بعد سنه ونص حكايات رومانى مكرم 2
دخلت الكلمة في ودن أم هبة زي طلقة الرصاص، وقفت الست الكبيرة على حيلها وسندت بإيدها المرتعشة على ترابيزة الصالة، وبصت لكريم بنظرة كلها عتاب ولوم وقالت له: “جرى إيه يا واد الناس؟ هو ده الأصول والعهد اللي اتعاهدنا عليه؟ ده إحنا لسه بنقول يا هادي، والحبر اللي اتكتب بيه كتابكم مَجفش! بقى ده الواد اللي قلت هيبقى حتة منك؟”
كريم نفخ بزهق ولوا بوزه وقال: “يا حجة، الأصول على عيني وعلى راسي، بس الكلام في الأول غير الفعل.. أنا راجل لسه ببدأ حياتي، ومش هقدر أشيل مسئولية و مصاريف عيل مش من صلبـي، والناس في الرايحة والجاية تبص لي وتقول أهو شايل ابن فلان.. أنا كلمتي واحدة، هبة على عيني، بس الواد مكانه مش هنا”.
في اللحظة دي، هبة حست إن كل ذرة خوف جوة قلبها اتبخرت، وحل مكانها برود عجيب وقوة هي نفسها مكانتش تعرف إنها تملكها. مسكت إيد ابنها يوسف اللي كان كامش في ديل جلابيتها، وبصت لكريم من فوق لتحت، النظرة دي خلته يتلخبط ويسكت.
قالت له بصوت طالع من قاع قلبها الموجوع: “المصاريف اللي بتتكلم عنها يا كريم، أنا م طلبتش منك فيها مليم أحمر للواد، أبوه بيبعت نفقته، وأمي شايلاني وشايلة ابني من قبل ما أعرفك.. إنما الحكاية مش مصاريف، الحكاية إنك طلعت بياع كلام، وكنت فاكر إنك لما تقفل عليا بابك هتنكسر عينـي وأرمي ضنايا عشان ملقاش مكان يلمني”.
حماتها لقت الصوت عالي، دخلت الشقة من غير ما تخبط، كأنها كانت واقفة ورا الباب بتستمع، وقالت بحس جهوري: “جرى إيه يا خطافة الرجالة؟ بتعلي صوتك على ابني في بيته وفي وسط أمه؟ جرى لك إيه يا كريم يا واد بطني، هتقف تتفرج عليها وهي بتقل بأصلها؟”
أم هبة اتدخلت وقالت: “بنتي مقلتش بأصلها يا أم كريم، بنتي بتدافع عن شرفها وكلمتها اللي اتفقتوا عليها.. عيب يتقال عليها الكلام ده، إحنا شاريين راجل، وطلعتوا بتبيعوا كلام في الهوا”.
كريم وشه احمر من الكسوف، بس كبريائه وعياط أمه وزَنّها في ودنه خلوه يقسى أكتر، خبط بإيده على التربيزة وقال بعلو صوته: “خلاصة الكلام يا هبة.. أمك جت وأهو شيلتك جاهزة، يا تمشي معاها بالواد، يا تودوا الواد معاها وتقعدي هنا معززة مكرمة ومالكيش دعوة بأي حاجة تانية.. اختاري دلوقتي والشرع حَكم بينا!”
يوسف الصغير من الخوف والزعيق بدأ يعيط بصوت عالي ويشد في إيد أمه: “مشينا من هنا يا ماما.. أنا خايف، مش عاوز أقعد هنا”.
هبة وطت على الأرض، مسحت دموع ابنها بكفوف إيدها، وبصت له وقالت له: “متخافش يا قلب أمك، طول ما أنا عايشة على وش الدنيا مفيش حد هيقدر يخوفك ولا يكسر بخاطرك”.
وقفت هبة وبصت لكريم وحماتها بكل شموخ، ودخلت أوضتها، ومفيش خمس دقائق طلعت وجرّت في إيدها شنطة هدومها، وماسكة إيد ابنها يوسف بالإيد التانية.
حماتها بصت للشنطة وقالت بشماتة: “رايحة فين يا أم يوسف؟ فاكرة لما تمشي وتلوي دراعه هيجري وراكي؟ ده واد بكر وعازب وألف مين تتمناه، والستات على قفا مين يشيل”.
هبة مَردتش عليها ولا دت لها أي قيمة، وبصت لكريم اللي كان واقف مذهول ومكانش متوقع إنها هتاخد الخطوة دي بالسرعة دي، وقالت له بكلمات حاسمة وزي السيف:
“أنا اخترت يا كريم.. اخترت اللي مش هيغير وشه عليا، اخترت اللي عمري ما ه ندم إني شيلته في بطني وتعبت فيه.. أنت خسرت ست صانتك وشالتك في عيونها، وخسرت الكلمة والعهد اللي بيربطوا الرجالة.. أنا رايحة لبيت أبويا، والورقة اللي بينا هتوصلني لحد عندي، وبأصلك أو بقلة أصلك، حقي وحق كرامتي هناخده بالقانون”.
أم هبة ابتسمت بفخر ببنتها وسندت عليها، وخرجوا التلاتة من باب الشقة، وسابوا كريم واقف في نص الصالة، وشه أسود زي الطين، وأمه عمالة ت زغرد وتصوت و بتهلل، بس جوه عينه كان فيه لمعة ندم وخوف من اللي جاي.
نزلوا السلم، وهبة حاسة إن الحمل انزاح من على كتافها، رغم الوجع ورغم الخوف من كلام الناس ومن لقب “مطلقة للمرة التانية”.. بس نظرة الفرحة والأمان اللي شافتها في عين ابنها يوسف وهي ماشية جنبه، كانت بالدنيا وما فيها.
يا ترى كريم هيسيبها تمشي ب الساهل كده والندم هياكله لما البيت يفضى عليه، ولا حماته هتقوم الدنيا مش هتقعدها وتطلع عليها إشاعات تكسرها؟ وهبة، هتبدأ حياتها من جديد إزاي وتواجه المجتمع وهي شايلة طفلها في حضنها للمرة التانية؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
وصلت هبة مع أمها وابنها يوسف لبيت أبوها القديم. أول ما دخلت من الباب وشافت جدران البيت اللي اتربت فيه، رمت الشنطة من إيدها وانفجرت في عياط مكتوم عشان يوسف ما يحسش بحاجة. أمها أخدتها في حضنها وقالت لها بصوت حنين: “ابكي يا بنتي، ابكي واغسلي همك.. الدموع مش عيب، العيب إن الواحدة تعيش مكسورة الجناح في بيت ناس ما يعرفوش للأصول طريق.”
مرت الأيام والأسابيع، وهبة بدأت تفوق لنفسها. عرفت إن البكاء مش هيأكلها عيش ولا هيبني مستقبل لابنها. نزلت تدوّر على شغل بكل عزة نفس، وربنا كرمها بفرصة شغل في مشغل خياطة كبير قريب من البيت، وبقت ترجع آخر النهار وتعبها كله يروح أول ما يوسف يجري عليها ويضمها ويقول لها: “أنا بحبك يا ماما.”
على الجانب الآخر، في شقة كريم، الهدوء اللي كان بيحلم بيه اتقلب لجحيم. البيت بقا فاضي وضلمة، مفيش الضحكة ولا اللقمة الدافية ولا الاهتمام اللي هبة كانت مغرقاه فيه. أمه كانت كل يوم تجيب له عروسة شكل، ودي ترفضه عشان ظروفه، ودي تشرط عليه شروط تكسر الضهر، لحد ما بدأ يفوق لنفسه ويحس بالذنب.
كريم بقا يقعد في وسع الشقة ويفتكر كلام هبة، ويفتكر النظافة والنظام، والست الأصيلة اللي اشترته ومطلبتش منه مليم للواد. حماته بدأت تلاحظ حاله المتدهور فبقت تزعق وتقول: “جرى إيه يا واد بطني؟ هتفضل قالب وشك عشان حتة مطلقة سابت البيت و مشيت؟ بكره نجوزك ست ستها!”.. لكن كريم صرخ فيها لأول مرة وقال: “محدش هيعوضني عن هبة يا أمي! أنا اللي بعت الكلمة، وأنا اللي جيت على ست ملهاش ذنب غير إنها وثقت فيا!”
في يوم من الأيام، وهبة راجعة من شغلها وماسكة إيد يوسف وفي إيدها التانية أكياس طلبات البيت، تفاجأت بـ كريم واقف تحت البيت. وشه كان دبلان وهدومه مش مظبطة كالعادة.
أول ما شافها، جرى عليها ودموعه في عينه، ووطى على ركبه قدام يوسف وقال بنبرة مكسورة: “سامحني يا يوسف.. أنا عمك كريم اللي غلط في حقك”. وبعدين بص لهبة وقال بترجي: “عشان خاطر ربنا يا هبة ارجعي معايا.. البيت ضلمة من غيرك، وأنا مستعد أكتب لك شقة باسمك وباسم ابنك، وهعمل للواد دفتر توفير، وأمي مش هتعتب باب الشقة تاني.. أنا عرفت قيمتك يا بنت الأصول”.
يوسف خاف واستخبى ورا أمه، وهبة بصت لكريم ونظرتها كانت خالية من أي غل أو شماتة، بس كان فيها برود وقوة يخوفوا.
يا ترى هبة هتلين وتوافق عشان تضمن مستقبل ابنها المادي وتكسر عين حماتها، ولا جرح الكرامة ملوش دواء والرجوع للوراء بقا مستحيل؟ وإيه اللي هيعمله كريم لو هبة رفضت، هل هيستسلم ولا ناوي على شر يقلب التربيزة؟
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
سحبت هبة إيدها من قُرب كريم، وبصت له بعيون قوية مفيهاش لوم ولا عتاب، لكن فيها حسم ينهي أي أمل كان عشم الكداب بيه نفسه. وطت على الأرض، شالت يوسف في حضنها، وبصت لكريم وقالت له بنبرة هادية بس توزن بلد:
“الشقة والفلوس والدفاتر دي تشتري بيها واحدة جاية تاكل وتعيش يا كريم، إنما أنا كنت شارية راجل بكلمته وعهده. اللي يبيع ضنايا في أول محطة عشان يرضي كلام الناس، يبيعني أنا شخصياً في المحطة اللي بعدها عشان يرضي نفسه. الندم اللي في عينك دلوقتي مش عشان عرفت قيمتي، ده عشان ملقتش الست اللي تشيلك وتصونك زي ما أنا شيلتك.. أنا وابني خرجنا من بابك بكرامتنا، وكرامتنا دي بالدنيا ومفيهاش رجوع ليكم تاني”.
التفتت هبة وعطت له ضهرها، وطلعت السلم بخطوات ثابتة وسابت كريم واقف بطوله في الشارع، والدموع والندم واكلين قلبه، وعرف إن فيه خسارات في الدنيا ملهاش عياض، وإن بنت الأصول لما بتقفل الباب وراها، مبيفتحوش مال قارون.
مرت السنين، وهبة كبرت في شغلها وبقت صاحبة مشغل خياطة صغير خاص بيها، ويوسف كبر وبقى راجل مالي مركزه، ودايماً باصص لأمه بفخر ويقول لها: “أنتِ سندي وأمّي وأبويا وكل دنيتي يا هبة”. أما كريم وأمه، ففضلوا عايشين في جحيم المشاكل والندم، يدوروا على الست الأصيلة وميلاقوهاش، لأن الأصول مبتتباعش في سوق الخداع.
### الحكمة من القصة
> **”مَن لَم يكن لَهُ خَيرٌ في ضَناك، لَن يَكونَ لَهُ خَيرٌ فيكِ”**
> البيوت لا تُبنى على الوعود الزائفة ولا الكلمات المعسولة في برّ الخطبة، وإنما تُبنى على الأصول، والرجولة مواقف وعهود تُصان. المرأة المطلقة ليست كَسيرة أو صيداً سهلاً يتم التفضل عليها بالزواج، بل هي إنسانة كاملة الكرامة، وأمومتها خط أحمر لا يقبل المساومة.
> ومَن اشترى خاطر الناس وباع ضنى زوجته، خسر الاثنين معاً، لأن “عوض الله” الحقيقي لا يأتي في ثوب رجل يكسر قلب طفل يتيم، بل يأتي في القوة والكرامة والرزق الحلال الذي يفتحه الله للأم التي تصون أولادها وتضحي بالدنيا لأجلهم.
>
