
