أنا كنت بنضف2

مرت الأيام السريعة تلو الأخرى، وانتقلت الست العجوز بالفعل للعيش بالقرب من ابنتها في تلك المدينة الهادئة على أطراف العاصمة. في البداية، كنت أحاول الاتصال بها كل بضعة أيام للاطمئنان عليها ولأشكرها مراراً وتكراراً على ما فعلته، لكنها كانت دائماً تقاطعني بابتسامتها الدافئة وتقول لي: “انشغلي بيومكِ وبابنتكِ يا ابنتي، ولا تنشغلي بعجوز مثلي.”
بدأت ابنتي عامها الدراسي الأول في كلية التمريض، وكان الانتقال إلى الشقة القريبة من الجامعة خطوة غيرت مجرى حياتنا بالكامل. لم تعد تضطر للاستيقاظ في الفجر القطوع للحاق بالمواصلات البعيدة، بل كانت تمشي خطوات معدودة ليصل صوت ضحكاتها إلى جدران غرفتها الجديدة التي جهزتها تلك المرأة وكأنها تحضر لزفاف ابنتها لا مجرد سكن طالبات. الشقة كانت دافئة، نظيفة، وتفوح منها رائحة العناية والاهتمام في كل ركن.
أما أنا، فقررت أن أغير اسم ورقة الإعلان الصغيرة التي كنت أعلقها في الشوارع. لم أعد مجرد امرأة تبحث عن ساعات تنظيف عشوائية، بل أسست بفضل الله ثم بفضل تشجيع تلك الست ورأس المال البسيط الذي تركته لي في نهاية الظرف مع رسالة تشجيعية، فريقاً صغيراً ومنظماً لخدمة المنازل الراقية، وأصبح لدي زبائن أتعامل معهم باحترام وتقدير كبيرين، دون أن أنسى أبداً درساً علمتني إياه تلك الست بسلوكها قبل كلامها: أن الإنسان بقيمته وبكرامته لا بما يحمله من أدوات.
مرت سنة كاملة، وفي أحد أيام الخريف الباردة، كنت أقف في المطبخ أعد كوباً من الشاي، عندما رسا هاتفي المحمول على نغمة رسالة نصية قصيرة. كان رقماً غريباً، لكن قلبي خفق بطريقة غريبة ومألوفة في آن واحد. فتحت الرسالة بسرعة، وكانت من ابن أخت تلك الست أو هكذا ظننت في اللحظة الأولى.
لكن النص كان قصيراً وموجهاً لي مباشرة بخط إلكتروني واضح:
“أرجو أن تكوني بخير يا ابنتي. لقد اشتقت لجلسة مطبخنا القديم. هل تملكين الوقت لتأتي لزيارتي يوم الخميس القادم في بيتي الجديد؟ العنوان موجود في الأسفل، ولا داعي لأن تجيبي، فقط انتظري المفتاح الذي سأتركه لكِ مع بواب العمارة.”
غمرتني موجة من الشوق الجارف، وكأن السنوات الثماني التي قضيناها معاً عادت لتطرق باب روحي من جديد. لم تردني رسالة عادية، بل كانت دعوة جديدة، لا علاقة لها بالماضي، بل ببداية طريق آخر عنوانه الوفاء.