أنا كنت بنضف2

في صباح الخميس التالي، أغلقت باب شركتي الصغيرة باكراً، وارتديت نفس البلوزة التي أحببتها، وركبت سيارتي متجهة نحو العنوان الجديد. كانت العمارة هادئة وراقية، وعندما وصلت إلى الدور الثالث، وجدات الباب مقطوراً بمفتاح صغير معلق بخيط رفيع.
أدخلت المفتاح في القفل، ودار بسلاسة مذهلة. فتحت الباب، وكان أول ما استقبلني هو رائحة القهوة العربية الممزوجة بالهيل، ورائحة الكعك الطازج تماماً كما كانت تفعل كل خميس.
وقفت الست في الصالون، وكانت تبدو أصغر سناً وأكثر إشراقاً، وكانت تستند إلى عصا خفيفة زينتها شريطة ملونة. نظرت إليّ بعينين تلمعان بالدموع والرضا، وفتحت ذراعيها على مصراعيهما وقالت بصوتها الهادئ الحنون:
“أهلاً بكِ في بيتكِ الجديد يا ابنتي.. لقد تأخرتِ عليّ طوال هذا الأسبوع.”
مرت الأشهر التالية بسرعة، وأصبحت تلك الزيارة الشهرية إلى شقتها الجديدة طقساً مقدساً لا يمكن أن تخلفه أي ظروف. كنت أذهب إليها يوم الخميس الأول من كل شهر، لا لأعمل، بل لأجلس بجانبها، نحتسي الشاي معاً، ونتبادل أطراف الحديث عن أبسط تفاصيل الحياة. كانت ابنتي تحرص أحياناً على مرافقتي، وكم كانت سعادة الست العجوز غامرة وهي تراها تتقدم بثبات في دراستها، وتخبرها عن أحلامها المستقبلية في المستشفيات وكيف أصبحت مساعدة حقيقية لكل من حولها.
لكن، مع دخول العام الثالث منذ عزلها من البيت القديم، بدأت ملاحظة تغير بطيء ولكنه واضح في صحة الست. كانت حركتها أبطأ، وضحكتها الجميلة تأتي مصحوبة بنفَس متقطع قليلًا. ورغم أنها كانت تحاول إخفاء ذلك بابتسامتها المعتادة، إلا أن عيني اللتين تعودتا على مراقبة تفاصيل بيوت الناس لسنوات طويلة، كانتا تلاحظان كل ذبول صغير يمر به جسدها.
في أحد أيام الخميس من منتصف الربيع، وصلت إلى شقتها وكان الباب مقفلاً كالعادة، لكني وجدته مفتوحاً قليلاً هذه المرة. دخلت بحذر وأنا أنادي بصوت هادئ: “خالتي.. هل أنتِ هنا؟” لم يكن هناك رد، فسرعان ما سرت رعشة خفيفة في جسدي. توجهت بخطوات سريعة نحو غرفة النوم، فوجدتها مستلقية على سريرها، تنظر إلى السقف بشرود، وبجانبها كوب ماء لم تلمسه، وعلى طاولة السرير الصغير كان هناك ظرف أبيض يحمل اسمي بخط يدها، ولكن بدا عليه الارتعاش والضعف هذه المرة.