الورث ندى الجمل 3

داليا هزت راسها بسرعة وهي بترتعش، وأخدت ليلى اللي كانت عمالة تعيط وتناديلها: “ماما.. أنا خايفة من الضلمة! مش عايزة أمشي!”

هنا مالت عليها وبستها بسرعة وهي بتحاول تحبس دموعها:

— “اسمعي كلام طنط داليا يا ليلى.. أنا وراكي علطول، مش هسيبك.. روحي معاها.”

أول ما داليا وليلى اختفوا من الباب السري اللي ورا المكتب ونزلوا في سلم الخدمة، سيف شد هنا من دراعها بقوة ووقفها ورا مكتبه الخشب العريض والمصفح ضد الرصاص. النور الخافت اللي جاي من كشافات العربيات الجيب بره كان بيعكس ظلال مرعبة على حيطان المكتب.

صوت ضرب النار بره في الصالة بقى عنيف جداً. رجالة سيف كانوا مدربين على أعلى مستوى، بس المهاجمين كانوا كتير ومعاهم أسلحة أوتوماتيكية تقيلة. صوت خطوات تقيلة وجري بدأ يقرب من ممر المكتب.

سيف همس لهنا وهو عينه على الباب:

— “الشنطة البنفسجي بتاعة ليلى.. إنتي كنتي ماسكاها كأن فيها حياتك. لو الملفات مش فيها، إيه اللي جوه الشنطة وخلاكي تغامري وتيجي هنا؟”

هنا بلعت ريقها وصوتها كان بيرتعش وهي سامعة صوت الرصاص بياكل في خشب الباب الخارجي للمكتب:

— “الشنطة فيها اللاب توب بتاع عادل الدمنهوري.. اللاب ده عليه الحسابات السرية لكل غسيل الأموال وتجارة الس*لاح اللي بتحصل باسم شركاتك من غير ما تعرف! الرجالة اللي بره دول مش جايين يقت*لوني أنا بس يا سيف.. دول جايين يمسحوا أي دليل يربطهم بالعمليات دي قبل ما الحكومة تحط إيدها عليها!”

فجأة، الباب الخشب بتاع المكتب اضرب عليه سيل من الرصاص، الإكرة اجمكت واتكسرت، والباب اتفتح بقوة نتيجة ركلة عنيفة من بره.

سيف في جزء من الثانية وطى وسحب هنا معاه للأرض ورا المكتب، والرصاص كان بيعدي من فوق راسهم يكسر في اللوحات والنجف الصغير اللي في السقف.

دخل راجل ضخم، لابس قناع أسود، وفي إيده بندقية آلية. بدأ يضرب نار بعشوائية في أركان الأوضة وهو بيزعق بصوت جهوري:

— “هنا منصور! سيف الدمنهوري! اطلعوا بدل ما نولع في المكان بمن فيه!”

سيف ببرود غريب، مكنش باين عليه أي خوف. بص لهنا ونزل صباعين إيده اللي كانوا دايماً إشارة لرجالته، المرة دي كانت الإشارة لنفسه.

حرك جسمه بسرعة البرق من ورا المكتب، وضرب تلات رصاصات متتالية بدقة متناهية. الراجل الضخم وقع في مكانه من غير ما يطلع صوت.

سيف قرب من الج*ثة بسرعه، وسحب البندقية الآلية من إيده، ولف لهنا وقالها:

— “الجراج مبقاش أمان.. داليا وليلى في خطر. إياد الدمنهوري مش غبي، أكيد مأمن المخارج التانية.”

في اللحظة دي، جهاز اللاسلكي اللي على الأرض جمب الج*ثة خروش، وطلع منه صوت حاد وبارد جداً، صوت سيف عارفه كويس.. صوت “إياد الدمنهوري”، ابن عمه:

— “سيف.. يا ابن عمي العزيز. أنا عارف إنك سامعني. المطعم كله تحت إيدي، ورجالتك بيموتوا بره واحد ورا التاني. والبنت الصغيرة وداليا؟ رجالتي مستنيينهم تحت عند العربية الـ SUV.. اللعبة خلصت يا سيف. اطلع وإيدك فوق راسك وإلا هتسمع صوت صريخ بنتك في اللاسلكي حالا.”

هنا حطت إيدها على بوقها وصرخت بانهيار تمام، وسيف مسك البندقية الآلية وعينيه اسودت وبقى فيها نظرة موت حقيقي.. ونبرة صوته اتغيرت تماماً وهو بيبص للممر.

 

سيف داس على زرار اللاسلكي اللي في إيده، وبصوت هادي لدرجة ترعب، أهدأ من برود الشتا اللي بره، قال:

— “إياد.. إنت غلطت غلطة عمرك لما فكرت إنك تقدر تدخل مكاني وتلعب بقواعدك. أنا مش هطلع وإيدي فوق راسي.. أنا هجيلك بنفسي.”

سيف رمى اللاسلكي على الأرض وداس عليه بجزمته كسره مية حتة. التفت لهنا اللي كانت منهارة تماماً على الأرض وبتترعش:

— “سيف.. أرجوك.. ليلى ملهاش ذنب، ليلى بنتك يا سيف! بنتك إنت مش بنتي لوحدي!”

الكلمة دي وقعت في الأوضة كأنها قنبلة حقيقية مش بلاغ كاذب. سيف ثبت مكانه لثانية واحدة، عينيه وسعت والصدمة هزت جبل البرود اللي جواه.. ليلى اللي كانت قاعدة جنبه على الترابيزة رقم ٧، اللي ورثت عناد الدمنهورية وذكائهم، طلعت حتة منه.

لكنه مأداش لنفسه فرصة يستسلم للصدمة؛ الوقت بيجري وكل ثانية بحياة. قرب من هنا، شدها من إيدها وقفها وقال بصوت قاطع زي السيف:

— “لو عايزة بنتنا تعيش.. تجمدي دلوقتي وتتحركي ورايا خطوة بخطوة. مفهوم؟”

هنا هزت راسها ومسحت دموعها بسرعة، الرعب على بنتها تحول لطاقة رهيبة.

سيف سحب خزنة البندقية الآلية، اتأكد إنها مليانة، وخرج للممر وهو بيتحرك بحذر ذئب بيصطاد. صالة “لا ڤيتا” الفخمة كانت متبهدلة؛ النجف المكسور مغطي الأرض، والرخام الأبيض غرقان دم. اتنين من رجالة إياد كانوا واقفين في الصالة مديين ضهرهم للممر وبيأمنوا المكان.

سيف ماداهمش فرصة يلتفتوا.. بتلات طلقات سريعة وخاطفة، وقعوا في مكانهم قبل ما حد يسمع صوتهم وسط ضرب النار اللي لسه شغال برا المطعم.

سيف شاور لهنا، وجريوا ناحية باب الخدمة الخلفي اللي بيودي للجراج السفلي. السلم كان ضلمة كحل، وريحة الرطوبة والعوادم مغرقة المكان. وهم نازلين، سمعوا صوت صدى ضحكة عالية وباردة جاية من تحت.. ضحكة إياد الدمنهوري.

وصلوا لآخر السلم واستخبوا ورا عمود خرساني ضخم. الجراج كان واسع، والإضاءة النيون الصفراء بترعش. في النص، كانت عربية سيف الـ SUV المصفحة واقفة، وحواليها خمس رجالة مسلحين.

داليا كانت واقفة على جنب، وشها غرقان دم من خبطة في راسها، وواحد من الرجالة ماسكها من شعرها. وإياد الدمنهوري واقف قدام باب العربية، ماسك ليلى من دراعها، والبنت كانت بتصرخ وتبكي بحرقة: “ماما! بابا! الحقوني!”

إياد كان لابس بالطو أسود طويل، وفي إيده مس*دس كاتم للصوت حاطه على راس ليلى. وبصوت عالي ومستفز زعق في الجراج:

— “اطلع يا سيف! أنا عارف إنك هنا.. الشنطة البنفسجي معايا، واللاب توب معايا.. والنسل الجديد للدمنهورية كمان في إيدي. اطلع بدل ما أنهي الحكاية دي هنا حالا!”

هنا كانت هتجري وتصرخ، بس سيف كتم بوقها بإيده وبص في عينيها مباشرة، وعينيه كان فيها نظرة تانية خالص.. نظرة راجل قرر يهد المعبد على اللي فيه عشان يحمي عيلته. همس في ودنها:

— “أول ما هبدأ ضرب، اطلعي اجري على داليا وخذي ليلى.. ومتبصيش وراكي.”

سيف أخد نفس عميق، وخرج من ورا العمود وهو رافع بندقيته، مش في وضع استسلام، لكن في وضع هجوم حتمي.. ووشه مفيش فيه غير ملامح الموت.

إياد أول ما شاف سيف خارج من ورا العمود، ضحكته الخبيثة وسعت، وضغط بالمس*دس أكتر على راس ليلى:

— “أخيراً شرفت يا إمبراطور.. خطوة كمان وهطير دماغها!”

سيف ما وقفش، وفضل يتقدم بخطوات بطيئة ومنتظمة، وعينيه مثبتة في عين إياد ببرود مرعب:

— “إنت فاكر إنك ماسك عليا لوي ذراع يا إياد؟ إنت مش عارف إنت واقف في ملك مين.. ولا عيلتك دي كلها عايشة على قفا مين.”

في أقل من رمشة عين، وقبل ما إياد يستوعب الجملة، سيف وجه البندقية الآلية مش ناحية إياد ورجالته.. وجهها لفوق وضرب دفعة رصاص مكثفة على لوحة مفاتيح الكهرباء الرئيسية وخزان خط إطفاء الحريق التلقائي اللي فوق راسهم مباشرة!

الشرار طار، والمواسير انفجرت وطلعت سيل من المية المضغوطة زي الشلال، والجراج كله اتقلب لـ ضباب وضلمة وتشويش كامل. في نفس الثانية، هنا جرت بأقصى سرعتها مستغلة الدوشة والمية اللي عمت عيون الرجالة.

الراجل اللي كان ماسك داليا اتزحلق من المية، داليا ضربته بكعب جزمتها في رجله وفلتت منه. إياد اتفاجئ بالمية ودموعه نزلت من ضغط الهوا، ليلى استغلت اللحظة وعضت إيده بكل قوتها. إياد صرخ وسابها، وهنا وصلت في نفس اللحظة، سحبت ليلى لحضنها والاتنين استخبوا ورا دهر العربية المصفحة.

رجالة إياد بدأوا يضربوا نار بعشوائية في الضلمة والمية، بس سيف مكنش بيضرب بعشوائية. هو حافظ زوايا الجراج ده حتة حتة.

بتحركات سريعة وصامتة زي الشبح، سيف بدأ يصطادهم واحد ورا التاني. صوت الرصاص بتاعه كان بيطلع مع كل صرخة لواحد من رجالة إياد وهو بيقع على الأرض. تلاتة ماتوا في أقل من دقيقة.

إياد حس إن السحر انقلب على الساحر، والسرير اللي كان فارشه لسيف بقى قبره هو. سحب الشنطة البنفسجي من على الأرض وحاول يجري ناحية مخرج الجراج الخلفي.

لكنه أول ما لف، لقى سيف واقف قدامه مباشرة.. المية مغرقة بدلة سيف الفحمية، وشعره نازل على جبهته، وعينيه فيها غضب الإمبراطور اللي صحى من النوم.

إياد رفع مس*دسه برعب وهو بيترعش:

— “لو قربت هقت*لك يا سيف! الفلوس والملفات معايا.. أنا اللي هبقى الدمنهوري الجديد!”

سيف لمس ماسورة مس*دس إياد بـ إيد واحدة، وبلفتة سريعة وقاتلة، لوى ذراع إياد لورا لحد ما صوت كسر العظم سمع في الجراج كله. إياد صرخ صرخة مكتومة والطبنجة وقعت من إيده. سيف وجمحه بالبونية في وشه وقعه على الأرض غرقان في دمه ومية المطر.

سيف وطى، أخد الشنطة البنفسجي، وبص لإياد وهو بيلهث:

— “الدمنهورية ليها كبِير واحد يا إياد.. وأبوك لما مات، مات عشان فكر في نفس اللي إنت فكرت فيه.”

في اللحظة دي، بيبان الجراج الكبيرة اتكسرت، ودخلت قوات خاصة تابعة لأمن الدولة، ومعاهم رئيس أمن سيف اللي باقي من رجالته. المكان كله اتملى بنور الكشافات القوية. القائد قرب من سيف وبص لإياد وللج*ثث:

— “سيف بيه.. إحنا سيطرنا على المطعم فوق، ورجالة الأمن قبضوا على باقي العصابة بره بعد البلاغ التاني اللي جالنا من مكتبك. إيه الوضع هنا؟”

سيف شاور على إياد المرمي على الأرض:

— “الراجل ده ورجالته هما اللي عملوا بلاغ القنبلة المزور، وهما اللي هاجموا المطعم.. خذوهم من هنا.”

القوات سحبت إياد والرجالة، والجراج بدأ يفضى.

سيف التفت ورا العربية الـ SUV. هنا كانت قاعدة على الأرض، ضامة ليلى لحضنها وداليا جنبهما بيطمنوهم. سيف قرب بخطوات هادية، ونزل على ركبته قدامهم.

ليلى رفعت راسها، عينيها البنية الواسعة — اللي شبه عيون سيف بالظبط — كانت مليانة دموع بس مبقاش فيها خوف. بصتله وقالت بصوت واطي:

— “عمو سيف.. إنت بطل زي اللي في الكرتون؟”

سيف ملامحه لانت تماماً لأول مرة من سنين. مد إيده ومسح مية المطر والدموع من على خدها الصغير، وبص لهنا اللي كانت بتبص له بنظرة رجاء واعتذار وتعب من السنين اللي فاتت.

سيف وقف، ومد إيده لهنا عشان تقوم:

— “المطعم اتبهدل.. والليل لسه أوله. قصر المريوطية جاهز، ودلوقتي.. إحنا التلاتة عندنا كلام كتير جداً لازم يتقال، ومتاهات قديمة لازم تتحل.”

هنا مسكت إيده وقامت، وليلى مسكت في إيد سيف التانية وهي شايلة شنطتها البنفسجي. سيف فتحلهم باب العربية المصفحة، وركبوا سوا.. والعربية مشيت في شوارع الزمالك تحت المطر، سيبين وراهم ليلة مطعم “لا ڤيتا” اللي غيرت كل حاجة، وبداية فصل جديد لإمبراطورية الدمنهوري.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *