أنا كنت بنضف2

اقتربت منها بلهفة وجلست على حافة السرير، وأخذت يدها الباردة بين يدي وأنا أقول بصوت خاشع ومحمل بالقلق: “أنتِ متعبة اليوم.. لماذا لم تتصلي بي لآتي مبكراً؟”

نظرت إليّ بعينين ذابلتين لكنهما ما زالتا تحتفظان بذاك البريق الدافئ، وابتسمت بضعف وقالت بصوت بالكاد يُسمع: “كنت أعلم أنكِ ستأتين اليوم.. الخميس هو يومنا يا ابنتي، ولن أفوته أبداً طالما أن في صدرِي نفسًا يتردد.”

أسرعتُ بإحضار منديل دافئ ومسحت جبهتها المبللة بالعرق البارد، بينما كانت هي تشير بيدها الضعيفة نحو طاولة السرير وتقول: “خذي الظرف.. لقد كتبته البارحة، كنت أتمنى أن أعيش لأسلمك إياه بنفسي في ظروف أفضل، لكن أعمارنا بيد الله.”

أحست معدتي بقبضة شديدة، وبدأت الدموع تتجمع في عيني قسراً. “لا تقولِ هكذا، أنتِ بخير وسنبقى معاً طويلاً، وابنتي ستتخرج قريباً وتأتي لترتدي أمامكِ زي التمريض الأبيض.”

هزت رأسها ببطء، وابتسمت ابتسامة هادئة مطمئنة وقالت: “لقد رأيت كل ما تمنيت أن أراه.. رأيتكِ تنهضين وتصنعين لنفسكِ مجداً من تعبكِ وكرامتكِ، ورأيت ابنتكِ شابةً واعدة. ما عاد في العمر بقية لأطلب أكثر من ذلك. افتحي الظرف يا ابنتي، واقرئي ما فيه بصوت مرتفع.”

يداي كانتا ترتجفان بشدة لدرجة أنني بالكاد استطعت إخراج الورقة المكتوبة من داخل الظرف الأبيض. أخذت نفساً عميقاً، وبدأت أقرأ الكلمات التي خطتها يدها الكريمة، بينما كان صوته يتردد في داخلي وكأنها تقرأه بنفسها في تلك الغرفة الهادئة.

كانت الحروف مكتوبة بخطها المرتعش قليلاً، لكنها كانت واضحة ومليئة بالحياة والدفء الذي عرفته منها طوال ثماني سنوات:

> “يا ابنتي العزيزة..

> لو كنتِ تقرأين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنني قد عبرت إلى الضفة الأخرى، حيث الراحة الأبدية وحيث لا تعب ولا مرض. لا تبكِ عليّ، فالإنسان لا يموت حقاً طالما ترك في قلوب الآخرين أثراً جميلاً، وأنتِ كنتِ أجمل أثر تركه الزمن في أيامي الأخيرة.

> طوال ثماني سنوات، كنتِ تظنين أنكِ تأتين لتنظيف بيتي، بينما الحقيقة أن وجودكِ كان ينظف روحي من وحشة الوحدة والعزلة. كنتِ تمنحينني سبباً لأستيقظ كل خميس بابتسامة وأمل. الشقة التي أعيش فيها الآن، وكل ما تملكتُه طوال حياتي، ليس له وارث حقيقي سواي، وقد كتبتُ وصيتي بهدوء وبكامل أهليتي القانونية قبل أسابيع. هذه الشقة، وكل ما فيها، وكل مدخراتي الصغيرة، أصبحت ملكاً لكِ ولابنتكِ من بعدي. ليست هبة، ولا إحساناً، بل حق لمن أحبتني بصدق، وخدمتني بأمانة، وشاركتني أنقى لحظات عمري.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *