حكايات امانى السيد 3

ـ “أنا اتفقت مع سعاد أخت رفعت والحاج عبد الصمد.. الورشة هتتفتح تاني بشركاء جُداد. سعاد هتاخد نصيب أخوها، وأنا هسهم بالحسابات والإدارة مقابل نسبة من الأرباح تضمن مستقبلي ومستقبل زياد وليلى. أما محمود.. فدوره في الورشة دي انتهى، هيبقى مجرد صنايعي بشهادة، يدفع ديونه للناس ولعياله من عرق جبينه لو عايز يفضل بره السجن.”

في القسم، الضابط نادى على محمود.

محمود طلع وشكله منكسر، ذليل، ودخل مكتب الضابط.

لقى واقف هناك الحاج عبد الصمد، والأستاذ جمال، والمحامي بتاع هناء.

الضابط بص لمحمود وقال:

ـ “شوف يا محمود.. الأستاذ جمال والحاج عبد الصمد موافقين يعملوا معاك تسوية بشرط: تتنازل عن إدارتك للورشة بالكامل لصالح الورثة والتجار لحد ما تسدد الـ 40 ألف ديون، وتوقع على التزام بدفع النفقة الشهرية لعيالك 6 آلاف جنيه بانتظام.”

محمود بص للمحامي بتاع هناء وقال بصوت يترعش:

ـ “وهناء؟ مش جاية؟ مش هشوفها؟”

المحامي قدم له الورقة والقلم:

ـ “مدام هناء مش فاضية يا أسطى محمود.. مدام هناء بتجهز الولاد للمدرسة وبترتب أوراق الورشة الجديدة اللي هتسهم في إدارتها. امضي هنا لو عايز تخرج، أو ارجع الحجز مستني جلسة بكرة.”

محمود مسك القلم بإيد بتترعش زي القصبة. بص للورقة.. ورقة تنازله عن كبريائه، عن ورشته، عن سلطته اللي عاش يفرضها على الست اللي صانته.

وقع محمود بالدموع، وكل حرف كان بيكتبه كان بيقطع جزء من غروره القديم.

لما خرج من القسم، الشمس كانت في كبد السماء، حرارتها بتسفع وشها الشاحب. مشي في الشارع حافي الفكر، ملوش بيت يروحله، ولا زوجة تستناه بكباية شاي، ولا عيال يجروا عليه يقولوا له “بابا جه”.

وقف قدام العمارة، رفع راسه وبص لشباك شقته فوق. شاف هناء واقفة في البلكونة، بتعلق هدوم الولاد الجديدة، وبتبص للسما برضا وثقة.

محمود اتمنى في اللحظة دي لو الزمن يرجع، لو يقدر يبوس إيدها ورجلها عشان ترجعه لسابق عهده.. بس كان عارف إن اللي اتكسر مبيتصلحش، وإن الست اللي فاقت من غفلتها، مستحيل ترجع تنام تاني.

محمود قعد على رصيف الشارع المقابل للعمارة، حط راسه بين ركبه، وبكى.. بكى على الفلوس اللي راحت، وعلى الهيبة اللي اتفقدت، وعلى الست الأصيلة اللي خسرها للأبد عشان لحظة طمع ورغبة كدابة في “الدلع”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *