حكايات اسما السيد 2

## الجزء الثالث: اللعبة على المكشوف

تصلّب جسدي في مكاني، وعينا المدير (الأستاذ شريف) اتسعتا ذهولًا وهو يستمع لصوت سامح الخارج من مكبر الصوت. صوته كان يحمل تلك النبرة الواثقة، نبرة الصياد الذي يظن أن فريسته قد وقعت في الفخ ولا فكاك لها.

أخذت نفسًا عميقًا، وابتلعت غصتي. نظرت إلى الكارت البلاستيكي الباهت بين أصابعي، وشعرت لأول مرة منذ سنوات بقوة تسري في عروقي. الخوف الذي شلّ حركتي طوال الساعات الماضية تبخر، وحل محله غضب عارم مصقول بالوضوح.

قلت بهدوء شديد لم أعهده في نفسي من قبل: “الورق والعلبة القطيفة خليهم معاك يا سامح. بلّهم واشرب ميتهم. الكارت معايا، وأنا حاليًا واقفة في البنك… وعرفت كل حاجة.”

ساد الصمت على الجانب الآخر من الخط لثوانٍ بدت كالعمر، قبل أن يتحول صوت سامح من الشماتة إلى حدة مفاجئة: “عرفتي إيه؟ فريدة… ما تلعبيش بالنار. أنتِ مش فاهمة حاجة، الكارت ده من غير بابا مش هيساوي تمن البلاستيك اللي اتصنع منه. النص التاني من المفتاح معانا، والثروة دي مش بتاعت أبوكي لوحده، دي شقا عمر عيلتنا كلها اللي أبوكي استولى عليه!”

“أبويا ما استولاش على حاجة!” قاطعتُه بصوت حاد وهادئ في آن واحد، “أبويا كان بيحمي الأصول دي من ناس زيك وزي أبوك. عمومًا… أعلى ما في خيلكم اركبوه. البيت والعربيات والكنبة اللي خدتوهم… خليهم تعويض مؤقت لحد ما أحاسبكم على السنتين اللي عيشتهم معاكم في كدب.”

أغلقت الخط في وجهه دون أن أنتظر ردًا.

التفتُّ إلى الأستاذ شريف الذي كان يتابع الموقف بتركيز شديد، وعلامات القلق المصرفي واضحة على وجهه. سألني بصوت خفيض: “أستاذة فريدة… الموقف دلوقتي اتعقد. طالما الطرف التاني عرف، هيبدأوا يتحركوا قانونيًا أو… بطرق تانية. الحساب ده شبه مجمد طالما “المفتاح المزدوج” مش كامل. ما تقدريش تسحبي الـ 400 مليون، بس تقدري تعملي حاجة تانية.”

انحنيت فوق المكتب: “حاجة إيه؟”

أشار المدير للشاشة مجددًا: “والدك الله يرحمه كان عبقري. هو عارف إن ممكن يحصل نزاع، فساب بند في عقد التأسيس السيادي للحساب ده… اسمه (بند الطوارئ والمعيشة للوريث). البند ده بيسمح ليكي، بصفتك وريث الدرجة الأولى وبمجرد تقديم كارت المفتاح الأول وبصمتك، إنك تسحبي “مخصصات شهرية” لإدارة الأصول وحمايتها، بدون الرجوع للشريك الضامن.”

“المخصصات دي كام؟” سألته وقلبي ينبض بقوة.

ابتسم الأستاذ شريف ابتسامة صغيرة لأول مرة وقال: “حوالي ميتين ألف جنيه شهريًا… تتجدد تلقائيًا. بالإضافة لأحقيتك في استخدام (الفيلا الإدارية) المسجلة باسم شركة الشرق للمقاولات في منطقة جليم… الفيلا دي مقفولة من سنة 1998، وجاهزة للسكن ومحمية بحراسة تابعة للأصول.”

شعرت وكأن طوق نجاة هبط عليّ من السماء. لن أنام في فندق رخيص على الطريق. لن أكون مكسورة الجناح.

“فعلّي البند ده فورًا يا فندم،” قلتها وأنا أمد إبهامي نحو جهاز البصمة الرقمي المتصل بالشاشة.

ضغطت ببصمتي. أصدر الجهاز رنينًا أخضر مريحًا. وعلى الشاشة، تحولت بعض الأسطر الحمراء إلى اللون الأخضر، وسمعت صوت طابعة البنك الصغيرة وهي تخرج بطاقة ائتمانية جديدة تمامًا، سوداء اللون، محفور عليها اسمي: **فريدة رأفت عبد الرحمن**.

ساعتين فقط… كانتا المسافة بين كوني مطلقة مطرودة على عتبة البيت، وكوني امرأة تمتلك مئتي ألف جنيه في جيبها، وفيلا في أرقى مناطق الإسكندرية، ومعركة قضائية وتاريخية أصبحت مستعدة تمامًا لخوضها.

خرجت من مكتب المدير بخطوات ثابتة. لم أعد أهتم بالماسكرة السايلة، ولا بشنطة السفر المتهالكة التي أجرها خلفي. نظرت للموظف الشاب “كريم” وشكرته بابتسامة وثوق، ثم غادرت البنك إلى النور الخارجي الذي لم يعد قاسيًا كما كان.

طلبت سيارة ليموزين فاخرة، وتوجهت مباشرة إلى فيلا “جليم”. عندما وصلت، كانت الفيلا عبارة عن قصر كلاسيكي مهيب يطل على البحر مباشرة، تحيط به أسوار عالية، وبمجرد أن رآني حارس الأمن الواقف على البوابة الخارجي، وتفحص بطاقتي الجديدة، انحنى باحترام وفتح الأبواب الحديدية الضخمة.

دخلت القصر، وضعت حقيبتي المتهالكة في المنتصف، وجلست على مقعد جلدي فاخر. لم تمر سوى ساعة واحدة، حتى رن جرس البوابة الخارجية.

نظرت من نافذة الطابق العلوي…

كانت هناك سيارة مرسيدس سوداء مألوفة جدًا بالنسبة لي. نزل منها طليقي “سامح”، وبصحبته والده “الحاج إسماعيل الغرباوي”، الذي كان يستند على عصاه، وعلامات الغضب والوجوم تكسو وجهه العجوز. لم يأتيا للتهديد هذه المرة… كانا يعرفان أن اللعبة أصبحت على المكشوف، وأن أوراق الضغط تبدلت.

نزلت إلى الشرفة الخارجية المطلة على الحديقة، ونظرت إليهما من الأعلى لأسفل.

وقف الحاج إسماعيل، وتحدث بصوت أجش حاول أن يجعله ودودًا: “فريدة يا بنتي… صلي على النبي. اللي حصل من سامح كان طيش شباب، وأنا جيت بنفسي عشان أصلح كل حاجة… إحنا أهل، والدم ما يبقاش مية، والفلوس دي مش هتنفعك ولا هتنفعنا طول ما هي محبوسة في البنك… لازم نقعد ونكتب شروطنا.”

ابتسمتُ ببرود، وشبكت ذراعيّ أمام صدري، وقلت بصوت سمعه كل من في الحديقة: “أهلاً يا حاج إسماعيل. الشروط أنا اللي هكتبها من هنا ورايح… بس مش النهاردة. روحوا ارتاحوا، عشان القضايا اللي هترفع عليكم الصبح بخصوص تزوير عقود بيع بيتي وعربيتي… هتحتاج منكم مجهود كبير.”

التفتُّ لأدخل، لكن الحاج إسماعيل ناداني بصوت ارتعش فيه الود المحترق، ليظهر وجهه الحقيقي: “فريدة! ما تفرحيش قوي باللي معاكي… أبوكي ما حكاكيش عن سبب قفل الحساب ده ليه في الـ 98؟ ما قالكيش مين اللي مات بسببه؟ النص التاني من الشفرة مش مجرد كارت معايا… النص التاني فيه سر لو طلع… اسم أبوكي هيمشي في الطين، والثروة دي كلها هتتصادر للدولة كأموال قادمة من…”

سكت فجأة وكأنه كاد أن ينطق بما لا يجب أن يُقال.

توقفت خطوتي… والتفتُّ إليه ببطء، والشكوك تعود لتنهش عقلي مجددًا. ما الذي كان يخفيه أبي؟ وما هي حقيقة الـ 400 مليون جنيه؟

 

## الجزء الرابع: حافة الهاوية

وقفتُ مكاني في الشرفة، الهواء البارد القادم من بحر جليم يلفح وجهي، لكن كلمات الحاج إسماعيل كانت أشد برودة. نظرت إليه وهو يقف بالأسفل، يستند بثقله على عصاه الأبنوسية، وعيناه الثعلبيتان تلمعان بخبثٍ عتيق. بجانبه، كان سامح يلتفت حوله بقلق، يتفحص أسوار الفيلا وكأنه لا يصدق أن زوجته التي طردها قبل ساعات بلا مأوى، تقف الآن فوق هذا الصرح المحصن.

“أموال قادمة من إيه يا حاج إسماعيل؟” سألتُ بصوت حاولت جاهدة أن يخرج ثابتًا، رغم الزلزال الذي ضرب أعماقي، “كمل كلمتك… أبويا رأفت عبد الرحمن اللي عاش ومات ونزاهته مضرب الأمثال، ماله ومال الكلام ده؟”

ضحك الحاج إسماعيل ضحكة جافة، تحولت إلى سعلة متقطعة، ثم قال وهو يشير بعصاه نحو الأفق: “أبوكي الله يرحمه عاش ومات في ثوب الموظف الغلبان عشان يداري على “الحوت” اللي كان جواه. سنة 1998 دي ما كانتش سنة عادية في مصر يا فريدة… دي كانت سنة تصفية حسابات كبار رجال الأعمال الهربانين برة. الفلوس دي… جزء كبير منها كان متهرب، وأبوكي كان العقل المدبر اللي حماها، ودفن سرها هنا في الإسكندرية.”

تدخل سامح فجأة، محاولاً استعادة دور المسيطر: “فريدة… اسمعي الكلام. إحنا مش جايين نهدد، إحنا جايين نعرض عليكي صفقة. النص التاني من الشفرة معايا في المحفظة دلوقتي. ندمج المفتاحين، الحساب يتفتح، نقسم الثروة بالنص… وكل واحد يروح لحاله، وندفن السر ده سوا.”

نظرت إلى سامح… إلى ملامحه التي أحببتها يومًا، واكتشفت كم كنت عمياء. طمعهم أعمى بصائرهم لدرجة أنهم جاءوا يعرضون صفقة فوق أرضي، وفي لحظة قوتي.

“برا برا…” قلتها بنبرة منخفضة لكنها حاسمة.

“بتقولي إيه؟” صاح سامح بعدم تصديق.

“بقولك برا أنت وأبوك!” رفعت صوتي لتتردد أصداؤه في أرجاء الحديقة، “بوابات الفيلا دي مش هتتقفل عليكم… دي هتتفتح لرجال الأمن لو ما اختفيتوش من قدامي في دقيقة واحدة. وأعلى ما في خيلكم اركبوه.”

التفتُّ ودخلت إلى الصالون الواسع، وأغلقت الباب الزجاجي خلفي بقوة. من خلف الزجاج، رأيت الحاج إسماعيل يجر أذيال الخيبة وهو يشد ابنه من ذراعه ليركبا السيارة. وقبل أن يغلق باب السيارة، التفت نحو الشرفة ونظر إليّ نظرة توعد صامتة… نظرة أخبرتني أن الحرب الحقيقية قد بدأت للتو.

لم أستطع النوم في تلك الليلة رغم فخامة الفراش والهدوء المحيط بي. كانت الأسئلة تنهش عقلي كالمناشير. تنقلت في أرجاء القصر المظلم حتى وصلت إلى المكتبة القديمة في الطابق الأرضي. كانت تفوح منها رائحة الورق القديم والرطوبة.

بدأت أفتش في الأدراج، في الخزائن المغلقة، في كل ركن… كنت أبحث عن أي أثر لأبي. لم يكن منطقيًا أن يترك لي كارت البنك وبند الطوارئ دون أن يترك لي “دليل إرشاد” يفهمني ما يحدث.

بعد ساعتين من البحث، وأنا على وشك الاستسلام، لاحظت شيئًا غريبًا في لوحة زيتية ضخمة معلقة خلف مكتب القصر الرئيسي. اللوحة كانت لمدينة الإسكندرية قديمًا. قمت بتحريكها جانبًا… وخلفها تمامًا، لم أجد خزنة سرية كما توقعت، بل وجدت تجويفًا صغيرًا في الحائط، بداخلة صندوق خشبي صغير مغطى بالقطيفة الحمراء… نفس القطيفة التي تحدث عنها سامح في الهاتف!

أخذت الصندوق بيدين ترتجفان، وفتحته.

بداخله لم يكن هناك أموال أو مجوهرات. كان هناك شيئان فقط:

1. **مفتاح حديدي قديم ثقيل الوزن.**

2. **مذكرة صغيرة مكتوبة بخط يد أبي المألوف.**

فتحت المذكرة على الصفحة الأولى، وقرأت سطرًا كتبه بحبر جاف أزرق، وقد بهت لونه بفعل الزمن:

> *”ابنتي الغالية فريدة… إذا كنتِ تقرأين هذه السطور، فهذا يعني أن الكارت قد قادكِ إلى جليم، وأن آل الغرباوي قد كشروا عن أنيابهم. يا ابنتي، لا تصدقي إسماعيل مهما قال لكِ. الثروة ليست حرامًا، وليست أموالاً مهربة… الفلوس دي هي “حق الدم” لضحايا عبّارة الموت التي غرقت سنة 1998، والتي كان إسماعيل الغرباوي شريكًا في ملكيتها بالباطن وحاول إخفاء التعويضات. أنا لم أسرق… أنا حجزت على أمواله بأمر سيادي لحمايتها حتى تكبري وتسلّميها لأصحابها… لكن الشفرة الثانية ليست مع إسماعيل كما يظن… الشفرة الثانية في مكان لن يتوقعه أحد…”*

>

وقبل أن أكمل قراءة السطر التالي لمعرفة مكان الشفرة الثانية، انقطع التيار الكهربائي عن القصر بالكامل!

حلّ ظلام دامس وسكون مرعب. وفجأة، سمعت صوت تكسير زجاج الطابق السفلي، تلاه خطوات ثقيلة لعدة أشخاص يدخلون الصالة الكبرى… وصوت جهاز لاسلكي يوشوش في عتمة الليل.

**ينتهي الجزء الرابع… وللقصة فصول أخرى لم تُكتب بعد.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *