كنا قاعدين كلنا على السفرة2
في جزء من الثانية، تحولت السفرة لساحة معركة ضد الوقت. ماما خطفت طاجن الجمبري وهو لسه بيطلع دخان وسخونة، وجريت بيه على المطبخ، وأنا وأخويا لمينا الأطباق والرز والسلطة في حركات عشوائية مرعوبة، لدرجة إن معلقة وقعت على الأرض وعملت صوت رنين عالي في الصالة. تسنيم، مرات أخويا، كانت واقفة متجمدة في مكانها، الرعب رجع لملامحها وعينيها بتتحرك بين باب المطبخ وباب الشقة اللي كان خلاص بيتفتح.
بابا دخل.. هيبته وملامحه الجادة كانت كفيلة تخلي الدم يهرب من عروقنا. حط مفاتيحه على الترابيزة الصغيرة اللي جنب الباب، وبص لنا نظرة فاحصة، عينيه بدأت تتحرك في الصالة، وعدت على السفرة الفاضية اللي لسه ممسوحة بسرعة، وبعدها ثبتت علينا وإحنا واقفين زي المتهمين في قفص الاتهام.
أول كلمة نطقها كانت وهو بيشم الهوا ببطء: “إيه الريحة دي؟”
البيت كله كان لسه ماليان بريحة التوم والبهارات وطشة الجمبري الإسكندراني، ريحة قوية ومستحيل تتدارى بسهولة. ماما طلعت من المطبخ وهي بتمسح إيديها في المريلة، وبتحاول تظهر طبيعية جداً، وقالت بصوت هادي فيه رشة ارتباك: “أهلاً يا أبو حسن، جيت بدري يعني النهارده؟ الشغل خلص بدري ولا إيه؟”
بابا محركش عينه من عليها، وممشيش خطوة واحدة جوه الصالة، فضل واقف مكانه وقال بنبرة حادة: “بقول إيه الريحة دي يا أم حسن؟ دي مش ريحة طبيخك بتاع كل يوم.. في ريحة زفارة سمك أو حاجة تانية في البيت.”
في اللحظة دي، أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني. بصيت لأخويا، لقيت دراعه عروقه بارزة وهو ضامم إيده، ونظرة الغضب بتاعت امبارح بدأت تظهر تاني في عينيه. لو بابا عرف، مش هتبقى مشكلة أكل، هتبقى مشكلة “كسر كلامه” والتمرد على الأصول اللي فرضها امبارح بالحديد والنار.
ماما لفت بسرعة وبصت لتسنيم اللي كانت واقفة وراها، وقالت بذكاء ودهاء الأمهات: “أصل تسنيم يا سيدي.. كتر خيرها، صحت الصبح بدري وقالت لازم أنظف المطبخ والبيت كله بالخل والليمون عشان الروائح، وعملت دقة توم وخل عشان كانت بتنظف علب البهارات القديمة.. مش كده يا تسنيم؟”
تسنيم هزت رأسها بسرعة وهي بتبلع ريقها: “آه.. آه يا عمي، فعلاً.”
بابا مشي خطوات بطيئة ناحية السفرة، حط إيده على الخشب.. الخشب كان لسه دافي مطرح الطاجن السخن اللي كان محطوط عليه من دقيقة. بص لإيده، وبص لنا، ووشه مكنش بيقول إنه صدق الكلمة. قرب من المطبخ، وفتح الباب على آخره.
كلنا وقفنا ورا ظهره وأنفاسنا مكتومة. المطبخ كان نضيف، بس طاجن الجمبري مكنش في مكان ظاهر. بابا دخل، فتح الحلة اللي على البوتاجاز.. لقاها فاضية. بص في الحوض.. ملقاش مواعين. لكن الريحة جوه المطبخ كانت مركزة لدرجة تخنق. التفت لينا وقال وهو بيقفل عينيه نص قفلة: “الخل والليمون بيعملوا ريحة أكل مستوي يا أم حسن؟ أنا مش عيل صغير عشان تتفقوا عليا.. في إيه استوى في المطبخ ده والنهارده بالذات؟”
أخويا أخد خطوة لقدام، وصوته طلع خشن ومفهوش خوف: “جرى إيه يا بابا؟ هو احنا عاملين جريمة؟ البيت ريحته أكل، إيه المشكلة يعني؟”
بابا ساب المطبخ وطلع وقف قدام أخويا بالظبط، النظرة بقت تحدي وكسر إرادة: “المشكلة لما أحس إن في حاجة بتتعمل من ورا ظهري في بيتي. المشكلة لما كلمتي تنزل الأرض وامبارح بس قايل مفيش دلع ومفيش مصاريف ملهاش لزمة، والنهارده أشم ريحة حاجة غريبة.. أنت اشتريت حاجة من ورايا يا حسن؟” بص ليّ أنا فجأة بالسؤال ده.
أنا اتلعثمت، وبصيت في الأرض ومقدرتش أنطق. سكوتي كان شبه اعتراف.
بابا ضحك ضحكة صفرا وربَّع إيده: “تمام.. يعني اللعبة اتلعبت. نزلتم الصبح من ورايا وجبتم اللي هانم تتوحم عليه؟” وبص لتسنيم بنظرة لوم قاسية جداً.
تسنيم في اللحظة دي مقدرتش تستحمل، الكبت بتاع امبارح والخوف بتاع النهارده خلوها تنفجر في البكاء. قعدت على أقرب كرسي وحطت وشها بين إيديها وبقت تبكي بصوت يقطع القلب.
ماما هنا اتخلت عن هدوءها وخوفها، وقفت بين بابا وأخويا وقالت بصوت قوي وهز الصالة: “جرى إيه يا أبو حسن؟ جرى إيه يا راجل يا طيب يا صاحب الأصول؟! البنت مأكلتش لقمة من امبارح، نامت بدموعها في أول كام شهر ليها معانا.. أنا اللي بعت حسن، وأنا اللي طبخت، وأنا اللي قولت لازم البنت تاكل وتجبر خاطرها في بيتنا. لو كسر الخواطر عندك أصول، فالأصول دي مش بتاعتنا ولا بتاعة ربنا!”
الكلمات نزلت على الصالة زي الصاعقة. بابا أول مرة في حياته ماما تقف قدامه وتتكلم بالأسلوب ده وبالقوة دي. ملامحه اتحولت من الغضب لذهول تام، فضل باصص لماما وهو مش مصدق إن “أم حسن” الهادية المطيعة بتزعق في وشه وعشان مين؟ عشان خاطر مرات ابنها.
أخويا مسك إيد مراته تسنيم، وقومها من على الكرسي، وبص لبابا وقال له بلهجة حاسمة ونهائية: “احنا ملناش مكان هنا يا بابا.. أنا كنت مستني أشوف رد فعلك النهارده بعد ما هديت، كنت فاكر إنك هتيجي تطيب خاطرها بكلمتين، لكن أنت جيت تفتش وتدور وراكب دماغك. أنا هاخد مراتي وهمشي، واللقمة اللي هتدلني وتذل مراتي بيها، مش عايزها.”
أخويا شد تسنيم وطلعوا على أوضتهم عشان يلموا الهدوم اللي باقية، وبابا فضل واقف في نص الصالة، عينه بتروح بين ماما اللي بتنهج من العصبية وبين المطبخ اللي ماليان بالريحة اللي سببت كل ده. الصمت رجع تاني يسيطر على المكان، بس المرة دي كان صمت مشحون بقرارات هتغير شكل العيلة دي للأبد.
ماما بصت لبابا وقالت له بكسرة وألم: “هتمشي ابنك وعروسته وتخرب بيتهم بيدك يا أبو حسن؟ عشان خاطر طاجن سمك؟”
بابا منطقش ولا بكلمة، ملامحه لسه جامدة زي الصخر، بس عينيه كان فيها حاجة غريبة.. خليط من العند وصدمة إن البيت كله وقف في وشه في نفس اليوم. وفي وسط السكوت ده، سمعنا صوت سحاب الشنطة الكبيرة وهي بتتقفل جوه الأوضة.. خلاص، أخويا مجهز نفسه بجد للماشية ومحدش عارف الليلة دي هتخلص على إيه.
صوت سحاب الشنطة وهو بيتقفل كان زي الرصاص في ودن كل واحد فينا. ماما حطت إيدها على قلبها، وبصت لباب الأوضة وهي مش قادرة تتحرك، دموعها اللي حبساها من الصبح بدأت تنزل في صمت يقطع القلب. بابا فضل واقف مكان الخبطة، لسه مربع إيده، بس ملامحه الصخرية بدأت تتهز حتة صغيرة، كبرياؤه وعنده واقفين حاجز بينه وبين إنه ينطق بكلمة تهدي الليلة.
الباب اتفتح، وخرج أخويا شايل الشنطة الكبيرة في إيد، والإيد التانية ماسك بيها إيد تسنيم اللي كانت لسه بتعيط وكاتمة صوتها بالطرحة. أخويا كان باصص قدامه، عينه ملمستش عين بابا ولا لحظة، كأنه أخد قراره ومبقاش شايفه في الصالة أصلاً. قرب من ماما، وطى على إيدها باسها وقال بصوت مخنوق: “سامحيني يا أمي.. مش هقدر أقعد في مكان كرامة مراتي فيه بتتداس كل يوم، أنا هروح أقعد في شقة حماتي كام يوم لحد ما أشوف شقة إيجار برا المنطقة خالص.”
ماما مسكت في كم جاكته وصرخت بصوت واطي مكتوم: “لا يا ابني.. لا تخرب بيتك بيدك، اهدى عشان خاطري، يا أبو حسن قول كلمة! هتهون عليك عشرة ابنك ومراته في أول جوازهم؟!”
لكن بابا فضل ساكت، باصص للناحية التانية والشحرور اللي جواه رافض ينحني. أخويا شد إيد تسنيم وأخد خطوة ناحية باب الشقة، وبدأ يفتح القفل. في اللحظة دي، تسنيم لفت وشها وبصت لماما وبصت ليّ، وقالت وهي بتشهق من البكا: “شكراً يا طنط.. تسلم إيدك على الجمبري، أنا عمري ما هنسى اللي عملتيه معايا الصبح.. بس أنا ميرضينيش أكون سبب في خراب البيت.”
أخويا فتح الباب على آخره، والسلالم برا كانت ضلمة وكئيبة، سحب الشنطة وخرج أول خطوة.. وأنا واقف مشلول مش عارف أعمل إيه، هل أشد أخويا؟ ولا أقف قدام بابا؟
وفجأة، ومن غير أي مقدمات، سمعنا صوت كركبة جامدة على السلم برا، وصوت نفس عالي ومقطوع كأن في حد بيجري وبيتفادى السلالم بسرعة. أخويا وقف مكانه على العتبة ومخرجش، وتسنيم رجعت خطوة لورا.. وفجأة ظهر على باب الشقة “عم فرج” بتاع السمك!
عم فرج كان بينهج، ووشه عرقان، وماسك في إيده الشنطة السودا التانية اللي أنا مأخدتهاش الصبح. الراجل بص في الصالة، شاف الشنطة الكبيرة وشاف تسنيم بتعيط، وفهم الليلة في ثانية. دخل خطوتين جوه الشقة من غير ما حد يأذن له، وحط الشنطة السودا على الترابيزة بكل قوته وقال بصوت جهوري هز الحيطان:
“جرى إيه يا حجي متولي؟! جرى إيه يا راجل يا طيب يا بتاع الأصول؟! بقالي تلاتين سنة جاري في السوق وعمري ما شفتك بتكسر بخاطر حد! ابنك حسن جالي الصبح مرعوب وكأنه بيسرق، وأنا كملت نظافة السمك ولقيتني نسيت أديله بطارخ الجمبري والشوربة اللي أم حسن وصتني عليها.. جيت جري وراك عشان ألحقك قبل ما تروح الورشة، لقيت الجيران بيقولوا إنك رجعت البيت غضبان!”
بابا لف وشه لعم فرج، وملامحه اتغيرت تماماً، الصدمة ظهرت على وشه لأن الموضوع خرج برا حدود العيلة وبقى قدام أهل المنطقة. عم فرج محطش فرصة لبابا يتكلم، وقرب منه وحط إيده على كتفه وقال بلوم شديد: “يا متولي.. الجمبري غالي صح، والدنيا ضنك على الكل.. بس العروسة دي غريبة وسطنا، والأكل ده هفية نفس، ربنا اللي قال {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ}. تكسر بخاطر عيلتك عشان خاطر لقمة؟ دي لقمة وهتعدي، بس الزعل بيبني جبال.. عيب في حق شيبتك واسمك في السوق إن ابنك يطفش من بيتك في أول شهر جوازه عشان لقمة!”
الكلمات دي كانت تقيلة، وعم فرج داس على الجرح اللي بابا بيخاف منه.. “كلام الناس والسمعة في السوق”. بابا بص لعم فرج، وبعدها بص لأخويا اللي كان واقف على الباب والشنطة في إيده، وبص لماما اللي كانت منهارة في الأرض.
الصالة بقت تالت مرة في يومين تدخل في حالة سكون مرعبة.. بابا أخد نفس طويل، ورفع إيده ومسح على وشه وعينه، وبدأ يتحرك ببطء ناحية الباب حيث يقف أخويا. كلنا كتمنا أنفاسنا.. هل هيطرد عم فرج ويقفل الباب ورا ابنك؟ ولا العند هينكسر لأول مرة؟