منعتني حكايات رومانى مكرم 1
أخت جوزي منعتني من حضور خطوبتها عشان في نظرها أنا حتة بنت “فقيرة وجاية من الأرياف”، بس لما خطيبها شافني، انحنى قدامي وعاملني باحترام وهيبة خلتها واقفة وسط المعازيم مصدومة ومش فاهمة حاجة!
أنا متجوزة من سنتين، وعيلة جوزي متكونة من تلات إخوات، وجوزي “أحمد” هو أصغرهم. أخته الكبيرة “شيرين” معروفة في المنطقة وفي العيلة إنها مناخيرها في السما، لسانها طويل، ومتكبرة بشكل مش طبيعي. من يوم ما دخلت البيت وهي بتقلل مني قدام الرايح والجاي، ولا حتى بتحاول تداري كرهها ليا.
أنا أصلي من الأرياف، بنت فلاحين، واتربيت على الشقا من صغري وأن لقمة العيش بتيجي بالتعب. بعد ما خلصت جامعتي، دخلت مجال الديكور وتشطيب الشقق، وبتعبي وعرقي قدرت أعمل مكتبي الخاص بيا. وبما إني بطبعي هادية وبحب البساطة، عمري ما اتمنظرت بفلوسي ولا قولت أنا عندي وعندي، وخصوصاً قدام عيلة جوزي. في نظرهم، أنا مجرد “بنت فلاحين غلبانة وأحمد نتشها وجوزها”.
كانت شيرين ديما تبصلي بقرف وتقول:
— أنا مش عارفة أحمد كان عقله فين وهو بيتجوز دي! يلا، أهي بتعرف تطبخ وتمسح وخلاص.. أصل الفلوس والوجاهة مش وشها طبعاً!
كنت ببتسم وأسكت، ومبرضاش أرد عليها، لأني مش محتاجة أثبتلها أنا مين.
### ليلة المنع.. العريس “الباشمهندس”
في يوم، البيت كله اتقلب طوارئ وفرحة: شيرين جاي لها عريس لقطة. مهندس ديكور ومقاولات معروف جداً وله اسمه في السوق، واسمه “الباشمهندس طارق”.
حماتي دخلت عليا المطبخ وهي فرحانة وبتقولي:
— اجهزي يا “ولاء” والبسيلك فستان حلو من اللي عندك، بكرة عيلة العريس جايين يتفقوا.
لسه هبتسم وأقولها حاضر، لقيت شيرين داخلة حاطة إيدها في وسطها وبتقول ببرود وقرف:
— لا يا ماما، ولاء مش هتحضر معانا. عيلة طارق ناس أثرياء ومن الوجاهات، وهي لو قعدت وسطهم هتحس إنها غريبة، وممكن تكسفنا وتلخبط في الكلام.. بلاش إحراج بالله عليكِ!
أحمد جوزي دمه حرق وقام وقف وزعق:
— جرى إيه يا شيرين؟! دي مراتي يعني ست البيت، وإنتِ إزاي تتكلمي معاها بالطريقة دي؟!
شيرين لوات بوزها وقالت:
— يا أحمد افهم، المظاهر في الحاجات دي هي كل حاجة. بكرة الناس يقولوا إيه لما يلاقوا حماة أختهم لابسة بسيط وكلامها فلاحي؟ شكلنا هيبقى وحش أوي!
أنا مسكت إيد أحمد وهديته وقولت بابتسامة صافية:
— خلاص يا أحمد، حصل خير.. مفيش داعي للمشاكل، وأنا بتمنالك يا شيرين كل خير وسعادة من قلبي.
سكتّ، بس كنت عارفة إن الدنيا دي دوارة، واليوم اللي شيرين هتاخد فيه درس عمرها قرب أوي.
### ليلة الحنة والخطوبة.. الصدمة الكبيرة
جه يوم الخطوبة، ورغم إنها منعتني وقالتلي متجيش، أنا قررت أروح القاعة. مش عشان أتباهى، ولا عشان أضايقها، أنا روحت بصفاء نية عشان أبارك لـ “أخت جوزي”.
لبست فستان أبيض هادي وبسيط جداً، بس شيك ومنسق. أول ما دخلت القاعة، شيرين عينيها جت عليا وبرقت، وجت جري عليا وقالت بصوت واطي ومغلول:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟! مش أنا قولتلك متجيش؟!
رديت عليها بكل برود وهدوء:
— جيت أباركلك يا شيرين مش أكتر، وعمري ما هعمل حاجة تحرجك، متقلقيش.
بصتلي من فوق لتحت باحتقار وقالت:
— طب اتريحي في أي جنة ومتحتكيش بحد عشان متصغريناش!
سبتها ووقفت بعيد. بعد دقايق، دخل العريس، “الباشمهندس طارق”، وكان لابس بدلة شيك جداً وداخل بهيبته وسط أهله.
أول ما دخل وبدأ يسلم على الناس، عينيه جت في عيني.. فجأة وجهه اتقلب تماماً، عينه اتسعت من الصدمة، وكاس العصير اللي كان في إيده وقع واتدشدش مية حتة على الأرض!
#الكاتب_رومانى_مكرم
طارق مشي خطوات سريعة ونزل راسه بانحناءة احترام كبيرة جداً، وقال بصوت لسه مذهول ومتردد:
— الباشمهندسة ولاء؟! صاحبة شركات “الولاء للمقاولات والديكور”؟! أنا مش مصدق عيني!
القاعة كلها سكتت، والمزيكا وقفت.. وشيرين وفستانها اتسمروا في مكانهم، والكل باصص لطارق اللي واقف قدام “البنت الفلاحية” بكل هيبة واحترام، ومش فاهمين إيه اللي خلى العريس “ابن الأكابر” يتصدم ويقف كأنه تلميذ قدام أستاذته!
ـ الباشمهندسة ولاء؟! صاحبة شركات “الولاء للمقاولات والديكور”؟! أنا مش مصدق عيني!
القاعة كلها سكتت، والمزيكا وقفت.. وشيرين وفستانها اتسمروا في مكانهم، والكل باصص لطارق اللي واقف قدام “البنت الفلاحية” بكل هيبة واحترام، ومش فاهمين إيه اللي خلى العريس “ابن الأكابر” يتصدم ويقف كأنه تلميذ قدام أستاذته!
أنا ابتسمت بهدوء وثبات، ومديت إيدي أسلم عليه وقولت:
— أهلاً بيك يا باشمهندس طارق، ألف مبروك الخطوبة. منور الدنيا كلها.
طارق لسه مذهول، ومسك إيدي باحترام شديد وهو بيقول بصوت مسموع للكل:
— الله يبارك فيكِ يا فندم.. بس أنا بجد مش مستوعب! الباشمهندسة ولاء بنفسها هنا؟! دا أنا بقالي سنة ونص بحاول أخد ميعاد مع حضرتك في الشركة عشان ندخل شراكة في مشروع “أبراج العاصمة”، وسكرتارية مكتبك كانوا بيقولوا لي إن جدولك زحمة جداً.. مش ممكن الصدفة دي! هو حضرتك تقرب العريس؟
هنا شيرين كانت واقفة مبرقة، الدم هرب من وشها تماماً، وبصت لطارق وهي بتقول بصوت مرتعش ومشحون بالصدمة:
— طارق.. أنت بتتكلم عن مين؟ دي ولاء.. مراتي أخويا الصغير أحمد! دي.. دي بنت غلبانة من الأرياف! أنت أكيد مشبه عليها!
طارق لف لشيرين وبص لها باستنكار واضح وضيق، وقال لها بنبرة حاسمة:
— مشبه عليها إزاي يا شيرين؟! أنتِ مش عارفة أنتِ بتتكلمي عن مين؟! الباشمهندسة ولاء دي أكبر اسم في سوق الديكور والمقاولات الحديثة حالياً، الديزاينز بتاعتها بتكسب جوائز دولية، والشركات الكبيرة كلها بتسعى عشان توقيع إيدها على أي مشروع! أرياف إيه وغلبانة إيه؟! دي سيدة أعمال من الطراز الأول!
أحمد جوزي في اللحظة دي خطى خطواته ووقف جنبي، وهو رافع راسه لفوق، والابتسامة مش سايعاه.. بص لشيرين وقولها بصوت كله فخر:
— قولتلك يا شيرين المظاهر مش كل حاجة، ومراتي اللي كنتِ بتقللي منها وتمنعيها من حضور خطوبتك، هي الوجاهة والشرف لأي مكان تدخل فيه.. بس أنتِ اللي عينيكِ مابتشوفش غير القشور.
حماتي وقفت في مكانها مش مصدقة، وبدأت تبصلي بنظرات تانية خالص، نظرات فيها ذهول واعتذار مكتوم.. والمعازيم وعيلة طارق بدأوا يتهامسوا ويبصوا لشيرين اللي كانت عايزة الأرض تنشق وتبلعها من كتر الكسوف والإحراج وسط الناس، فستانها المنفوش ومظاهرها اللي كانت بتتمنظر بيها اتهدوا في ثانية قدام حقيقة ولاء “بنت الأرياف” اللي بنتها بعرقها وشقاها.
طارق التفت ليا تاني وقال باعتذار:
— أنا بجد بعتذر لو كنت قطعت كلامكم يا باشمهندسة، بس حقيقي الشرف ليا إنك موجودة في ليلتي دي.. وأنا طمعان في كرمك إننا نحدد ميعاد قريب في مكتبك عشان الشغل.
هزيت راسي بثقة وقولتله:
— إن شاء الله يا باشمهندس، أحمد جوزي هينسق معاك الميعاد.. مبروك مرة تانية.
أخدت إيد أحمد جوزي، وبصيت لشيرين اللي كانت واقفة زي التماثيل والدموع محبوسة في عينيها من صدمة عمرها، وقولتلها بهدوء:
— مبروك يا عروسة.. ياريت تكوني عرفتِ دلوقتي إن قيمة البني آدم في تعبه وأصله، مش في منظرة كدابة.
انسحبت من القاعة بكل هدوء ووقار، وأحمد جنبي ساندني، وسبت ورايا قاعة مقلوبة، وعروسة مذهولة عرفت في ليلة خطوبتها إن اللي حاولت تصغرها.. طلعت أكبر بكتير من كل أوهامها.