جبروت جوزى 3
حكايات على ابو الدهب
الخط قطع، والتليفون فضِل في إيدي حتة حديدة ملهاش عازة. صوت الرنة الأخيرة كان بيتردد في ودني وزي ما يكون بيعد الثواني اللي باقية لي في الدنيا. بصيت حواليا في شقة أبويا الله يرحمه؛ الحيطان اللي قشرها التراب، والشبابيك الخشب القديمة اللي السلك بتاعها مقطوع. المكان اللي كان من مطلع الشمس أماني، اتقلب في ثانية لقفص أنا محبوسة جواه، وأدهم جاي في السكة عشان يقفله عليا.
جسمي كله اتصلب، والشنطة اللي وقعت على الأرض كانت مفتوحة وورق الورث باين منها. أدهم مش بيكدب، هو فعلاً عارف الشقة دي لأننا جينا هنا مرة واحدة زمان أول ما اتجوزنا عشان ننقل منها كام حتة موبيليا قديمة.
نزلت على ركبي، ولميت الورق في الشنطة وبإيد بتترعش قفلت السوستة. عقلي كان واقف، بس غريزة البقاء كانت بتصرخ جوايا: “امشي.. اخرجي من هنا حالاً”. قمت وقفت وسحبت الشنطة وجريت على باب الشقة. حطيت إيدي علىكرة الباب، ولسه هفتحه.. وقفت مكاني.
سألت نفسي: هتروحي فين؟ الشارع في الوقت ده زحمة، ولو ركبت تاكسي ولقيته في وشي على أول الشارع هعمل إيه؟ أدهم مش في وعيه، أدهم خسر فلوسه، وحسابه اتجمد، ومركزه اتهز قدام الناس، يعني معندوش حاجة يخاف عليها.
رجعت لورا خطوتين وأنا ببلع ريقي بصعوبة. رحت على المطبخ القديم، دورت بعيني وسط الكراكيب لحد ما لقيت سك*ين مطبخ صهرها الصدأ بس بوزها حامي. مسكتها بقوة لدرجة إن صوابعي ابيضت. مكنتش ناوية أقت*له، بس مكنتش ناوية أخليه يلمسني تاني وأنا واقفة مستسلمة.
طلعت التليفون الصغير وطلبت فريد المحامي. الخط جمع بسرعة وصوته طلع ملهوف: “هدى! أنتِ فين؟”
قلت له بصوت واطي ومخنوق من الرعب: “فريد.. أدهم كلمني. أدهم عرف مكاني وجايلك في السكة. أنا في شقة بابا القديمة اللي في..”
قبل ما أكمل العنوان، سمعت صوت فرملة عربية قوية تحت البيت، صوت عجل بيحك في الأسفلت بعنف. جريت على شباك الصالة، وواربت الشيش بحذر وبصيت.
كانت عربية أدهم السودا.
نزل منها زي المجنون، قفل الباب وراه برزع هزت الشارع، وبص لفوق، ناحية الشباك اللي أنا واقفة وراه. عينيه من تحت النور الميت بتاع عمود المنور كانت مليانة شر مشفتوش في حياتي قبل كده.
قلت في التليفون بصراخ مكتوم: “وصل يا فريد! أدهم تحت البيت! اطلبلي البوليس.. أرجوك اطلب البوليس!”
فريد زعق في الخط: “امشي من الشقة يا هدى! اطلعي على السطوح.. أو ادخلي عند أي جيران! أنا هكلم النجدة حالاً وكلمت ضابط المباحث اللي كان ماسك الق*ضية الصبح.. أنا جاي وراهم!”
قفل الخط، وسمعت صوت باب العمارة اللي تحت وهو بيترزع. صوت خطواته وهي طالعة على السلم كانت سريعة ومنتظمة، زي دقات ساعة الموت. السلم خشب قديم، وكل خطوة كانت بتعمل تزييق بيسمّع في ودني وكأنه بيخترق صدري.
حطيت الس*كينة في جيبي، وسحبت الشنطة وجريت على باب الشقة تاني. فتحت القفل بالراحة من غير ما أعمل صوت، وخرجت لبير السلم. كان ضلمة كحل ومفيش فيه غير لمبة واحدة سهاري في الدور الأرضي. بصيت لفوق.. السلم مكمل لحد السطوح.
بدأت أطلع السلم خطوة خطوة على طراطيف صوابعي، والشنطة تقيلة في إيدي. وصلت للدور التالت، وسمعت صوت خطواته وصلت للدور التاني.. شقتي.
وقف قدام الباب، وسمعت خبط ورزع عنيف على الخشب، وصوته الجهوري وهو بيزعق: “هدى! افتحي! أنا عارف إنك جوة.. افتحي بدل ما أكسر الباب وأكسر دماغك!”
الخبط زاد لدرجة إن البيت كله كان بيتهز. استغليت الصوت ده وجريت بأقصى سرعتي لفوق لحد ما وصلت لباب السطوح. حطيت إيدي عليه وبكل قوتي زقيته.. كان مقفول بقفل حديد كبير من برة.
قلبي سقط في رجلي. أنا محبوسة فوق.
في اللحظة دي، الخبط تحت وقف تماماً. وعرفت إنه اكتشف إن الباب مفتوح أو إن الشقة فاضية.
صوته طلع من قلب ضلمة السلم، بس المرة دي كان قريب.. قريب جداً، وبيقرب: “مش هنا يا هدى؟ ماشي.. بس شنطة هدومك مش جوة، وريحة غباوتك مالية المكان. أنتِ فوق صح؟”
صوت التزييق بتاع الخشب بدأ يعلى تاني، بس المرة دي طالع لفوق. ناحيتي.
استخبيت ورا الحيطة المدارية لقلبة السلم الأخيرة، وكتمت نفسي بإيدي والدموع بتنزل من تحت النظارة الشمسية اللي لسه لابسها. الس*كينة كانت في إيدي التانية، وجسمي كله كان بيترعش لدرجة إن الس*كينة كانت بتخبط في الحيطة وتعمل صوت خفيف.
ظهر ظله على الحيطة.. طوله وعرضه اللي كانوا دايماً بيحسسوني بالأمان، بقوا هما كابوسي.
طلع السلمة الأخيرة، ووقف في الممر الضلمة قدام باب السطوح المقفول. لف وشه الناحية التانية وهو بيتنفس بصوت عالي زي الثور الهيجان، وقال بنبرة هادية وساخرة: “اطلعي يا هدى.. متوجعيش قلبي وقلبك. هاتي الورق، وخلينا نحل الموضوع ودي.. بدل ما أوريكي الوش اللي لسه مشفتيهوش.”
خطوة واحدة.. وبقى واجف وش لوش معايا.
عينه جت في عيني. النظارة وقعت من على وشي من الخضة. أدهم بص لوشي المتورم، وابتسم ابتسامة مريضة، وقرب خطوة وهو بيمد إيده: “هاتي الشنطة.”
رجعت لورا لحد ما ضهري خبط في سور السلم القصير. رفعت الس*كينة في وشه وإيدي بتترعش: “ابعد عني يا أدهم.. والله العظيم لو قربت هتموتني أو هموتك! ابعد!”
أدهم بص للس*كينة وضحك باستهزاء: “أنتِ؟ أنتِ هتشيلي س*لاح في وشي؟ هاتي البتاع ده من إيدك..”
وقبل ما أكمل كلمتي، هجم عليا وزق إيدي اللي فيها الس*كينة بكل قوته. الس*كينة طارت من إيدي ووقعت من قلب بير السلم لحد الدور الأرضي، وعملت رنة حديد عالية.
مسكني من رقبتي وضغط بكل غله: “فاكرة نفسك بني آدمة؟ أنتِ حتة جربوعة.. أنا اللي عملتلك قيمة! الفلوس برة مصر، والورق ده هينحرق الليلة، وأنتِ مش هيردك عني حد!”
نفسي بدأ يتقطع، والدنيا بدأت تسود في عيني. حاولت أضربه بإيدي على وشه، أربطه بضوافري، بس كان أقوى مني بمراحل. وفجأة، وأنا على حافة إنه يغمى عليا، سمعت صوت سرينة البوليس وهي بتملا الشارع تحت، وصوت خطوات كتيرة وقوية بتكسر باب العمارة وبتطلع السلم بسرعة وصريخ.
أدهم اتنفض، وضغطته على رقبتي خفت. بص وراه برعب، وفي اللحظة دي استجمعت كل القوة اللي باقية في جسمي، وزقيته بكل عزمي في صدره.
أدهم توازن اختل.. ورجله فلتت من على حرف السلمة الأخيرة.. ووقع لورا.
أدهم توازن اختل.. ورجله فلتت من على حرف السلمة الأخيرة، وطار لورا في الفراغ.
سمعت صوت جسمه وهو بيخبط في السقالة الخشب القديمة اللي كانت متعلقة في منور السلم، وبعدها رزع قوية هزت جدران البيت كله، متبوعة بصوت أنين مكتوم وموجوع جداً، وانتهى كل شيء بسكون مرعب.
وقعت على ركبي وأنا باخد نفسي بصعوبة، إيدي على رقبتي بحاول أستنشق الهوا اللي اتقطع عني. الدموع كانت بتعمي عيني، وجسمي كله كان بينتفض من الصدمة والرعب. في ثواني، السلم الضلمة اتملا بنور كشافات قوية، وصوت خطوات سريعة جداً طلعت لفوق.
فريد المحامي كان أول واحد يوصل، ووراه ضابط المباحث واثنين من أمناء الشرطة. فريد جرى عليا وسندني وهو بيزعق بخوف: “هدى! أنتِ كويسة؟ عمل فيكي إيه؟”
مقدرتش أنطق، شاورت بإيدي اللي بتترعش ناحية قلب بير السلم.
الضابط قرب وبص بالكشاف بتاعه لتحت، ووشه اتغير تماماً. التفت لأمين الشرطة وقال بسرعة: “اطلب الإسعاف حالا! المتهم وقع من الدور الرابع ومغمى عليه والدم مغرق المكان!”
فريد ساعدني أقوم، وأنا مش حاسة برجلي. نزلت معاهم خطوة خطوة وأنا بحاول مبصش لتحت، بس لما وصلنا للدور الأرضي، شفت أدهم مرمي على بطنه، مبيتتحركش، وراسه نازل منها دم كتير على البلاط المكسر. الوحش اللي كان من دقيقتين مستعد ينهي حياتي، بقى ج*ثة هامدة بين الحيا والموت.
الشرطة أخدت أقوالي في مكان الواقعة، وفريد أصر إننا نروح المستشفى عشان يثبتوا محاولة الاعتداء الجديدة والضغط اللي على رقبتي. وطول الليل، وأنا قاعدة في الاستقبال، كانت الأخبار بتيجي من غرفة العمليات؛ أدهم عنده نزيف في المخ وكسور مضاعفة في الحوض والرجلين، وحالته حرجة جداً.
الست ميرفت جت المستشفى وهي بتصرخ زي المجنونة، وأول ما شافتني هجمت عليا وهي بتدعي: “أنتِ السبب! خربتي بيت ابني وضيعتيه! ربنا ينتقم منك!”
لكن الضابط وقف في وشها وقال لها بحزم: “ابنك صادر ضده أمر ضبط وإحضار تاني، وهو اللي تهجم على المدام في بيتها وحاول يقت*لها، والشهود والمحامي أكدوا ده. احمدي ربنا إنه لسه عايش.”
عدى الأسبوع الأول وكأنه سنة. أدهم فاق من الغيبوبة، بس الصدمة الكبيرة لأمه وله كانت تقرير الأطباء: أدهم أصيب بشلل نصفي كامل نتيجة كسر في العمود الفقري، ومش هيقدر يقف على رجله تاني طول حياته.
في نفس الأسبوع، وبمساعدة المحاسب القانوني وفريد، النيابة قدرت تثبت التزوير بناءً على المستندات الأصيلة اللي كانت معايا في الشنطة. وبما إن أدهم بقى عاجز عن الحركة، صدر حكم بحبسه على ذمة القض*ية، وتم نقله لمستشفى السجن تحت حراسة مشددة.
أما بخصوص الفلوس اللي هربها باسم أمه، فريد رفع ق*ضية مستعجلة وبناءً على التحويلات المزورة، صدر قرار من المحكمة بالتحفظ على الأموال دي ومنع الست ميرفت من التصرف في أي مليم، وتم تجميد الحساب اللي برة مصر بالتنسيق مع الجهات القضائية.
**الجزء الأخير:**
بعد مرور ستة أشهر.
واقفة قدام المراية في شقتي الجديدة.. الشقة اللي اشتريتها من فلوس ورثي اللي رجعتلي بالكامل بقوة القانون. الزرقان اللي كان تحت عيني اختفى، والورم راح، بس الأهم إن الخوف اللي كان ساكن جوايا اتمحى وحل محله هدوء مكنتش دوقته من سنين.
النهاردة كان يوم جلسة النطق بالحكم النهائي في ق*ضية التزوير والشروع في الق*تل.
لبست فستان أسود أنيق، ومحطيتش مكياج عشان أداري حاجة، حطيته وأنا مبتسمة لنفسي وللست القوية اللي واقفة قدامي في المراية، الست اللي رفضت تتدفن حية.
رحت المحكمة مع أستاذ فريد. القاعة كانت زحمة، وفي قفص الاتهام، كان أدهم قاعد على كرسي متحرك. وشه كان شاحب، وخاسس النص، وعينيه اللي كانت زمان مليانة غرور وشر، بقت مكسورة وباصة للأرض. جنبه كانت الست ميرفت قاعدة على دكة خشب، ومتبهدلة، وباين عليها العجز والهم بعد ما خسرت كل الفلوس والنفوذ والشقة اللي اتمشت بالشمع الأحمر واتباعت في المزاد لصالح الديون.
القاضي دخل، والقاعة كلها سكتت. بدأ يقرا الحكم بنبرة هزت القاعة: “حكمت المحكمة حضورياً على المتهم أدهم… بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات وإلزامه برد كافة المبالغ المختلسة والتعويض…”
صوت الشاكوش وهو بيخبط على مكتب القاضي كان أخر صوت سمعته في الحكاية دي. تكة الشاكوش دي.. قفلت كتاب الماضي بتاعي مع أدهم للأبد.
التفتت وعطيتهم ضهري ومشيت بخطوات ثابتة وثقة نحو باب القاعة. أدهم رفع عينه وبصلي وهو بيتحرك بالكرسي جوة القفص، كانت عينيه بتترجاني، بس أنا مكنش جوايا له غير الشفقة.. الشفقة على بني آدم ضيع نفسه بظلمه وجشعه.
خرجت من مبنى المحكمة، والشمس كانت طالعة والجو حر وجميل. أخدت نفس عميق وماليت بيه صدري، وحسيت لأول مرة إني حرة، ونقية، وإن حقي رجع تالت ومتلت.
ركبت عربيتي الجديدة، وشغلت الراديو، ومشيت في طريقي.. طريق حياتي الجديدة اللي هبنيها بنفسي، ومن غير ما اسمح لأي وحش في الدنيا إنه يكسرني تاني.