من أول يوم حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الثالث: بين مطرقة القانون وسكرات الموت
أجهزة القياس في غرفة العناية المركزة كانت بتصدر أصوات متسارعة ومرعبة، المؤشرات بتنزل، والدكاترة حوالين ياسمين زي خلايا النحل. صدمة كهربائية ورا تانية، وجسمها الهزيل بيتنفض على السرير.. وأنا ورا الزجاج ضاغط بجبهتي على الإزاز وبدعي ربنا بكل جوارحي: *”يارب متوجعنيش فيها.. يارب خد من عمري واديها”*.
بعد نصف ساعة مرت كأنها مية سنة، خرج الدكتور وهو بيمسح عرق جبينه، وبصلي بنظرة هادية شوية وطمنّي:
> “الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف الداخلي ورفعنا الضغط، بس الوضع لسه حرج جداً. الجرح البدائي اللي اتعمل لها سبب تسمم حاد في الدم، وإحنا بنضخ أقوى المضادات الحيوية. الـ 48 ساعة الجايين هما المحك يا مصطفى بيه.”
>
سمحوا لي أدخل لها لـ دقائق معدودة. قعدت على كُرسي جمب سريرها، كانت شاحبة زي الأموات، وخراطيم المحاليل والأكسجين محاوطاها من كل اتجاه. مسكت إيدها الطاهرة وبستها وأنا بدمع، وهمست في ودنها: *”ابننا بخير يا ياسمين.. في الحضانة هنا في نفس المستشفى، ومسمينه (سليم) زي ما كنتِ عايزة.. قومي عشان خاطره وخاطري”*. حركت صوابعها حركة خفيفة جداً، وكأنها سمعتني، ودي كانت أول طاقة نور تطمن قلبي.
### زنزانة الندم والغل
في الجانب الآخر، كانت النيابة العامة بتباشر التحقيقات في أسرع قض..ية جنائية هزت الرأي العام. تم اقتياد أمي وأختي شيرين، والداية (أم أحمد)، والدكتور المرتشي صاحب المستشفى الخاص، في طابور عرض وعيونهم في الأرض وسط نظرات الاحتقار من الكل.
في غرفة التحقيق، المواجهة كانت سيد الموقف. أمي حاولت في الأول تنكر وتدعي إن ياسمين سقطت لوحدها، بس وكيل النيابة واجهها بتقرير الطب الشرعي، وباعترافات شيرين والداية الموثقة بالصوت والصورة. ولما حست إن حبل المشنقة بيلف حوالين رقبتها، انهارت وبدأت تصرخ بغل:
> “أنا مكنتش عايزة أموتها! أنا كنت عايزة الواد لبنتي الغلبانة اللي جوزها كان هيطردها.. ياسمين كانت هتاخد ابني وشقاه وتمنع خيره عننا.. أنا كنت بربيها وبأدبها!”
>
وكيل النيابة بص لها بقرف ولجمها بكلمات زلزلت كيانها:
> “تربيها بمشرط؟! تربيها بحقن بنج مواشي وجنزير وقفل؟! إنتِ مجردة من أي غريزة أمومة أو إنسانية. القيد والوصف في القض..ية دي هو الجناية المؤثمة بمواد الشروع في القت..ل العمد مع سبق الإصرار والترصد، وخطف طفل حديث الولادة، وإحداث عاهة مستديمة!”
>
أمرت النيابة بتجديد حبسهم 15 يوماً على ذمة التحقيق، وتم ترحيل أمي وأختي لـ سجن النساء بـ القناطر.. هناك، في الزنزانة الضيقة، انفضت المظاهر، وبدأت أمي تلطم وتدعي على شيرين إنها هي اللي وزتها، وشيرين تصرخ في وش أمها وتقول لها: *”إنتِ اللي دمرتيني ودمرتِ جوزي وأخويا.. إنتِ الشيطان!”*.. انقلب السحر على الساحر وبقوا بياكلوا في بعض زي الأفاعي في جحر واحد.
### خطوة نحو الحياة
مرت الـ 48 ساعة الأصعب في حياتي وأنا متنقل بين رعاية ياسمين وحضانة ابني سليم. سليم كان بيبدأ يتحسن، وبدأ يستجيب للرضاعة الاصطناعية، وملامحه كانت نسخة مصغرة من أمه.. نفس العيون الهادية.
وفي صباح اليوم الثالث، دخلت غرفة ياسمين، ولقيت المعجزة بتتحقق. ياسمين كانت فاتحة عينيها بالكامل، والصفار اللي في وشها بدأ يزول. أول ما شافتني، دموعها نزلت، وبصوت ضعيف جداً مسموع بالعافية قالت:
> “مصطفى… سليم فين؟ عايش؟”
>
نزلت لمستواها ودموع الفرحة في عيني:
> “عايش وبيسلم عليكي يا قلب مصطفى.. فوق في الدور الخامس، والدكاترة بيقولوا هيخرج خلال أيام.. والكلاب اللي عملوا فيكي كده في السجن، وحقك وحق ابنك هييجي بالقانون ورجال القضاء.. محدش هيرحمهم.”
>
ياسمين غمضت عينيها براحة، ونزلت دموعها وهي بتقول:
> “أنا مكنتش مصدقة إنك هتيجي.. كنت حاسة إني بموت في الضلمة ومحدش سامعني.. أمك كانت بتقولي جوزك باعك ومش هيسأل فيكي.”
>
حضنت إيدها وقولت لها: *”أنا بعت الدنيا كلها وجيتلك.. ومفيش قوة على الأرض هتبعدني عنك تاني”*.
### مفاجأة المحاكمة
بعد مرور شهرين، تحسنت حالة ياسمين بشكل ملحوظ وخرجت من المستشفى وهي شايلا سليم على إيدها، ورجعنا عشنا في شقة إيجار مؤقتة بعيد تماماً عن بيت العيلة الكابوس.
وجاء موعد الجلسة الأولى لمحاكمة المتهمين بمحكمة جنايات أسيوط. القاعة كانت قايدة نار، والصحافة والإعلام في كل مكان. دخلت أنا وياسمين، وكانت شايلا ابننا، ووقفنا قدام قفص الاتهام.
أمي وأختي ورا القضبان كانوا بشكل يصعب على الكافر.. الهدوم البيضاء بتاعة الحبس الاحتياطي، الوشوش سودا ومظلمة، والكسرة باينة في عنيهم. أمي أول ما شافتني وشافت ابن ياسمين في حضنها، قربت من السلك ودموعها نزلت وقالت بنبرة ذل:
> “سامحني يا مصطفى.. قولي لياسمين تسامحني.. أنا أمك يا ابني.. متسيبنيش أموت في السجن!”
>
شيرين كانت بتصرخ وبتلطم منهارة وراها. في اللحظة دي، ياسمين بصت لهم بنظرة قوة مفيهاش أي ضعف، وبصت لي وقالتلي كلمة واحدة خلت القاعة كلها تنتبه.
يا ترى ياسمين هتنازل عشان خاطر صلة الرحم ولا هتصر على القصاص؟ وإيه الحكم التاريخي اللي القاضي هيتلوه من فوق منصة العدالة ويهز قلوب الحاضرين؟
**#الكاتب_رومانى_مكرم**
## الجزء الرابع: ساحة القصاص وميزان العدالة
ضجت قاعة محكمة جنايات أسيوط بأصوات الهامسين، وعيون الحاضرين كلهم كانت متعلقة بـ ياسمين وهي واقفة بكل ثبات، شاحبة لكن قوية، وحاضنة ابننا “سليم” اللي كان نايم في سلام، مش دريان بالدنيا ولا بالكابوس اللي اتولد من رحمه.
أمي فضلت متبتة في سلك القفص، دموعها نازلة بنبرة استعطاف وذل عمري ما شفتها فيها قبل كده:
> “عشان خاطر الواد الغلبان ده يا ياسمين.. سامحيني يا بنتي، ارحمي شيبتي، أنا زي أمك برضه.. ومصطفى ابني ملوش ذنب يشيل ذنب حبس أمه وأخته طول عمره!”
>
شيرين أختي كانت واقفة وراها، دبلانة تماماً، وعينيها بتدور في القاعة بتدور على جوزها اللي اتخلى عنها ورفع عليها قض..ية طلاق فوراً بعد فضيحة تزوير نسب الواد ومشاركته في الجري..مة.
ياسمين بصت لأمي نظرة طويلة، نظرة خلت أمي تسكت تدريجياً وصوتها يتخنق. ياسمين مالت عليا وهمست بصوت مسموع ومتحشرج من الوجع:
> “أنا مش هتنازل يا مصطفى.. لو تنازلت النهاردة عن حقي وحق ابني اللي شقوا بطني عشانه وسرقوه، هبقى بخون كل لحظة رعب عشتها في الضلمة تحت الجنزير.. الدم مبيغسلوش غدر، واللي ميرحمش، ميتراحموش عليه.”
>
مسكت إيدها وضغطت عليها بقوة، وقولت لها: *”وأنا معاكي وفوق رقبتي يا بنت الأصول.. الحق ميزعلش”*.
### محكمة!
صوت حاجب المحكمة زلزل القاعة: **”محكمة!”**
سكتت كل الأصوات، ووقف الجميع إجلالاً لمنصة القضاء. اعتلى المستشار الجليل ورؤساء المحكمة المنصة، وعيون القاضي كانت حاسمة، وبدأ ينظر في أوراق القض..ية بتركيز شديد.
وقف ممثل النيابة العامة، وبدأ يلقي خطبة الادعاء اللي بكت القاعة كلها. وصف الجري..مة بأنها “انحدار تام لغريزة البشر، وردة إلى عصور الجاهلية والتوحش”، وطلب بتوقيع أقصى عقوبة نص عليها قانون العقوبات المصري على المتهمين الأربعة (أمي، أختي، الداية، والطبيب المرتشي).
لما جه الدور على محامي الدفاع عن أمي وأختي، حاول يلعب على وتر العاطفة وصلة القرابة، وادعى إن الأم كانت بتعاني من ضغوط نفسية وخوف على بيتها، وأن الداية هي المسؤول الأول عن الشق الجراحي. لكن التقارير الطبية وشهادة الشهود وبواب العمارة اللي اعترف بكل حاجة، قفلت كل الأبواب في وشهم.
### النطق بالحكم.. زلزال في القاعة
بعد مداولة استمرت لساعتين، وهي الأصعب في حياتي، عاد القضاة للمنصة. ساد صمت رهيب، حتى أنفاس الحاضرين تكاد تكون مسموعة. وبصوت جهوري، بدأ القاضي يتلو أسباب الحكم:
> “بعد مراجعة الأوراق، وسماع الشهود، والاطلاع على تقرير الطب الشرعي.. تبين للمحكمة أن المتهمين قد تجردوا من كل معاني الإنسانية، وارتكبوا جرماً تقشعر له الأبدان، حيث استباحوا جسد زوجة ابنهم، وشرعوا في قت..لها عمداً مع سبق الإصرار، وسرقوا جنيناً من أحشائها لبيعه وتزوير نسبه، مروعين الآمنين وهاتكين صلة الرحم.. ولذلك، حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:”
>
انحبست الأنفاس، وأمي وأختي مسكوا في بعض جوه القفص وهم بيترعشوا..
* **أولاً:** بمعاقبة المتهمة الأولى (أمي) والمتهمة الثانية (شيرين) بالسجن المؤبد لمدة 25 عاماً المشدد، عما أسند إليهم من اتهامات الشروع في الق..تل العمد وخطف طفل حديث الولادة.
* **ثانياً:** بمعاقبة المتهمة الثالثة (الداية) بالسجن المشدد لمدة 15 عاماً وغلق وكرها.
* **ثالثاً:** بمعاقبة المتهم الرابع (الطبيب) بالسجن المشدد لمدة 10 سنوات، مع شطب اسمه نهائياً من نقابة الأطباء وغلق المستشفى الخاص به.
### الصرخة الأخيرة قبل الستار
أول ما القاضي نطق بكلمة “المؤبد”، صرخة شيرين هزت جدران المحكمة ووقعت من طولها مغمى عليها، والشرطة دخلت فوراً تفوقها. أمي فضلت تبصلي بعيون مبحلقة، مش مصدقة إن ابنها واقف ومتحركش عشان ينقذها، ولقيتها بتصرخ بأعلى صوتها وهي بتترحل لـ زنزانة السجن:
> “بعت أمك يا مصطفى؟! بعت اللي ربتك عشان المرة؟! مش هسامحك ليوم الدين!”
>
الكلمات دي نزلت على قلبي زي الجمر، بس بصيت لـ ياسمين ولـ ابني سليم اللي في حضنها، وعرفت إن العدل مبيجزأش، وإن اللي يرضى بظلم زي ده على مراته وعرضه وابنه، ميبقاش راجل.
خرجنا من باب المحكمة، والنفس بدأ يرجع لصدري تاني. ركبنا العربية، وياسمين سندت رأسها على كتفي وقالتلي: *”أنا حاسة إن روحي رجعتلي النهاردة يا مصطفى.. الكابوس انتهى”*.
قولتلها: *”انتهى يا حبيبتي.. ومن بكرة هنبدأ حياة جديدة، بعيد عن كل السواد ده، في مكان محدش يعرفنا فيه.. مكان نربي فيه سليم بالحب والرحمة اللي اتحرمنا منهم”*.
لكن.. هل تفتكروا الحياة هتمشي بالسهولة دي؟
سفرنا بره مصر هيمر بسلام بعد ما القض..ية بقت قض..ية رأي عام؟ وإيه اللي هيحصل لما سليم يكبر ويعرف السر المرعب اللي عملته جدته وعمته في أمه يوم ولادته؟ وليه المحامي بتاعي اتصل بيا بليل وقال لي: “الحق يا مصطفى.. في ثغرة في ورق المستشفى الخاص ممكن تقلب القض..ية في النقض!”؟
**#الكاتب_رومانى_مكرم**