جوزي كان كل ما نزعل 2

أحمد نزل عينه في الأرض، وصوته كان طالع مخنوق ومقطوع، كأنه طالع من بير غريق وهو بيقول:

“الشقة دي.. والشقة اللي فوقينا.. والمحل الكبير اللي في أول الشارع.. كلهم مكتوبين باسمك أنتِ يا هبة.. مسجلين في الشهر العقاري بالرقم القومي بتاعك.”

أنا حسيت إن الصالة بتلف بيا، والحيطان بتتحرك من مكانها. شقق ومحلات إيه وباسمي أنا إزاي؟ أنا الست اللي بقالها سنين بتتحايل عليه عشان يزود مصروف البيت ميت جنيه! أنا اللي كنت بخاف أطلب فستان جديد عشان ما يسمعنيش الأسطوانة المشروخة بتاعة “أنا مش لاقي أكل.. اللي مش عاجبها الباب يفوت جمل”!

حسيت برعشة في جسمي كله، وبصيت لسلفي محمود وأنا مش مستوعبة ومصدومة، فكمل محمود وهو بيبص لأخوه بقرف وبيتكلم بعصبية:

“أخويا الذكي.. من تلات سنين دخل في مشروع مقاولات وتجارة حديد مع ناس من ورايا، وعلشان يدخل في المناقصات دي كان لازم ياخد قروض ضخمة بضمانات.. ولأن أحمد كان عليه قضايا قديمة وشيكات مرفوضة من أيام الشراكة الأولى وممنوع رسميًا من التعامل مع البنوك أو السجلات التجارية باسمه، ملقاش غيرك.. كان بيدخل عليا وعليكِ بأوراق المعاش بتاع والدك الله يرحمه، ويقولك امضي هنا عشان نخلص الإجراءات، ويمضيكِ وسطها على توكيلات عامة وشاملة، وورق قروض وأنتِ مغمية عينك ومسلماله ومصدقاه.. سجل كل الأراضي والعقارات اللي اشتراها باسمك، عشان الحكومة والدائنين ما يقدروا يمسكوا عليه مليم واحد!”

حماتي كملت وهي بتبكي بنحيب وتتمسح في كتفي وكأنها ست تانية غير اللي كانت بتذلني:

“والقرض الكبير يا بنتي باسمك أنتِ وبضمان الشقة دي وشقة أمي.. أحمد لو اتطلقتوا ودخلتوا المحاكم، كل حاجة هتنكشف.. هو مش خايف على الفلوس اللي باسمك، هو مرعوب من السجن! لأنك لو روحتِ للمحامي وأنكرتِ علمك بالتوكيلات دي ورفعتِ قض..ية تزوير أو استغلال، أحمد هيتجاب في كلبشات من قلب بيته.. وإحنا كعيلة هنضيع واسمنا هيتمرمغ في التراب.”

في اللحظة دي، شريط حياتي كله عدي قدام عيني في ثواني..

افتكرت كل مرة كنت بطلب منه يوديني لدكتور لما كنت بتعب، وكان يزعق ويقولي “مفيش معايا فلوس للدكاترة.. روحي عند أهلك لو مش عاجبك” وهو عارف إني ماليش أهل!

افتكرت المعاش بتاع بابا اللي كان بياخده مني أول بأول أول ما ينزل في الحساب ويقولي “ده عشان نساعد في مصاريف البيت المريرة”.. وهو كان بياخد الفلوس دي يدفع بيها أقساط العقارات والمحلات اللي مأمن بيها نفسه!

كان بياكل حقي، وعايش في خيري، ومأمن نفسه بيا، وفي الآخر بيعايرني إني “يتيمة” ماليش ضهر وسند في الدنيا!

أحمد زحف على ركبه وقرب مني، وحاول يمسك رجلي وهو بيبكي بنشيج ويقول:

“سامحيني يا هبة.. أنا عملت كده عشان أأمن مستقبلي ومستقبلك.. أنا كنت بهددك بالطلاق في كل خناقة عشان كنت مرعوب تكتشفي الموضوع وتعرفي حجم الفلوس اللي باسمك، فـتتغري عليا وتسبيني وتضيعيني.. أنا كنت بكسر عينك بالكلمة دي عشان تفضلي تحت طوعي وما تدوريش ورايا.. أنا بحبك والله العظيم ومقدرش أعيش من غيرك، أبوس إيدك بلاش تخربي بيتنا وتوديني في داهية.”

بصيت له بقرف واشمئزاز عمري ما حسيته تجاه أي بني آدم في حياتي.. الراجل اللي كنت بشوفه قوي، ومتحكم، وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة، طلع مجرد عيل جبان وحرامي، مستخبي ورا ضعف ست يتيمة ومستغل طيبتها وقلة حيلتها.

وقفت بكل طولي، ونفضت إيده من عليا، وبصيت لهم هما التلاتة بنظرة حادة خلتهم كلهم يسكتوا.. حماتي اللي دموعها مغرقة وشها، ومحمود اللي حاطط رأسه في الأرض من الخزي والعار، وأحمد اللي راكع تحت رجلي زي الذليل.

وقلت بصوت قوي وراسي مرفوعة لأول مرة:

“بقالي سنين عايشة معاكم فاكرة نفسي مقطوعة من شجرة وماليش ضهر يحميني.. وأتاري ضهري وسندي كان ملايين وأملاك أنت عايش في خيرها وبتتمنظر بيها قدام الناس.. الطلاق اللي كنت بتهددني بيه كل يوم، أنا دلوقتي اللي متمسكة بيه.. وهيحصل.. بس بشروطي أنا، ومن غير ما أسيب مليم واحد من حقي.”

محمود سلفي بص لي وعينه فيها رجاء وخوف، وقال بصوت واطي:

“شروط إيه يا هبة يا بنتي؟ قولي اللي أنتِ عايزاه، وإحنا هنفذهولك فورًا، بس بلاش موضوع المحاكم والشرطة ده.. إحنا ناس ملناش في المشاكل واسمنا في السوق لو اتهز هنروح كلنا في داهية.”

ضحكت ضحكة وجع، ضحكة فيها سخرية من الأيام اللي كنت بنام فيها معيطة ومكسورة لمجرد كلمة منه. بصيت لمحمود وقلت له:

“شروطي بسيطة جدًا يا أبكار محمود.. بس مش هتنازل عن حرف واحد منها.”

أحمد رفع راسه وهو لسه راكع، وعينه مبرقة ومستني الكلمة اللي هتطلع من بوقي كأنها حكم إعدام.

قلت وأنا باصة لأحمد في عينه:

“أولًا.. التوكيل العام اللي أنت عملته بنفسك وبإمضائي اللي خدعني بيه، هينزل معايا بكرة الصبح محمود ونلغيه في الشهر العقاري، ومش هتمضي على ورقة واحدة تخصني بعد اليوم.

ثانيًا.. الشقة دي، والشقة اللي فوقينا، والمحل الكبير.. هيفضلوا باسمي، بس مش مجرد حبر على ورق في البنوك.. أنت هتتنازل لي عنهم تنازل رسمي ونهائي وبيع وشراء مالوش علاقة بالقروض، يعني الأملاك دي هتبقى ملكي أنا قانونًا وفعلًا، والايجارات بتاعة المحل والشقة اللي فوق تدخل في حسابي أنا من الشهر ده.”

أحمد شهق بصوت عالي وصدمة هزت كيانه، ووقف على رجليه وهو بيقول بذهول:

“أنتِ واعية بتقولي إيه يا هبة؟ أنتِ كده بتاخدي شقا عمري كله! المحل ده لوحده يسوى ملايين، والشقة اللي فوق دي أنا مأجرها بمبلغ كبير.. عايزة تأخدي كل حاجة وتسبيني على الحديدة؟”

حماتي تدخلت بسرعة وجات تمسك إيدي تاني وهي بتقول:

“يا بنتي حرام عليكي.. كده بتخربوا بيته خالص، طب سيبوا له المحل يعيش منه ويسدد القروض!”

بصيت لها بكل برود وقلت لها:

“القروض دي هو اللي عملها وهو اللي يسددها من حساباته التانية، وإلا هروح الصبح للمحامي وأرفع قض..ية تزوير واستغلال، وأقول إن التوكيلات دي باطلة.. وساعتها البنك هيحجز على كل حاجة، وأحمد هيدخل السجن مش أقل من عشر سنين.. اختاروا بقى.. الملايين ولا السجن؟”

محمود سلفي زعق في أحمد وضربه على كتفه بقوة وقال له:

“اخرس أنت خالص.. أنت اللي عملت في نفسك كده.. وافقي يا هبة، وبكرة الصبح هكون معاكِ في الشهر العقاري ونعمل كل اللي أنتِ عايزاه.. بس في شرط واحد من ناحيتنا.”

بصيت لمحمود وقلت له:

“شرط إيه؟”

محمود قال بتوجس:

“بعد ما ننقل الأملاك ونلغي التوكيل.. مفيش طلاق دلوقتي.. لازم تفضلي على ذمته لحد ما القرض الكبير يخلص بعد سنة، عشان لو اتطلقتوا دلوقتي البنك هيشك في نقل الملكية وهيطلب فحص للأوراق، وساعتها كلنا هننكشف.. تفضلي على ذمته في البيت هنا كزوجة قدام الناس، لحد ما الأمور تستقر.”

التفتت لأحمد اللي كان واقعه باصص للأرض بإنكسار، الراجل اللي كان من كام ساعة بيقفل في وشي الباب ويقولي “الباب يفوت جمل”، بقا دلوقتي مجبر يعيش معايا في بيت واحد وأنا صاحبة البيت وصاحبة الأملاك، وهو مجرد ضيف خايف من سجنه.

فكرت في كلام محمود.. العرض كان مغري، هبقى في بيتي، وبأملاكي، وبفلوسي، وهو تحت ضرسى.. بس العيشة مع راجل خاين ومستغل زي ده هتبقى قطعة من الجحيم..

بصيت لهم وقلت:

“موافقة.. هقعد في البيت.. بس أحمد ملوش دعوة بيا، ولا يكلمني، ولا يدخل أوضتي.. والفلوس كلها تتحول باسمي.. وفي اليوم اللي القرض يخلص فيه.. ورقتي توصلي لحد عندي.”

وفي اللحظة دي، بدأت مرحلة جديدة تمامًا في حياتي.. مرحلة ما كنتش أتخيلها.. دخلت أوضتي وقفلت الباب، وأنا عارفة إن الحرب الحقيقية لسه هتبدأ، لأن أحمد مش من النوع اللي يستسلم بسهولة، والسر اللي عرفته كان مجرد أول خيط في علبة أسرار عيلة أحمد!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *