كنا قاعدين كلنا على السفرة 1
كنا قاعدين كلنا على السفرة بناكل، وأخويا ومراته لسه عرسان جداد، ومراته متحمسه لكل حاجه في بيتنا. فجأة مرات أخويا قالت له بدلع كده قدامنا: “هات لنا جمبري بقى عشان نفسي فيه قوي”. طلب بسيط، واحدة نفسها في حاجة زي أي ست لأنها بتتوحم. بابا فجأة خبط بأيده على الترابيزه خابطة خلت الكوبايات ترن، وزعىق بصوت عالي: “هو إنتي كنتي في بيت ابوكي بتتشرطي على الاكل؟ الجمبري غالي واللي نجيبه ترضي بيه!” وبص لأخويا وقال: “لو مشيت ورا كلام مراتك هتخليك تشحت”.
مرات أخويا وشها احمر في لحظة، والابتسامة اللي كانت على وشها اختفت كأنها عمرها ما كانت موجودة. نزلت عينيها في الطبق ومبقتش قادرة تنطق ولا بكلمة، وإحنا كلنا اتجمدنا في أماكننا. حتى صوت الملاعق وقف، والبيت اللي كان من دقيقة مليان هزار وضحك بقى ساكت بشكل يخوف. ماما حاولت تغير الموضوع وقالت بهدوء: “يلا يا جماعة كلوا قبل الأكل ما يبرد”، لكن محدش رد عليها. أخويا كان باصص لأبوه بنظرة عمري ما شفتها في عينه قبل كده، خليط من الغضب والوجع والعجز. فضل ساكت كام ثانية، وبعدها زق الكرسي وقام من غير ما يقول كلمة واحدة، وخرج من البيت وقفل الباب وراه.
مرات أخويا فضلت مكانها، كانت بتحاول تمنع دموعها قدامنا، وكل شوية تمسك كوباية المية وتشرب منها وهي إيديها بترتعش. أنا وماما بصينا لبعض ومحدش عرف يقول إيه، لأن أي كلمة في اللحظة دي كانت هتزود الوجع أكتر. أما بابا، فكمل أكله بمنتهى البرود، وكأن اللي حصل ده حاجة عادية بتحصل كل يوم، وقال وهو بياكل: “البيت ده له أصول، واللي يدخل فيه يعرف حدوده.”
الكلمة دي كانت أصعب من اللي قبلها. حسيت إن مرات أخويا نفسها تقوم تجري على أوضتها، لكنها استحملت وقعدت لحد ما الكل خلص، وبعدها استأذنت بصوت واطي ودخلت الأوضة. ماما قامت بعدها بدقايق بحجة إنها ترتب السفرة، لكني كنت شايف في عينيها إنها موجوعة أكتر من أي حد فينا.
الليل كله كان تقيل. أخويا رجع متأخر، وما دخلش يقعد مع حد، دخل أوضته على طول. محدش سمع صوتهم، ومحدش عرف إذا كانوا اتكلموا ولا فضلوا ساكتين. حتى بابا نام وهو مقتنع إنه عمل الصح، أما إحنا فكنا عارفين إن كلمة واحدة ممكن تفضل في قلب الإنسان سنين.
وفي صباح اليوم التالي، صحينا كلنا على حاجة غريبة… بابا خرج شغله كعادته، وماما فضلت واقفة عند الشباك لحد ما اتأكدت إنه اختفى من آخر الشارع، وبعدها بصت ليا وقالت جملة واحدة غيرت كل اللي كنا متوقعينه:
“يلا بسرعة… قبل ما يرجع، لازم نعمل حاجة محدش في البيت يعرف عنها.”
ماما لفت وشها ليّ، وعينيها اللي كان ماليها التعب طول الليل، فجأة ظهرت فيهم لمعة غريبة.. لمعة فيها إصرار وقوة عمري ما شفتهم فيها قدام بابا. مسكت إيدي جامد وقالت بصوت واطي ومخطوف: “انزل بسرعة يا حسن، روح لعمك فرج بتاع السمك اللي في أول السوق.. قوله أم حسن بتسلم عليك وتقولك هات اتنين كيلو جمبري من النضيف، اللي لحمه وافي، ونظفه كويس.. واوعى حد من الجيران يشوفك وأنت راجع، حطه في شنطة سودا وخبيها تحت جاكتك.”
أنا وقفت مذهول، الكلمات طالعة من بوقي بالعافية: “جمبري يا ماما؟! أنتِ عارفة لو بابا عرف هيعمل إيه؟ ده ممكن يقلب الدنيا وميدخلناش البيت تاني!”
ماما حطت إيدها على بوقي، وعينيها دمعت لكن صوتها فضل حاسر: “أبوك على عيني ورأسي، بس كسر الخواطر مش من الأصول اللي بيتكلم عنها. البنت غريبة وسطنا، وأول مرة تطلب حاجة، ودخلت أوضتها مكسورة ونامت بدموعها. لو ماردناش كرامتها في البيت ده، عمرها ما هتحس إنها واحدة مننا.. اخلص يا حسن، الوقت بيجرى وأبوك زمانه في الورشة وممكن يرجع في أي وقت لو الشغل خفيف.”
نزلت السلم وأنا بجرى، دقات قلبي كانت أسرع من رجلي. الشارع كان لسه بيفوق، والجو فيه نسمة الصبح، بس جوايا كان فيه نار قايدة من الخوف والمجازفة. وصلت لعم فرج، وطلبت الحاجه زي ما ماما قالت بالظبط. الراجل استغرب من الاستعجال والسرعة، بس لفلّي الحاجه ونظفها، وأنا واقف على نار، كل دقيقة بتعدي كأنها سنة. أخدت الشنطة، وحشرتها تحت دراعي وداريتها، ورجعت البيت وأنا ببص ورايا وقدمي، خايف خيال بابا يظهر من أول الشارع.
طلعت الشقة، لقيت ماما مستنياني ورا الباب. خطفت الشنطة مني ودخلت على المطبخ عل طول، ولقيتها مجهزة البصل والتوم والطماطم والخضرة. قفلت باب المطبخ، وقالت لي: “اقف على باب الشقة، عينك في وسط رأسك، لو سمعت صوت رِجل أبوك على السلم، تيجى تكح كحتين وتخبط على باب المطبخ.”
في الوقت ده، الباب بتاع أوضة أخويا اتفتح براحة. خرجت مراته، وشها كان دبلان، وعينيها منفوخة من كتر البكاء طول الليل. كانت لابسة عباية بيتي وبتبص في الأرض ومحروجة حتى ترفع عينيها في عيني. شافتني واقف، فقالت بصوت مبحوح ومكسور: “صباح الخير يا حسن.. طنط فين عشان أساعدها؟”
قبل ما أرد، ماما فتحت باب المطبخ نص فتحة، وطلعت رأسها وابتسمت ابتسامة عريضة وقالت: “صباحية مباركة يا عروسة، تعالي يا بنتي، تعالي ادخلي معايا المطبخ عايزكي في حاجة.”
البنت دخلت وهي مستغربة، وأنا وقفت وراهم وبصيت من الباب. ماما مسكت إيدها، وقعدتها على الكرسي، وحطت قدامها طبق الجمبري بعد ما اتغسل وبقى زي الفل. البنت أول ما شافته، شهقت وحطت إيدها على بوقها، والدموع نزلت من عينيها زي الشلال.
ماما طبطبت على كتفها وقالت لها بحنية أم: “حقك عليّ يا بنتي. كرامتك من كرامتي، وأبو حسن راجل طيب بس طبعه حامي وشايل هم الدنيا.. والبيت ده بيتك، وأنتِ بنتي اللي مخلفتهاش. يلا بقى، وريني شطارتك، أنا عرفت من أخوكي إنك بتعملي طاجن جمبري إسكندراني يجنن، اعملاهولنا بأيدك عشان ناكله كلنا سوا قبل ما عمك يرجع.”
البنت من كتر الفرحة والذهول، قامت باست رأس ماما وإيدها، وفي ثانية تحولت الطاقة السلبية اللي في البيت لنشاط غريب. ريحة التوم والبصل والبهارات بدأت تطلع وتملى المطبخ، بس ماما كانت واعية، فتحت الشفاط وقفلت الشبابيك اللي على الشارع عشان الريحة متطلعش بره والناس تتكلم.
في اللحظة دي، أخويا صحي من النوم. خرج من الأوضة، وشه كان مقلوب وعينيه فيها كمية غضب رهيبة من اللي حصل امبارح، وكان باين عليه إنه مجهز شنطته وعايز يأخد مراته ويمشي. وقف في الصالة مستغرب من الحركة والريحة، وبص لي وقال: “إيه اللي بيحصل هنا؟ ومراتي فين؟”
شاورت له على المطبخ من غير ما أتكلم. مشي بخطوات تقيلة وفتح الباب.. شاف مراته واقفة بتضحك من قلبها وهي بتقلّب الطاجن، وماما واقفة جنبها بتشجعها وبتقولها: “الله على الريحة يا تسنيم، تسلم إيدك.”
أخويا اتسمر في مكانه. الغضب اللي في وشه بدأ يدوب ويتحول لذهول، وبعدها لراحة مكنش متوقعها. بص لماما ونظرة العجز اللي كانت في عينيه امبارح اتمحت، وحل مكانها نظرة امتنان وشكر ملوش حدود. قرب من ماما وباس إيدها وقال بصوت واطي: “ربنا يخليكي لينا يا أمي.. أنتِ دايماً بتداوي اللي غيرك بيكسره.”
الأكل خلص بسرعة الصاروخ، وماما حطت الطاجن السخن والرز والسلطات على السفرة، وقعدنا كلنا ناكل بسرعة ولهفة، كأننا بنسرق لحظة فرحة قبل ما الإعصار يرجع. الكل كان بياكل ومبسوط، وأخويا ومراته مكنوش مصدقين إن اللمة رجعت تضحك تاني بالسرعة دي.
وفجأة.. وإحنا في نص الأكل، وبنضحك بصوت واطي.. سمعنا صوت مفتاح بيدور في قفل الباب الخارجي.
نفسنا كلنا اتقطع في ثانية. الملاعق ثبتت في إيدينا، والضحكة اختفت من على الوشوش. ده صوت غسيل دراع الباب.. بابا رجع بدري عن معاده بساعتين.
ماما وقفت في ثانية، وشها اصفر، وبصت للطاجن اللي على السفرة وبصت لباب الشقة اللي بدأ يتفتح.. وبصوت يرعش من الخوف قالت: “أبوكم رجع.. شيلوا الأكل بسرعة!”
