الظلم ظلمات حكايات رومانى مكرم 2
## الجزء الثالث: لعنة الشباك الأزرق
مرّت تلك الليلة المشؤومة، لكن الفجر لم يحمل معه نورًا، بل حمل ظلامًا استقر في زوايا البيت. حبسوني في غرفتي، وأقفل زوجي الباب عليّ بالمفتاح من الخارج، تاركًا إياي مع ندامي وأصوات أفكاري التي تنهش في عقلي. من خلال شق الباب، كنت أسمع وشوشاتهم المذعورة في الصالة؛ حماتي تجمع بناتها وزوج منال، وصوتها يرتجف لأول مرة: “البت ليلى هتركبنا الجناية.. كلامها في الشارع هيلف البلد، والناس هتقول قتلوا الولية وعيروها لحد ما ماتت.. لازم نلم الموضوع”.
لم تكن حماتي خائفة من الله، كانت خائفة من كلام الناس، وخائفة من تلك اللعنة الخفية التي بدأت تبث الرعب في أركان الحوش.
مع حلول العصر، بدأت الكوابيس الحقيقية تأخذ شكلًا ملموسًا. كانت الضرة “أم الولد” تجلس في الحوش، تحضن ابنها الرضيع وتتبجح أمام إحدى بنات حماتي قائلة: “مجنونة إيه اللي بتقول عليها لعنة؟ ماتت وشبعت موت، والبيت فضي لي أنا وابني، والكلب ينبح والقافلة تسير”. وما إن نطقت هذه الجملة، حتى صرخت صرخة هزت أرجاء البيت.
انكسر ذراع الكرسي الخشبي الذي كانت تجلس عليه فجأة وبدون مقدمات، وسقطت على الأرض بعنف، وطار طفلها من يدها ليرتطم بحافة الحوض الحجري—نفس الحوض الذي كانت منال تقف أمامه وتبكي بكاءها الصامت.
تجمع البيت على صراخ الرضيع الذي انقطع نفسه، وجرت حماتي وبناتها يحملون الطفل والضرة التي التوى كاحلها وأخذت تصرخ من الألم. نزلوا بهما إلى المستشفى في حالة ذعر، ولم يبق في البيت الكبير سواي أنا المحبوسة، وزوج منال “علاء” الذي كان يجلس في الحوش واجمًا، يدخن بشراهة وعيناه معلقتان بشقة زوجته الراحلة.
من نافذة غرفتي المطلة على الحوش، كنت أراقب علاء. فجأة، رأيت سيجارته تسقط من بين أصابعه، ووجهه يشحب حتى صار كلون الأموات. انتفض واقفًا، وجسده يتراجع إلى الخلف ببطء حتى ارتطم بالجدار.
اتبعتُ نظراته المرعوبة نحو الأسفل.. نحو الشباك الأزرق القديم لشقة منال.
الشرائح الخشبية للشباك المغلق بدأت تتحرك ببطء.. انفتحت ضلفة واحدة، وضلفة أخرى، وصدر منها صرير حاد حفر في القلوب. لم يكن هناك هواء، والجو كان ساكنًا تمامًا، لكن الشباك انفتح على مصراعيه، وظهرت من خلفه ستارة منال البيضاء القديمة وهي تطير للخارج وتلوح في الفراغ كأنه كفن معلق.
صرخ علاء بصوت مبحوح: “منال!.. أنتِ جوه؟”. لم يجبه أحد، لكن باب الشقة الأرضية المقفول بقفل حديدي كبير بدأ يهتز عنفًا، وكأن هناك يدًا من الداخل تحاول كسره وتخلعه من مكانه. ركض علاء نحو بواب الشارع وهو يصرخ بهستيريا، تاركًا البيت خلفه.
ضحكتُ من وراء نافذتي، ضحكات ممزوجة بالدموع، وقلت بصوت مسموع: “ابدأي يا منال.. خدي حقك.. لسه الحساب في أوله”.
عندما عادوا من المستشفى في وقت متأخر، كان الطفل برأسه ضمادات ضخمة، والضرة تجر قدمها المجبسة، والوجوه كلها يكسوها الخوف. لم يتحدث أحد بكلمة، ولم يجرؤ أحد على النظر نحو الشباك الأزرق الذي ظل مفتوحًا كفم جرح لا يندمل.
أطلق زوجي سراحي من الغرفة بعد أن أجبره الخوف على البحث عن أي ونيس في البيت. نزلتُ إلى الحوش بخطوات ثابتة، ووقفت وسطهم. كانوا يجتمعون في زاوية بعيدة عن شقة منال، يتحدثون بهمس وكأنهم يخشون أن تسمعهم الجدران.
نظرتُ إلى حماتي التي كانت تبخر البيت بنبرة مرتعشة وهي تقرأ تعاويذ مبعثرة، فقلت لها ببرود: “البخور مش هيطردها يا حماتي.. البخور بيطرد الشياطين، لكن منال مظلومة، والملائكة هي اللي حارساها.. مش هتمشي من هنا غير لما تاخد تمن كل دمعة نزلت من عينيها وهي بتغسل المواعين وتسمع كلامك السم”.
التفتت إليّ الضرة وهي تبكي وتضم ابنها: “بوس إيدك يا ليلى اسكتي.. البيت بقا يقبض، إحنا عملنا فيها إيه؟ ده نصيبها!”.
قاطعتها وأنا أشير بإصبعي إلى وجهها: “إنتِ بالذات حسابك تقيل.. عيرتيها ببطنها الفاضية، وربنا جازاكي في ابنك اللي فرحتي بيه على كسر خاطرها.. ودي لسه القرصة الأولى”.
وفجأة، وأنا أتحدث، انطفأت أنوار الحوش والبيت بالكامل. ساد ظلام دامس، وتبعه صوت تدفق مياه شديد. هرع زوجي وزوج منال بكشافات هواتفهم نحو مصدر الصوت، لتصيبهم الصدمة الكبرى.
المياه كانت تنفجر بغزارة من شقة منال المغلقة، تخرج من تحت عقب الباب ومن بين شقوق الشباك الأزرق، مياه سوداء برائحة تشبه رائحة المقابر، بدأت تغمر الحوش وتصل إلى أقدامنا، وكأن البيت بأكمله يغرق في دموع منال المكبوتة التي حبستها طوال سنوات عذابها وسطنا.
## الجزء الرابع: طوفان القصاص
تراجعت حماتي إلى الخلف وهي ترفع جلبابها بجسد يرتعش من الرعب، بينما كانت المياه السوداء تتدفق من تحت عقب باب منال بغزارة، كأنها نهر انفجر من باطن الأرض. الكشافات في أيدي زوجي وعلاء كانت ترتعش، والضوء يهتز على وجه الماء الذي بدأ يغمر أرضية الحوش ويقترب من عتبات الغرف.
صاحت الضرة بنبرة مخنوقة بالبكاء وهي تحتضن ابنها الرضيع: “المية مغرقة رجلي.. المية ساقعة زي التلج وريحتها وحشة قوي يا ليلى! الحقونا البيت بيغرق!”.
صاح زوجي بعلاء وهو يحاول التقدم وسط الماء: “هات شاكوش ولا أجنة يا علاء! لازم نكسر قفل الشقة ونشوف المحبس اللي ضرب جوه ده، البيت هيقع علينا!”. ركض علاء وجلب أداة حديدية ثقيلة، وبدأ يضرب القفل الحديدي لباب منال بضربات متتالية رنانة، كانت الأصوات تصدر في الظلام كأنها دقات ساعة القيامة.
مع كل ضربة، كان صوت تدفق المياه يزداد، والصرير خلف الباب يعلو. وأخيرًا، انكسر القفل.
اندفع الباب مفتوحًا بقوة، وخرجت منه موجة من المياه الباردة دفعت علاء وزوجي للخلف ليسقطا في وسط الحوش. ساد صمت مفاجئ.. وانقطع صوت تدفق الماء. تخطيتهم بخطوات ثابتة ووقفت عند عتبة الشقة المظلمة، ووجهت كشاف هاتفي إلى الداخل.
الشقة كانت جافة تمامًا.
لم يكن هناك قطرة ماء واحدة على البلاط، الأثاث القديم كما هو، والتراب يغطي الأسطح بسلام. التفتُّ خلفي فنظرت إلى الحوش، كان الحوش لا يزال غارقًا في المياه السوداء التي تحيط بأقدامهم. كانت المياه تخرج من الشقة لكنها لم تكن داخلها!
صرخت حماتي وسقطت على ركبتيها في الماء وهي تلطم خديها: “يا مصيبتي السودا ياما.. دي مش مية حنفية.. ده غضب.. منال مش ه تسيبنا في حالنا!”.
في تلك اللحظة، ومن وسط الظلام الدامس، تحركت الستارة البيضاء للشباك الأزرق في الداخل. وبدأ صوت مألوف يتردد في أرجاء الشقة الفارغة، صوت حشرجة ونفس متقطع، نفس الوجع الكاتم الذي كنا نسمعه وهي تنام مقهورة.
بدا صوت منال يهمس من كل زاوية، صوت يبكي وينوح، ينادي باسم كل واحدة منا. تيبست بنات حماتي في أماكنهن، وأخذت الضرة تصرخ وتغلق أذنيها بيديها وهي تقول: “سامحينا يا منال.. أنا ماليش ذنب، هما اللي قالوا لي اتدلعي وعايريها، هما اللي حرضوني عليكي!”.
التفتت حماتي إليها بعيون برزت من الجحور وصاحت: “إحنا يا خطافة الرجالة؟ إنتِ اللي كنتِ بتدخلي وتقولي يا عاقر جهارًا نهارًا! إنتِ اللي كنتِ بتبخي السم في البيت!”.
بدأت الخناقة تشتعل بينهم وسط الماء؛ الكل يلقي بالتهمة على الآخر، الكل يتبرأ من دماء منال وقهرها. كانوا كالفئران التي تحترق في مصيدة، وأنا واقفة أضحك بأعلى صوتي، أشاهد انهيار العزوة التي طالما تحاموا فيها لظلم المسكينة.
قلت لهم والنار تأكل قلبي: “اتخانقوا.. قطعوا في بعض.. ده ذنب منال اللي بيخلص منكم.. مفيش واحدة فيكم بريئة، كل كلمة سم، وكل ضحكة اتضحكتوها في الحوش وهي مكسورة، بتترد ليكم دلوقتي خوف ورعب وخراب!”.
جاء الصباح، ولم ينم أحد في البيت. المياه استقرت في الحوش ولم تجف، وكأن الأرض رفضت أن تشربها.
مع أول ضوء للشمس، حزمت إحدى أخوات زوجي حقائبها وهي تبكي برعب وتقول لحماتي: “أنا مش قاعدة هنا دقيقة واحدة.. أنا حلمت بيها طول الليل واقفة فوق راسي وبتخنقني.. البيت ده مسكون بلعنتها”. وتبعتها أختها الثانية، وتفرق الجمع الذي كان يتحد على عداوة منال.
أما الضرة، فقد أخذت طفلها وهربت إلى بيت أهلها وهي تجر قدم المجبسة، مقسمة أنها لن تعود إلى هذا البيت أبدًا.
لم يبق في البيت الكبير سوى حماتي التي انحنى ضهرها فجأة وكأنها كبرت عشرين عامًا في ليلة واحدة، وزوجي وعلاء اللذين كانا يجلسان في الحوش بوجوه مظلمة وعيون غائرة من قلة النوم والخوف.
نزلتُ من شقتي، ومشيت وسط الماء الذي بدأ يغير لون جدران البيت ويتلفها. وقفتُ أمام الشباك الأزرق المغلق، ونظرتُ إليه بهدوء، وقلت بصوت منخفض: “البيت اتخرب يا منال.. واللمة اللي كانت بتدبحك اتهدت.. بس أنا لسه قلبي مشفاش، ولسه ندمي مخلصش.. وأنا مستنية معاكي لحد ما أشوف أخرتها معاهم”.
وفجأة، تحركت ضلفة الشباك الأزرق ببطء شديد، وكأنها تودعني.. أو تخبرني أن الحساب الأكبر لم يبدأ بعد.
