حكايات الهوارى 3
الدم هرب من عروقي، والصرخة اللي خرجت من آية في التليفون خلت المستشفى كلها تلف بيا. الدكاترة والممرضين بصوا لي بذهول وأنا واقف متسمر في مكاني، وتليفوني على ودني وصوت الخبط والرزع بيهز سماعة الموبايل كأن الباب بيتكسر فوق راسي.
صوت راجل غريب برة الباب كان بيزعق بعلو صوته ويقول:
— “افتحي يا بت.. بقى بتطردي الحاجة شريفة في الشارع وتستفردي بالواد؟ افتحي الباب بدل ما أكسره على دماغك ودماغ اللي جابوكي!”
عرفت الصوت.. ده صوت “خالد” أخويا الكبير!
أمي مكنتش مغمى عليها ولا قاطعة النفس في التاكسي زي ما ادعت.. أمي أول ما نزلت، كلمت إخواتي الرجالة، وقلبتهم عليا، وشحنتهم بكلام كذب! فهمتهم إني طردتها في الشارع ورميت حاجتها عشان خاطر مراتي، وخالد بطبعه حامي ومتهور وما بيشوفش قدامه لما بيتعصب.
زعقت في التليفون بأعلى صوت عندي وآية بتصرخ:
— “آية!!! اقفلي باب الأوضة عليكي بالترباس! متفتحيش يا آية.. أنا جاي فوراً!!!”
التفتت لأمي وأنا عيني وعقلي طايرين من الغضب.. بصيت عليها وهي نايمة على السرير، لقيت وشها الشاحب والمنكسر من دقيقة واحدة اتمسح، وظهرت مكانه نظرة تشفي وبرود مرعب.. نزلت رجليها من على السرير وبدأت تشيل الكانيولا من إيدها بمنتهى القوة والجبروت وقالت لي بخبث:
— “أنا قلت لك يا رامي.. هتيجي لي راكع.. إخواتك الرجالة هيربوك ويربوا الست هانم بتاعتك عشان تعرفوا إزاي تطردوا الحاجة شريفة!”
ملحقتش أرد عليها ولا أقف أعاتبها.. سبتها وطلعت أجري في ممرات المستشفى زي المجنون، رميت للأسطى محروس فلوس الحساب في إيده وأنا بصرخ: “ادعي لي يا أسطى.. بيتي بيتخرب!”
خرجت للشارع، مكنش فيه وقت أستنى ميكروباص أو أتوبيس.. وقفت تاكسي وركبت جمب السواق وأنا برتعش وبقوله: “طير على الشروق يا أسطى.. وحياة عيالك طير.. مراتي وابني بيموتوا!”
السواق حس بالرعب اللي في صوتي وشغل السرعة القصوى.. طول السكة وأنا بحاول أتصل بخالد أخويا.. الخط يدق وما يرفعش.. أتصل بأخويا التاني “مدحت”.. تليفونه غير متاح! قلبي كان بيتخلع من مكانه مع كل ثانية بتعدي.. آية لسه والدة بقالها 15 يوم، جسمها عليل وضعيف، وابني يوسف رضيع مكملش أسبوعين.. لو خالد كسر الباب ودخل عليهم بالغل ده، ممكن يعمل فيهم إيه؟
التاكسي وقف فرملة حادة قدام عماراتي.. نزلت قبل ما العربية تقف بالكامل، وطلعت السلم جري.. تلات درجات في خطوة واحدة، وأنا بنهج ونفسي مقطوع..
أول ما وصلت الدور الثالث، لقيت باب شقتي مكسور بالكامل.. الضلفة الخشب مقسومة نصين، ومفتوح على البحري..
دخلت الصالة وأنا بصرخ: “آية الكرسي.. آية!!! يوسف!!!”
الصالة كانت مقلوبة.. الكراسي متطوحة، والأكل النضيف اللي كنت جايبه لآية مدلوق على الأرض ومفروم تحت الجزم.
وفجأة.. سمعت صوت صريخ مكتوم جاي من أوضة النوم جوة، وصوت خالد أخويا وهو بيجر آية من الطرحة بتاعتها في الأرض والواد يوسف على السرير بيصرخ صريخ يقطع القلب.
دخلت الأوضة وعيني عميت تماماً.. شوفت خالد ماسك آية من دراعها وهي بتعيط وبتستغيث، ومدحت أخويا واقف جمبه وساند ضهره ع الحيطة وبيتفرج ببرود ويقول: “جرجيرها على بيت أمك خليها تبوس رجليها وتعتذر لها!”
من غير ما أفكر.. ومن غير ما أحس بنفسي.. هجمت على خالد أخويا الكبير زي السبع الجعان.. أخدته بكتفي خبطته في الدولاب، ونزلت فيه ضرب بالبوكسات في وش لدرجة إن مدحت اتخض وجري يسلّك أخوه من تحت إيدي وهو بيزعق: “أنت اتجننت يا رامي؟! بتضرب أخوك الكبير عشان حتة ست؟!”
زقيتهم هما الاتنين لورا وأنا بنهج وعيني بتطلع شرار، ووقفت في النص حيطة سد بين إخواتي وبين آية اللي كانت منكمشة في ركن الأوضة وضامة ابنها يوسف وبتبكي بهستيريا ورعب.
مسكت فازة حديد كانت محطوطة على الكومودينو، ورفعتها في وشهم وصوتي خرج مرعب ومبحوح:
— “اللي هيقرب خطوة واحدة من الأوضة دي.. هقتله.. هقتله وأدخل فيه السجن! أنتم جايين تسترجلوا على ست نفاس وابن أختكم الرضيع؟!”
خالد مسح الدم اللي نازل من مناخيره وبص لي بنظرة ذهول وغيظ:
— “بتضربني يا رامي؟ بتطرد أمك وتضرب أخوك الكبير عشان دي؟ أمك في المستشفى بتموت بسبابك!”
زعقت فيه وأنا بدمع من القهر:
— “أمي كدابة!!! أمي مابتمرضش.. أمي كانت بتاكل مراتي زبالة وفضلات الأكل وبتسرق فلوسي بقالها أسبوعين! أمي جيعت ابني وخلت اللبن ينشف في صدر مرأتي! أنتم جايين من غير ما تفهموا ولا تسمعوا؟!”
إخواتي بصوا لبعض للحظة.. كلامي وصريخي وهستيريتي خلت مدحت يبدأ يشك.. بس خالد كبريائه منعه يتراجع، صك على سنانها وقال:
— “حتى لو عملت إيه.. دي أمك.. والبت دي لازم تمشي من هنا ومتقعدش في البيت ده ثانية واحدة!”
وقبل ما حد فينا يتحرك خطوة زيادة.. سمعنا صوت برة الأوضة.. صوت خطوات بطيئة وواثقة..
التفتنا كلنا ناحية الباب.. وكانت المفاجأة!
“الحاجة شريفة” واقفة على باب الأوضة، بكامل صحتها وجبروتها، وباصة لآية بنظرة انتصار وقالت بصوت هادي ومرعب:
— “سمعت كلام إخواتك يا رامي؟ البيت ده بيتي.. وأنا اللي هقعد فيه.. والبت دي وابنها مالهمش مكان هنا من اللحظة دي!”
البيت كله سكت فجأة.. مفيش غير صوت شهقات آية المرعوبة وصريخ يوسف الصغير اللي كان بيقطع في قلبي. بصيت لأمي “الحاجة شريفة” وهي واقفة بكامل هيبتها وجبروتها، مفيش على وشها أي أثر للمرض ولا التعب اللي ادعته من ساعة في المستشفى.
كانت باصة لآية بنظرة تخوف، كأنها بتعلن انتصارها قدام الكل.
خالد أخويا عدل قميصه ومسح الدم اللي على بقه وبص لي وقال:
— “سمعت يا رامي؟ أمك بنفسها اهي جت، والبيت ده إحنا اللي دافعين فيه معاك ومساعدينك، وأمك ليها الكلمة الأولى والأخيرة فيه.. مرأتك دي تاخد ابنها وتغور على بيت أبوها لحد ما تتربى وتعرف إزاي تحترم حماتها!”
مدحت أخويا كان واقف باصص لأمي بشك، سألها بصوت واطي:
— “يا أمي.. أنتي مش كنتي في الطوارئ والضغط عالي؟ إزاي جيتي ورا الغيط كده؟ وهل بجد كنتي حارمة البت من الأكل؟”
أمي برقت له وزعقت فيه:
— “أنت هتصدق كلام الخايب أخوك وتكذب أمك يا مدحت؟ البت دي عايزة تفرقكم عن بعض، وعايزة تاخد رامي لحسابها وتنسيه أهله! أنا كنت بعمل بأصلي معاها، وهي اللي مقصرة في حق ابنها وجوزها!”
في اللحظة دي، حسيت إن عقلي هيطير، بس الغضب اللي جوايا اتبدل لبرود حاد وقاتل. نزلت الفازة الحديد من إيدي، وقربت من أمي بخطوات بطيئة. إخواتي اتنحنحوا ووقفوا في وشي كأنهم بيحموا أمهم مني، بس أنا مكنتش رايح أضربها.. أنا كنت رايح أنهي المهزلة دي.
وقفت قدامها بالظبط، وبصيت في عينيها وقيدت غضبي:
— “البيت ده يا أمي، أنا دافع تمنه من شقايا وغربتي، وإخواتي منكرش إنهم ساعدوني بقرشين ورجعتهم ليهم بالملي وعندي الوصلات.. يعني البيت ده بيتي أنا ومراتي وابني. وأنتي يا أمي.. فوق راسي من فوق، بس في بيتك! مش هنا.”
أمي صكّت على سنانها وشاورت لخالد ومدحت:
— “سامعين؟ بيطرد أمه تاني قدامكم! وروني هتعملوا إيه مع الأخ العاق ده!”
خالد رفع إيده وجاي يمسكني من هدوومي، زقيت إيده بقوة وقلت بصوت زلزل الأوضة:
— “اسمعوني كويس أنتم الثلاثة.. الباب المكسور ده، والبيت المتبهدل ده، والظلم اللي حصل لآية النهاردة مش هيمر بالساهل. أنا مش هطرد حد، وأنا مش هقعد في مكان فيه الغدر ده!”
التفت لآية، لقيتها بتبص لي بعيون مليانة رجاء وخوف، هزيت لها راسي كأني بطمنها. قربت من السرير، شلت يوسف ابني في حضني بالراحة، ومسكت علبة اللبن وباقي الفيتامينات وحطيتهم في كيس. ورحت لآية، مسكت إيدها وقومتها براحة:
— “قومي يا آية.. هاتي عبايتك وطرحتك.. إحنا مش هنقعد هنا دقيقة واحدة.”
أمي ضحكت بتهكم وصوت عالي:
— “وريني هتروح فين بالست بتاعتك والواد اللي مكملش أسبوعين في عز البرد والليل ده! هتقعد بيهم في الشارع؟”
بصيت لها ونظرتي كسرت ضحكتها:
— “هروح في مكان نضيف، مكان فيه رحمة.. هوديها لأهلها معززة مكرمة، وهقعد تحت رجلين حمايا لحد ما يسامحني على الأمانة اللي صنتهاش.. بس قسماً بالله يا أمي، وقسماً بالله يا خالد ويا مدحت.. الشقة دي مقفولة من النهاردة، ومصاريف البيت اللي كانت بتتدفع مش هتشوفوا منها مليم واحد بعد كده، والقرش اللي كنت بطلعه لإخواتي في أزماتهم انسوه!”
خالد اتعصب وزعقت:
— “أنت بتلوي دراعنا بالفلوس يا رامي؟ غيط وغار، الباب يفوت جمل!”
سحبت آية في حضني وهي سانده عليا وبتعيط، ويوسف نايم على كتفي بيتنفس براحة بعد ما شبع. خرجنا من باب الشقة المكسور، وسبنا أمي وإخواتي واقفين في الصالة وسط الأكل المدلوق على الأرض والخراب اللي عملوه بإيديهم.
وأنا نازل على السلم، كنت حاسس بوزن ذنبي تقيل قوي، بس لأول مرة أحس إني باخد خطوة صح كراجل.. راجل بيحمي بيته ومراته حتى لو من أقرب الناس ليه.
طلعنا الشارع، الجو كان ساقع وهوا الفجرية كان بيخبط فينا.. ركبت آية في تاكسي، وقعدت جمبها وأنا ضاممها هي وابني، وقلت للسواق: “على المطرية يا أسطى.. بيت حمايا.”
طول السكة وآية باصة من الشباك وساكتة تماماً.. السكوت ده كان بيخوفني أكتر من العياط. التفتت ليا وقالت بصوت هادي يوجع:
— “تفتكر بابا لما يشوفني بالمنظر ده.. هيسيبني أرجعلك تاني يا رامي؟”
سؤالها نزل عليا زي السكينة.. يا ترى رامي هيعمل إيه لما يوصل بيت حمايه في الفجرية ويشوفوا بنتها دبلانة وشبه الهيكل العظمي؟ وإيه هيكون رد فعل والد آية لما يعرف إن رامي شارك في ظلم بنته؟ ومواجهة رامي مع حماه هتوصل لإيه؟