خمس أيام حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الثالث
بدير وقع على ركبه في الأرض، وعيونه كانت طالعة لبرة وهو بيبصلي وكأنه شاف شبح خرج من القبر. شفايفه كانت بتترعش، وحاول ينطق اسمي، بس الصوت ما طلعش من حنجرته.
الظابط كلبش إيديه ورفعه من على الأرض بعنف، وهو بيصرخ وبيتلوى زي الدبيحة:
> «مستحيل! إزاي؟! الدكاترة قالوا فاضل أيام… التقرير الطبي… النبض وقف! إنتِ لسة عايشة؟! إنتِ شيطانة؟!»
>
قربت بالكرسي المتحرك لحد ما بقيت في وشه بالظبط، وبصيت في عيونه اللي مليانة رعب وقلتله بابتسامة باردة:
> «الشيطان هو اللي يعيش تلات سنين بياكل في خير ست، وبيخطط يق*تلها بالبطء عشان يورثها. أنا دكتورة يا بدير… وعارفة إمتى دقات قلبي تقف وإمتى تشتغل، وعارفة إزاي أخلي الطاقم الطبي كله يمثل عليك اللعبة اللي إنت بدأتها. السم اللي كنت بتحطهولي في الشاي؟ أنا كنت عارفاة من أول شهر، وبدلت الجرعات بمادة تانية تخلي أعراضي تظهر قدامك زي ما إنت عايز، والتحاليل الحقيقية كانت بتتبعت للنيابة أول بأول.»
>
الظابط سحبه وهو بيجري في الممر زي الفأر المذعور، وصوت الكلبشات كان بيرن في ودني زي أحلى معزوفة انتصار سمعتها في حياتي.
مرت تلات أسابيع على ليلة القبض على بدير.
صحتي بدأت ترجعلي تدريجيًا بعد ما وقفت اللعبة وبدأت آخد المضادات الحيوية والكورس العلاجي الحقيقي تحت إشراف دكاترة مخلصين. كنت قاعدة في مكتبي الرئيسي في الشركة، ببص على النيل من الشباك، والهدوء بدأ يرجع لقلبي.
دخل عاصم المحامي وهو شايل في إيده ملف جديد، وقعد قدامي وقال وهو بيتنهد:
> «النيابة قفلت التحقيق يا دكتورة إلهام، وتحويل بدير لمحكمة الجنايات هيكون الأسبوع الجاي. القض*ية مقفولة تمامًا؛ الاعترافات والتسجيلات والتحاليل الطبية مش سايباله أي فرصة للهروب. هيقضي بقية عمره ورا القضبان.»
>
سندت ضهري لورا وقلتله:
> «والأوراق اللي وقعتها؟ أوراق التنازل للمؤسسة الخيرية؟»
>
عاصم ابتسم وقال:
> «زي ما اتفقنا… الأوراق دي كانت مجرد فخ ومناورة قانونية عشان نثبت نية بدير وندفعه للتحرك بسرعة ويكشف كل أوراقه، والعقود دي تعتبر لاغية ومحفوظة عندي في المكتب. ثروتك ومستشفياتك كلها لسة باسمك، ومحدش يقدر يلمس منها مليم واحد.»
>
حسيت براحة كبيرة، بس الراحة دي ما دامتش غير لدقايق.
تليفوني الخاص رن برقم غريب. ردت برسمية:
> «ألو.. مين معايا؟»
>
جاني صوت راجل، بس مش صوت بدير… صوت غريب، خشن، وفي نبرته ثقة مرعبة تخلي الدم يتجمد في العروق. الراجل ضحك ضحكة واطية وقال:
> «مبروك النجاة يا دكتورة إلهام… لحقتي نفسك في آخر لحظة وقلبتي الترابيزة على المغفل بدير. بس تفتكري اللعبة خلصت؟»
>
قبضت إيدي على التليفون، وحسيت بنغزة في قلبي وقلت بحدة:
> «إنت مين؟ وعايز إيه؟»
>
الصوت رد ببرود:
> «بدير ما كانش بيتحرك من دماغه… بدير كان مجرد العروسة اللي بنحركها بالخيوط عشان نوصل لشركتك ومستشفياتك. هو فشل… بس إحنا لسة ما بدأناش. الشاي اللي كنتِ بتشربيه؟ المادة اللي فيه ما كانتش ثاليوم بس يا دكتورة… فيه حاجة تانية جوة جسمك دلوقتي، زرعناها بالبطء، والريموت بتاعها معانا إحنا. لو عايزة تعيشي بجد… جهزي ورق التنازل الحقيقي، وللإدارة الفوقية بتاعتنا… وإلا الخمس أيام اللي فاتوا هيبقوا جنة جنب اللي هيحصلك.»
>
الخط قطع.
بصيت لشاشة التليفون وأنا مش مصدقة، وجسمي بدأ يترعش تاني… بس المرة دي مش من السم، المرة دي من الخوف من المجهول اللي مستنيني. التفت لعاصم اللي كان بيبصلي بقلق، وعرفت إن المعركة الحقيقية لسة هتبدأ حالا.
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
## الجزء الرابع
وقفت مكاني، التليفون وقع من إيدي على المكتب الخشب، وصوته وهو بيخبط في الأرض صحاني من الصدمة. عاصم اتنفض من مكانه وقرب مني وبص لملامحي الوش المخطوفة وقال بقلق:
> «في إيه يا دكتورة؟ مين اللي كان بيتكلم؟ وبدير إيه علاقته باللي بيحصل تاني؟»
>
خدت نفس طويل وصعب، وحسيت فجأة إن الهوا في الأوضة بدأ يقل. بصيت لعاصم وقلت بصوت حاد ومرعش:
> «بدير طلع مجرد مغفل يا عاصم… كلب فلوس، في حد أكبر منه بكتير كان ممشيه. حد هو اللي كان بيديله السم، وحد عارف تفاصيل حالتي الطبية أكتر مني ومن الدكاترة بتوعي.»
>
نزلت على الأرض، جبت التليفون، وطلبت من السكرتارية فوراً يستدعوا رئيس الطاقم الطبي، دكتور شريف، صديق عمري اللي أشرف على خطة الهروب بتاعتي.
بعد نص ساعة، كان شريف قاعد في مكتبي، وشه مقلوب وعلامات القلق واضحة عليه وهو بيسمع اللي حصل في المكالمة.
شريف هز رأسه برفض تام وقال:
> «مستحيل يا إلهام! التحاليل اللي عملناها في معمل برة المستشفى أثبتت إن المادة هي الثاليوم بس، ودي اللي جففنا أثرها من جسمك بالعلاج. كلام الراجل ده إما تهديد عشان يخليكي تتنازلي عن خوف، أو…»
>
سكت شريف فجأة، وعيونه وسعت وكأنه افتكر حاجة مرعبة. أنا وقفت وقربت منه وقلت بلهفة:
> «أو إيه يا شريف؟ انطق!»
>
شريف بلع ريقه وصوته اتهز وهو بيقول:
> «أو إن نوع السم اللي كان بيتحطلك مش سم كيميائي تقليدي… في بروتوكولات علاجية حديثة وأبحاث نزلت من سنة عن تركيبات جزيئية حيوية (Bio-toxins) ما بتظهرش في تحليل الدم العادي، وبتتنشط في الجسم بعد فترة معينة أو بمحفز خارجي، زي مادة كيميائية تانية أو حتى ضغط عصبي عالي يرفع الأدرينالين.»
>
الكلام نزل عليا زي الصاعقة. خبرتي الطبية خلتني أفهم أبعاد كلامه؛ أنا لسة في خطر، والخمس أيام اللي فاتوا ما كانوش النهاية، دول كانوا مجرد بداية العد التنازلي الحقيقي.
في نفس اللحظة، تليفون المكتب الأرضي رن. عاصم رفع السماعة بسرعة، وسمع ثواني، وبعدين وشّه اتقلب وبصلي وهو بيقول:
> «ده حرس المبنى تحت… بيقولوا إن في طرد وصل باسمك دلوقتي، ومكتوب عليه “سري للغاية ومستعجل”.»
>
عاصم طلب منهم يبعتوا الطرد مع رئيس الأمن بعد ما يفحصوه. الطرد كان عبارة عن صندوق قطيفة أسود صغير. عاصم فتحه بحذر، ولقينا جواه “أمبول” زجاجي فيه سائل شفاف، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط كمبيوتر مطبوع:
> «ده الترياق للجرعة التنشيطية اللي هتبدأ تشتغل في جسمك كمان 48 ساعة. لو حابة الأمبول التاني اللي هينهي الموضوع تماماً، بكرة الساعة 10 الصبح، محاميكِ عاصم يكون واقف في مكتب توثيق الشهر العقاري في الجيزة، ومعاه عقود التنازل عن 51% من أسهم مجموعة المستشفيات لصالح شركة (ألفا هولدنج) العالمية… وإلا، الموت المرة دي مش هيكون تمثيل.»
>
شريف سحب الأمبول بسرعة وقال:
> «أنا هاخد السائل ده فوراً على معمل الأبحاث الرئيسي في الجامعة، لازم أعرف تركيبته إيه عشان نقدر نوصل للمادة المضادة من غير ما نلجأ ليهم.»
>
عاصم بصلي وقال بصرامة:
> «أنا هبدأ أتحرى عن شركة (ألفا هولدنج) دي، لازم نعرف مين اللي وراها في مصر ومين الاسم الحقيقي اللي بيحرك الخيوط من ورا الستار.»
>
مرت الساعات تقيلة ومخيفة. كل دقة في قلبي كنت بحس إنها ممكن تكون الدقة الأخيرة. بدأت أحس بوخز خفيف في أطراف صوابعي، وما كنتش عارفة هل ده وهم من الخوف، ولا السم الحيوي بدأ يتنشط فعلاً زي ما الراجل قال.
الساعة جَت 2 بالليل. تليفوني رن تاني برقم مخفي. فتحت الخط وأنا كابسة على أعصابي:
> «أنا مش هخضع ليكم… ومش هسيب شقى عمري لشوية مجرمين.»
>
الصوت ضحك بسخرية وقال:
> «شقا عمرك؟ إنتِ فاكرة إنك بنيتي الإمبراطورية دي لوحدك يا دكتورة؟ فكري تاني كدا… فكري في الأرض اللي بنيتي عليها أول مستشفى ليكي في القاهرة من خمسطاشر سنة… الأرض دي كانت بتاعة مين؟ ومين اللي سهلك التراخيص والقروض؟ إنتِ مجرد واجهة لفلوسنا من زمان، وبدير كان غلطتنا الكبيرة عشان طماع وجاهل. اللعب دلوقتي بقى على المكشوف ومع الكبار.»
>
جسمي كله سقع. الكلام اللي قاله رجعني سنين لورا… ذكريات وتفاصيل أنا نفسي كنت ناسياها أو فاكرة إنها مشيت بالقانون.
قبل ما أنطق بكلمة، الصوت كمل:
> «وعشان تعرفي إننا جادين… بصي من شباك مكتبك حالا.»
>
جريت على الشباك وبصيت في الشارع… وشفت عربية سودا واقفه، نزل منها راجل لابس كاب، وبص لفوق ناحية مكتبي، وولع ولاعة ونور بيها وشه لثانية واحدة عشان أشوفه.
لما شفت وشه… صرخت وحطيت إيدي على بوقي من الصدمة. الراجل ده مش غريب عليا… ده الشخص اللي كنت فاكرة إنه مات من عشر سنين!
