حكايات امانى السيد 3

قعد محمود على رصيف الشارع المقابل للعمارة، حاطط رأسه بين ركبه والدموع بتنزل منه بمرارة. الشمس فوقه كانت حامية، بتسفع في وشه ونفوخه، بس البرودة اللي في قلبه كانت أشد. يبص لفوق، يشوف هناء واقفة في البلكونة بكل ثقة وهدوء، بتنشر هدوم الولاد الجديدة، ولا كأن الراجل اللي مرمي في الشارع ده كان في يوم من الأيام جوزها وسندها.
الشارع كله كان بيمر من جنبه، اللي يبص له بشماتة، واللي يبص له بقرف، والكل بيهمس: *”أهو العمدة.. أهو اللي ساب بيته وشقا مراته وراح يتنطط بفلوس الجمعية، أهو لبس في الحيط وبقى شحات.”*
فجأة، صوت خطوات ثقيلة وقفت قدامه. محمود رفع رأسه بالعافية، لقى “عبير” واقفة قدامه.. بس مكنتش عبير اللي عرفها في إسكندرية، المتمكيجة اللي بتضحك وتتدلع. كانت لابسة عباية سودا، ووشها ملان غضب وغل، وجنبها راجلين عظام من إخواتها.
عبير تفّت على الأرض قدامه وقالت بصوت عالي سمّع الشارع:
ـ “جرى إيه يا أسطى محمود؟ قاعد كدة زي الكلب المضروب ليه؟ فاكر إنك لما تروح البوليس وتتمسكن هتهرب مني؟ أنا جيت أخد بقية حسابي!”
محمود قام وقف بالعافية، وركبه بتخبط في بعضها:
ـ “حساب إيه يا عبير؟ أنتِ مش رفعتِ خلي ورميتِ أوراقي وأخدتِ الدهب اللي اشتريتهولك بفلوسي؟ عايزة إيه تاني؟”
واحد من إخواتها قرب من محمود ومسكه من ياقة قميصه المكسر، رفعه لفوق وقال بصوت يرعب:
ـ “الدهب ده حق اختنا مقابل القائمة والمؤخر اللي أنت كتبتهم بخط إيدك! لكن الفضيحة والأيام اللي قعدتها معاك في الحرام بحجة إن الشقة ملكك والورشة ملكك، دي حسابها تاني! اختنا طلعت من بيتك ملهاش سقف، والشقة اتجمعت لصالح أخت رفعت، أنت نصاب واكل حقوق الناس!”
عبير زعقت:
ـ “هات الـ 20 ألف جنيه اللي باقيين من مؤخر الصداق، يا إما وإله العرش أخواتي هيعملوا معاك الواجب في وسط الشارع ونسحلك للقسم تاني!”
محمود صرخ بقلة حيلة والدموع مغرقة وشه:
ـ “جيبين منين؟ أنتوا أخدتم كل حاجة! أنا جايبي فاضي مفيش فيه جنيه! ارحموني بقى!”
في اللحظة دي، هناء كانت نازلة من العمارة ومعاها زياد وليلى، رايحين يشتروا طلبات للمدرسة. أول ما خرجت من باب العمارة وشافت المنظر، وقفت مكانها.