حكايات امانى السيد 3

محمود مسح دموعه بظهر إيده وقال بصوت مرتعش:
ـ “طب والولاد؟ هشوفهم؟”
هناء قالت بحنان الأم الأصيلة:
ـ “الولاد عيالك يا محمود.. زياد وليلى يقدروا يشوفوك في أي وقت، ومحدش هيحرمك منهم ولا هيحكي لهم عن نذالتك، أنا مربياهم على الاحترام. بس شرطي الوحيد.. تنزل تشوفهم بضرعك وشقاك ونضافتك، مش بضعفك وكسرتك.”
كملت هناء كلامها وهي بتقوم تقف:
ـ “أنا أخدت نصيبي القانوني في الورشة بالشراكة مع سعاد والحاج عبد الصمد، وأنت من بكرة تقدر تفضل شغال هنا كصنايعي براتب محترم يعيشك مستور، أو تاخد أوراقك وتدور على ورشة ثانية تبدأ فيها من جديد.. الاختيار ليك.”
محمود بص للورقة، وبعدين بص لهناء، وعرف إن الست دي خلاص بقت في مكان ثاني بعيد عنه بمسافات.. مكان مفيش فيه ضعف ولا انكسار.
وقف محمود وهو حاسس إن ظهره بات مستقيم شوية بعد ما سدد دينه، وقال بنبرة صادقة:
ـ “أنا هفضل شغال هنا يا هناء.. هفضل شغال تحت إيدك وفي ورشتك، مش عشان اللقمة، لكن عشان كل ما أرفع عيني وأشوفك نجاحك، أفتكر إن الظلم مر، وإن الست الأصيلة لما بتقوم.. مفيش راجل بيقدر يقف في وشها.”
بعد سنة..
في يوم مشمس، الشارع كله كان متزين بالأعلام والأنوار بمناسبة افتتاح التوسع الجديد لـ “مؤسسة الأمل للأثاث والتديكور”. هناء كانت واقفة في النص، لابسة طقم شيك جداً، وحواليها عيالها زياد (بقى عنده 8 سنين) وليلى (6 سنين) لابسين أحسن هدوم ومسكين في إيدها بفخر.
الحاج عبد الصمد واقف جنبها بيضحك، وسعاد بتوزع الهدايا على الناس.
وفي جنب بعيد من الورشة، كان محمود واقف في وسط العمال، لابس أفروله النضيف، بيبص لهناء وعياله بابتسامة مكسورة بس فيها رضا. مكنش زعلان.. كان عارف إن ده المكان الصحيح اللي يستاهله، وإن كل واحد في الدنيا بياخد نصيبه اللي نسجه بإيده.
هناء بصت للشمس اللي طالعة في السماء، واستنشقت الهواء العليل.. افتكرت اليوم اللي كانت بتصيح فيه من القهر والفقر والخيانات، واليوم اللي قررت فيه تحول الوجع لقوة.
ابتسمت زياد وليلى وجرتهم في أحضانها، وعرفت إن القصة مش قصة راجل خائن وست مكسورة.. القصة كانت عن “هناء”.. الست اللي عرفت تحول رماد كسرتها، لذهب وكرامة وعز يفضل عايش معاها ومع عيالها طول العمر.