بنتي قالت إن أخوها الكبير1

بنتي قالت إن أخوها الكبير قرب منها ولمسها.. صدقتها من غير ما أفكر ثانية واحدة، وسبت جوزي يفرتك ابننا من الضرب ويطرده في الشارع ويرميه رمية الكلاب.

وبعد سنتين كاملين، بنتي كانت بين الحيا والموت في الرعاية المركزة بعد حادثة قطر مرعبة، والدكاترة قالوا لنا إن الأمل الوحيد عشان تعيش هو إن أخوها يتبرع لها بفص من الكبد أو كلية.

لفينا الدنيا عليه وكعب داير لحد ما وصلنا له.

جيه المستشفى..

ووقف قدام سرير أخته وهي بتبكي وبتنزف وبتعترف له بالحقيقة.

سمعها.. ولف ضهره ومشي.

وقبل ما يخرج من باب المستشفى قال كلمتين نشفوا الدم في عروقنا:

**”ما تستنوش مني حاجة تانية.. أنا مت بالنسبة لكم من سنتين”.**

من غلبي وقلة حيلتي، أخدت اسمه الكامل وصورته ونشرتهم على الفيسبوك وتيك توك وفضحت الدنيا، وقولت للناس الحقوني ابني عاق وسايب أخته تموت.

أربع ساعات بالثانية.. والواد نشر فيديو قلب السوشيال ميديا كلها فوق رأسنا. وفجأة، بقيت أنا أكتر ست مكروهة في مصر كلها، والناس كلها بتدعي عليا، في نفس الوقت اللي كانت فيه شاشات الأجهزة بتاعة بنتي بتصفر ونبضها بينزل قدام عيني.. ويموت.

### عيلتنا قبل الزلزال

أنا اسمي **مريم**.. كان عندي 38 سنة لما بيتي اتهد واتخرب على دماغي.

جوزي **حسن** كان عنده 39 سنة، شغال أرزقي وبيلف على لقمة العيش برة المحافظة.

ربنا رزقنا بولدين..

**كريم**.. كان عنده 18 سنة (في أولى جامعة).

و**منة**.. كانت عندها 9 سنين في ابتدائي.

الفرق بينهم عشر سنين كاملين.. ورغم كده كنت دايماً شيفاهم زي السمن على العسل، وبيحبوا بعض زي أي أخ وأخته.

* **كريم:** كان واد هادي بطبعه، مالوش في المشاكل ولا اللعب في الشارع، ليل نهار في أوضته بين كتبه ومذاكرته.. عمره ما عمل لقطة وحشة أو خلاني أشك في أخلاقه.

* **منة:** كانت العكس تماماً.. شقية، ولمضة، وحركتها كتير، مابتفصلش كلام، زي العاصفة اللي مابتخمدش.

ولأن شُغلي كان بياخد كام ساعة الصبح، وحسن جوزي كان على طول مسافر في غيبات تبع الشغل، كان كريم هو اللي بيشيل أخته.. يجيبها من المدرسة، ويقعد معاها لحد ما أرجع. عمري ما شوفت حاجة تقلق، ولا الهوا.. لحد الليلة الملعونة دي.

### العشاء الأخير.. والكلمة اللي تخرّب بيوت

كنا متجمعين كلنا يوم جمعة بناكل لقمة.. عملت صينية مكرونة بالبشاميل، ومرت أخويا كانت جايبة معاها صينية بسبوسة، والعيال الصغيرة عمالة تتنطط وتلعب في الصالة. الدنيا كانت أمان وفي منتهى الهدوء.

وفجأة.. منة قطعت الضحك كله بكلمة حطت وسطنا قنبلة.

قالت فجأة بصوت عالي:

**”ماما…”**

الكل سكت وبص لها.. وراحت قايلة بكل برود ومن غير ما تعيط:

**”كريم بيلمسني هنا..”** وشاورت على حتة في جسمها.

البيت كله اتخرس.. سكوت غريب لدرجة إن اللقمة وقفت في زوري، والشركة وقعت من إيد ابن أخويا على الطبلية. حسن جوزي بص لي وعينيه هتطلع من مكانها من الصدمة، وأنا مكنتش قادرة أستوعب الكلام.. كأني في حلم.

سألتها وأنا سِني بيخبط في بعضه:

**”بتقولي إيه يا منة؟! أنطقي!”**

ردت بكل ثقة:

**”عمل كده مرتين وهو قاعد معايا”.**

في اللحظة دي الدنيا دارت بيا، والنفس انقطع.. مكنتش شايفة قدامي غير نار قايدة في شرفي وعرضي، وخوف على بنتي اللي لسه لحمة حمرا.

### الطردة والخراب

كلمناه في التليفون وكان في السكن بتاع الجامعة في الزقازيق.. نزل وجيه جري في خلال نص ساعة، وأول ما خطى عتبة الباب ما دافعش عن نفسه حتى.. حسن وجع في وشه بلكمة طيرت ضبابه.. الواد وقع على الأرض مش فاهم حاجة ودمه سايح.

صرخ وهو مذهول:

**”في إيه؟! بتضربني ليه يا أبا؟!”**

حسن زعق بصوت هز البيت:

**”أنت لمست أختك يا كلب؟!”**

كريم بص لنا بنظرة عمري ما هنسى كسرتها.. نظرة واحد اتغدر بيه من أقرب الناس ليه.. وقال:

**”إيه؟! لا طبعاً.. والله العظيم ما حصل!”**

بس حسن ما سمعش.. ونزل فيه ضرب بالرجلين والأيدين، والواد بيصرخ ويقول: **”أنا مظلوم.. يا أمي ردي عليا!”**

وأنا؟ أنا كنت واقفة زي الصنم.. مصدقة بنتي الصغيرة ومكذبة ابني البكري اللي مربياه على إيدي. في نفس الليلة دي.. لِمينا هدومه في شنطة زبالة ورميناها في الشارع، وغيرنا كالون الباب، وحسن قاله:

> “مبقاش ليك علام عندنا، ومصاريف الكلية انسى تاخد منها قرش صاغ واحد.. وأنت من النهاردة بالنسبالنا مُت وشبعت موت.. مالكش أهل”.

>

الواد كان بيبكي بحرقة.. ويمسح الدم اللي نازل من مناخيره ويقولي:

**”يا أمي عشان خاطري.. صدقيني أنا معملتش حاجة.. حرام تظلموني!”**

وأنا قسيت قلبي ومردتش.. قفلنا الباب في وشه ورميناه للشارع والبرد والجوع.

### الكابوس اللي مبيخلصش

عشنا بعد الليلة دي كأن كريم ده ملوش وجود في الدنيا.. مسحنا سيرته، وتناسينا إنه ابني، وكل ما يأنبني ضميري أقول لنفسي: “أنا بحمي بنتي.. أنا عملت الصح”. كنا بنكذب الكذبة ونصدقها عشان نعرف ننام.

لكن من وقتها والكوابيس مبترحمنيش.. كل ما أغمض عيني أشوفه..

أشوف كريم واقف قدامي وهدومه كلها دم.. ويبص في عيني بكسرة ويقولي نفس السؤال اللي بيقطع في أحشائي كل ليلة:

**”ليه يا أمي؟.. هُنت عليكي ليه؟”**

هل تحبين أن نكمل ما حدث في مقطع الفيديو الذي نشره كريم وكيف ظهرت الحقيقة؟

 

في الأربع ساعات التي تلت نشري لصورته واسمه على منصات التواصل الاجتماعي، كان هاتفي لا يتوقف عن الرنين. الشتائم والاتهامات تنهال علينا في التعليقات من كل حدب وصوب، والجميع يطالب بالانتقام من “الابن العاق” الذي ترك أخته تموت على فراش المستشفى. شعرت بنشوة انتصار زنيفة، وظننت أن الضغط العام سيجبره على العود والركوع تحت أقدامنا لإنقاذ شقيقته.

لكن العاصفة الحقيقية لم تبدأ بعد.

في تمام الساعة العاشرة مساءً، ظهر مقطع فيديو على صفحة كريم الشخصية، وسرعان ما تم تداوله كالنار في الهشيم ليتصدر قائمة الأكثر تداولاً في مصر كلها.

ظهر كريم في الفيديو، وكان يبدو أكبر من سنه بكثير؛ جسده هزيل، وجهه شاحب، وتحت عينيه هالات سوداء تحكي قصة سنتين من النوم على أرصفة الشوارع والعمل في غسيل الأطباق بالمطاعم ليقيت نفسه ويكمل تعليمه بعد أن حُرم من مصاريف كليته. كان يتحدث بنبرة صوت ميتة، خالية من أي مشاعر، لكنها كانت حادة كالمشرط.

بدأ كريم الفيديو وهو يوجه حديثه للكاميرا مباشرة:

> “أنا مش هدافع عن نفسي، ولا هطلب من حد يصدقني.. أنا طالع أقول الحقيقة اللي الكل خاف يواجهها من سنتين. الحقيقة اللي أمي وأبويا دفنوها عشان يعيشوا في دور الضحية”.

>

ثم أخرج كريم من جيبه ورقة مطوية بعناية، وفتحها أمام الكاميرا. كانت تقريراً طبياً قديماً يخص شقيقته منة، صدر من إحدى المصحات النفسية للأطفال بعد الحادثة بشهرين. وتابع قائلاً:

> “منة أختي الصغيرة كانت دايماً بتشوف فيديوهات على تيك توك ويوتيوب لأطفال بيعملوا مقالب في أهاليهم عشان يشوفوا رد فعلهم، والكلمة اللي قالتها يوم العزومة كانت مجرد ‘تحدي’ شافت بنت تانية بتعمله على النت، ومكنتش فاهمة أصلاً معناها ولا خطورتها.. هي كانت فاكرة إنها بتلعب.. ولما لقت البيت اتقلب، خافت تقول إنها بتكذب عشان أبويا ميموتهاش من الضرب”.

>

في تلك اللحظة من الفيديو، عرض كريم تسجيلاً صوتياً قديماً وصغيراً أرسلته له منة من تليفون والدتها خلسة بعد طرده بشهور، وهي تبكي بحرقة وتقول له: **”أنا آسفة يا كريم.. أنا كنت بهزر والله العظيم ما قصدت.. بابا وماما صدقوا وزعلوا منك.. تعالى ارجع ومشتمنيش”.**

أنفاس كل من كان يتابع الفيديو انقطعت، لكن كريم لم يتوقف هنا. بل نظر إلى الكاميرا بعينين تلمعان بالدموع المحبوسة وقال:

> “أنا انضربت واتهنت واترميت في الشارع بشنطة زبالة من غير ما حد يسمعني. أمي اللي حملت فيا وفرحت بيا وأنا أول فرحتها، صدقت عليا العار في ثانية واحدة ومن غير دليل. وسنتين كاملين مفيش حد فيهم رفع سماعة التليفون يسألني: أنت عايش ولا ميت؟ بتاكل منين ولا بتنام فين؟.. ودلوقتي، لما أختي عملت حادثة وبتموت، افتكروا إن ليهم ابن! افتكروا إن عندي كبد وكلية ينفعوا لإنقاذها!”.

>

أخذ كريم نفساً عميقاً، ثم ختم الفيديو بكلمات زلزلت السوشيال ميديا ووقعت علينا كالصاعقة:

> “أنا روحت المستشفى مش عشان أتبرع.. أنا روحت عشان أشوف أختي وهي بتعترف لآرخر مرة قدامهم باللي عملته، وعشان أسمع أمي وهي بتبكي وتطلب السماح.. أنا روحت عشان أقولهم إن جسمي اللي رميتوه في البرد والجوع، مش ملككم عشان تيجوا تاخدوا منه حتة دلوقتي.. أنا مش عاق.. أنا واحد أهله ماتوا من سنتين”.

>

انتهى الفيديو.. وانقلب السحر على الساحر.

في ثوانٍ معدودة، تحولت آلاف التعليقات والدعوات من كريم إلينا. تحولنا أنا وحسن في نظر المجتمع إلى “وحوش بشرية” دمرت ابنها البكري وظلمته من أجل نزوة طفلة، وأصبحتُ أنا المرأة الأكثر كراهية في مصر.

وفي تلك الأثناء، داخل غرفة العناية المركزة، وفيما كانت الهواتف تشتعل من حولنا بآلاف الرسائل الغاضبة، بدأت شاشات الأجهزة المتصلة بجسد منة تطلق صفيرًا متصلاً وبطيئًا.. ونبضاتها تتراجع سريعاً نحو الصفر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *