حكايات امانى السيد 3

ـ “يوميتك هنا 150 جنيه.. هيتخصم منها 100 جنيه يومياً لصالح نفقة زياد وليلى وسداد ديون التجار، وهيتفضل لك 50 جنيه تجيب بيها أكلك وشربك وتنام بيها في أوضة الخزين اللي ورا الورشة. والتزامك بالمواعيد هو اللي يحدد هتقعد هنا ولا تترفض وتروح السجن. مفهوم؟”
محمودغمض عينيه والألم بيقطع في صدره. الـ 50 جنيه اللي بقت يوميته، هي هي المبلغ اللي كان بيستخسره فيها لما تطلب منه مصاريف البيت!
رفع رأسه وبص لهناء.. حاول يدور في عينها على أي ذرة أمل، أي بقايا للست اللي كانت بتموت فيه وبتبارك على نكده، بس مالقاش غير جدار من الثلج الصلب.
قال بصوت مخنوق والدمعة محبوسة في عينه:
ـ “مفهوم يا ست هناء.. مفهوم.”
هناء قفلت الدفتر وقالت ببرود:
ـ “اتفضل على شغلك.. الخشب الجديد وصل ولازم يترص.”
محمود لف ضهره ومشي يجر رجليه، مسك الخشب الثقيل وشاله على كتافه، وكتافه بتوجعه من التعب، بينما هناء كانت قاعدة في مكتبها بتمشي الشغل بثقة وحزم.
الدنيا دارت دورة كاملة.. اللي كان فاكر نفسه عمدة بفلوس مراته، بقى أجير عندها بياخد قوته بالقطارة، والست اللي كانت محنية من كتر التوفير والكسرة، بقت هي صاحبة العمل، مرفوعة الراس، مسيطرة على حياتها وحياة عيالها، ومستنية الخطوة الأخيرة اللي هتختم بيها الحكاية للابد.
خرج محمود من مكتب هناء وهو حاسس إن جسمه كله بيهتز. الخشب التقيل اللي شاله على كتافه مكنش أتقل من الهم والكسرة اللي في قلبه. يمسك المكنسة ويكنس تراب الخشب، ويمسح عرقه بكُم الأفرول القديم، وعينيه كل شوية تتسحب لداخل المكتب.. يشوف هناء قاعد على الكرسي بثبات، ماسكة القلم وبتراجع الفواتير مع الحاج عبد الصمد وسعاد، بكل هيبة واحترام، والناس بتدخل وتخرج توطي عليها بالسلام والتقدير.
مرت الأيام والأسبوع ورا الأسبوع، ومحمود عايش في أوضة الخزين اللي ورا الورشة. أوضة ضيقة، ريحتها تراب وخشب، مفيهاش غير مرتبة قديمة على الأرض. كل يوم الصبح يصحى الساعة سبعة، يفتح باب الورشة، يفرش الحصيرة، ويكنس، ويستنى “مدام هناء” لما تيجي.
الـ 50 جنيه اللي كانت بتفضل له في اليوم، يا دوبك تجيب له رغيفين عيش وحتة جبنة وكباية شاي. كان بياكل اللقمة ناشفة وهو بيبص للرصيف اللي كان بيتمرغ عليه بفلوس الجمعية، ويفتكر لما كان بيبخل على هناء بطقم جديد أو موبايل، ويقول لنفسه: *”سبحانك يا رب.. الحرام مابيدومش، والظلم دينه مبيتمحيش إلا لما يتدفع للتالت والمتالت.”*
