انا وبنتى حكايات رومانى مكرم 1
انا وبنتى روحنا أستقبل جوزي في الحفلة بتاعته، بس السكرتيرة بتاعته وقفتني وقالتلي: “مراته وابنه فوق من بدري”…
عشان كده مسكت التليفون، اتصلت بأخويا وقولتله: “امسح كل حاجة من الوجود.. خُد كل حاجة تخصنا.”
— الحقيقة، ما توقعتش أبداً إني أشوفك هنا يا ست فادية.
كاميرا **سامية** ابتسمت وهي قاعدة على الكرسي الرخام الفخم في فندق “الأمير” في شارع الهرم. بؤها كان بيرسم ابتسامة صفرا، بس عينيها كانت بتبص بقرف وضيق لجلابية **فادية** البسيطة، وجزمة بنتها بتاعة المدرسة، وشيكارة الهدايا القديمة اللي في إيدها.
— الحفلة دي لمعلمين البلد، والمستثمرين، والناس القريبة أوي من العيلة، —قالت سامية والتكبر طالع من كلامها— معاكي دعوة اصلاً؟
السكتة نزلِت على المكان زي الصاعقة.
— بتعملي إيه هنا؟ —سألت البنت وهي شمتانة ومبسوطة بكل ثانية من الإهانة دي.
— انتي عاملة دوشة ومنظرك مش تمام.. امشي أحسن ما أنادي لك أمن الفندق يرموكي برة.
ناس كتير من الضيوف بدأت تلتفت وتبص. في منهم لمحوا وش فادية وافتكروا إنها هي هي الست اللي كانت بتظهر زمان من بعيد في صور **أدهم** القديمة، والباجين مسكوا تليفوناتهم بسرعة عشان يصوروها.
سامية ما حاولتش حتى تداري قرفها ولا تحمي نفسها.
— قولتلك منظرك مش تمام.. امشي أحسن ما أطلبلك الأمن يرموكي برة.
فجأة، فادية وقفت في مكانها بثبات.
الربكة واللخبطة اللي كانت على وشها اختفت تماماً.. وما بفضلش غير هدوء يخوف وبرود، سامية فهمته غلط وفاكراه خوف.
— بتعملي إيه؟ —قالت السكرتيرة وهي بتجز على سنانها— بتتصل بحد ييجي يلمك وياخدك؟
فادية سحبت تليفونها من الشنطة.
قبل ما تتجوز أدهم “أبو حديد”، كان اسمها **فادية العطار**.
واسم **العطار** ده في مصر بيفتح أي باب مقفول.. في مجلس النواب، في البنوك، في شركات المقاولات، في صناديق الاستثمار، وحتى في أكبر المكاتب والقضاة. أخوها الكبير كان عضو مجلس نواب، والتاني كان ماسك مجموعة بنوك وشركات حوت، والتالت.. **غال العطار**، ده بقى كان الخبير اللي بيحل المصايب والتقيلة اللي رجال الأعمال الكبار بيموتوا وما يوصلولهاش ولا تخش صحافة.
فادية خبت أصلها واسم عيلتها عشان كانت عايزة تعرف أدهم بيحبها هي وعامل عشانها، ولا طمعان في عزها وفلوسها.
أخوها من الأول ما كانش طايقه ولا بيثق فيه.. ومع ذلك، عشان خاطر أختها وحبها ليه، شال شركة أدهم على كتافه لمدة 7 سنين كاملين؛ فلوس، ومقاولات، وشغل تقيل أدهم عمره ما عرف إنه جاي من تحت إيد عيلة العطار.
غال رد على أول رنة تليفون.
— انطقي، سمعاني.
#الكاتب_رومانى_مكرم_
بصت فادية لسامية، وبعدها بصت للصالة اللي جوة، حيث جوزها قاعد بيلهو بيحتفل مع عيلته التانية.
— غال… خُد كل حاجة شايف إنها تخصنا وتلزمنا.
كان فيه ثانيتين صمت رهيب على الناحية التانية من الخط.
بعدها أخوها رد بنبرة تقيلة:
— أنا بدأت من قبل ما تتصلي.
في نفس اللحظة دي.. كل الشاشات اللي في القاعة اسودت، والنور اتقطع، وبوابات الجراج الحديدية في الدور الأرضي اتفقلت بالضبة والمفتاح.
همس الخوف والارتباك بدأ ينمل في القاعة زي النار في القش. المزيكا اللي كانت مالية الفندق وقفت فجأة، والشاشات العملاقة اللي كانت بتعرض صور أدهم وشهادات تكريمه اسودت تماماً، وبعدها بثواني ظهر عليها شعار غريب باللون الأبيض: **”مجموعة العطار لتقييم الأصول وإدارة الأزمات”**.
سامية وقفت مكانها، ريقها جف والابتسامة الصفرا اللي كانت على وشها اختفت تماماً، بصلت لتليفونها اللي بدأ يرن بهستيريا. مسكت التليفون ويديها بترتعش، وقبل ما تنطق، سمعت صوت مدير الفندق وهو بيزعق في اللاسلكي بصوت صريخه مسموع للقاعة كلها:
— يعني إيه البوابات اتنفذ عليها إغلاق إلكتروني طوارئ؟! افتحوا الشبكة! البنوك سحبت اعتمادات الحفلة ورصيد الفندق اتجمد!
فادية فضلت واقفة في مكانها، إيدها ماسكة إيد بنتها الصغيرة بقوة وهدوء يخلع القلوب. البنت بصت لأمها بذهول، وفادية اكتفت بابتسامة دافية وطبطبة خفيفة على كفها، وكأن كل اللي بيحصل حواليهم ده مجرد شو سينمائي معمول عشانهم.
من القاعة الجوانية، خرج أدهم “أبو حديد” ببدلته الفخمة، والوتر مشدود في رقبته وهو بيعدل كرافتته بعصبية، ووراه مراته التانية متشيكة ولابسة ألماظ بيلمع، وبنهم ابنهم الصغير. أدهم كان بيزعق بصوت جهوري هز المكان:
— إيه المهزلة دي؟! هو مين اللي قطع الكهربا في حفلة أدهم أبو حديد؟! فين مدير الفندق؟! انتوا عارفين الدقيقة هنا بتتكلف كام؟!
سامية جريت عليه وهي بلعثانة، وشها أصفر زي الليمونة:
— أدهم بيه… المصيبة مش في الكهربا… المصيبة برة!
أدهم بص لها بغضب وغشامة:
— مصيبة إيه يا متخلفة انتي؟! اتصلي بوزارة الكهربا! اتصلي بالشرطة!
في اللحظة دي، النور طشطش ورجع يشتغل تاني، بس مش الأنوار الهادية بتاعة الحفلات، دي كانت أنوار الطوارئ القوية اللي كشفت كل زاوية في المكان. الشاشات اللي في القاعة كلها بدأت تعرض شريط أخبار عاجل وبيانات مالية رسمية:
**”تجميد كافة الحسابات البنكية لشركات ‘أبو حديد للمقاولات’ بناءً على أحكام قضائية وتنفيذية عاجلة لصالح مجموعة العطار الاستثمارية.”**
**”إلغاء كافة تراخيص البناء والامتيازات الممنوحة لمشروعات الهرم والعاصمة.”**
عيني أدهم اتسعت بصدمة مش قادر يستوعبها. جسمه اتثبت في الأرض وهو بيبص للشاشات، ومش فاهم الاسم ده جه منين.. “العطار؟!” إيه علاقة عيلة العطار بيه؟! هو طول عمره بيسمع عن الاسم ده زي الأساطير في سوق المقاولات والبنوك، اسم يعلّي أسماء ويهد حيتان في ثواني، بس عمره ما اتعامل معاهم مباشر!
فادية مشيت بخطوات ثابته ورايقة، وصوت كعب جزمتها البسيط كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع في الصالة بعد ما الكل سكت من الصدمة. وقفت على بعد خطوتين من أدهم ومسكت إيد بنتها كويس.
أدهم أول ما شافها، وشها ما كانش غريب عليه، بس الهيبة والشموخ اللي كانت واقفة بيهم كانوا غراب تماماً عن “فادية” اللي يعرفها في البيت.. الست المطيعة البسيطة اللي ما بتطلبش حاجة ومستحملة ظروفه وزحمته.
— فادية؟! —قالها أدهم بذهول وهو بيبص لجلابيتها ولشنطتها— انتي إيه اللي جابك هنا؟! وإيه اللي بيحصل ده؟! انتي تعرفي حاجة عن القرف اللي مكتوب على الشاشات ده؟!
سامية اتكلمت بصوت مرعوب وهي بتشير على فادية:
— يا أدهم بيه… هي… هي كانت بتتصل بحد اسمه ‘غال’… وقالتله خد كل حاجة تخصنا… وبعدها بثانية كل حاجة وقفت!
أدهم بص لسكرتيرته بقلة صبر وبعدها بص لفادية وضحك ضحكة هستيرية مكسورة:
— غال؟! غال مين يا سامية انتي تجننتي؟! فادية مراتي أبا عن جد ناس غلابة مالهمش في اللغوصة دي! فادية… قوليلي إنك جاية عشان تعملي شو وتطلبي فلوس؟ قوليلي إنك مش فاهمة حاجة من اللي بيحصل!
فادية بصلته بعينين هادية جداً، زي البحر قبل العاصفة، وقالت بصوت واثق ورزين سمع القاعة كلها:
— 7 سنين يا أدهم… 7 سنين وأنا شايفاك بتكبر، فاكر إن شطارتك ودماغك هما اللي عملوا “أبو حديد للإنشاءات”… فاكر إن المناقصات اللي كانت بتتفتحلك بالطلب كانت عشان سواد عينيك… فاكر إن القروض اللي بمليارات كانت بتنزل في حسابك بضمان اسمك…
أدهم بلع ريقه وصوته بدأ يترعش:
— انتي… انتي بتقولي إيه؟ انتي تعرفي مين العطارين اصلاً؟!
في اللحظة دي، أبواب الفندق الرئيسية اتفتحت بالقوة، ودخل منها طاقم كامل من رجال الأعمال والأمن الخاص بالبدل السودة، يتقدمهم راجل في الخمسينات من عمره، أسمر، ملامحه حادة زي السيف، وعينيه فيها نظرة نسر ما بيرحمش… **غال العطار**.
المكان كله اتهز، بعض رجال الأعمال المستثمرين اللي كانوا حاضرين الحفلة أول ما شافوه وقفوا باحترام ورعب، وفيه منهم ساب كاسه ونزل راسه للأرض.
غال مشي بخطوات واثقة لغاية ما وقف جنب أختها فادية، حط إيده على كتفها بحنية وهيبة، وبص لأدهم بابتسامة باردة تقطع الخلف:
— أهلاً يا أدهم يا أبو حديد… ولا أقولك يا أدهم يا صفا؟ الاسم اللي دخلت بيه سوق المقاولات قبل ما أختي تحط إيدها في إيدك وتعمل منك بني آدم.
أدهم رجع خطوة لورا، ركبه خبطت في بعضها:
— انت… انت غال العطار؟!
غال بص لسامية وللمرأة التانية اللي واقفة ورا أدهم ماسكة ابنها وبتترعش، وبعدها بص لأدهم وقال بنبرة واطية بس يرعب أعتى رجال الأعمال:
— البنوك اللي أصلحتلك وضعك المالية… ملكنا. الأراضي اللي أخدتها بأمر مباشر… بضمان عيلتنا. الشركات اللي كانت بتوردلك الخامات بالآجل… كلها تابعة لمجموعتنا. لما فادية قالتلي إنك عايز تبدأ من الصفر وتثبت نفسك، قلنالك ماشي، وشيلناك على كتافنا عشان خاطر عينيها… بس انت نسيت نفسك يا ابن صفا.
أدهم مسك راسه بإيديه وهو مش مصدق، الانهيار كان أسرع من إنه يستوعبه:
— فادية… انتي بتهزري صح؟! كل ده عشان اتجوزت؟! كل ده عشان عيلتي الثانية؟! ده حق ربنا!
فادية قربت منه خطوة واحدة، وبصت في عينيه بقوة وقالت:
— حق ربنا إنك ما تظلمش.. حق ربنا إنك ما تبنيش مجدك على كتافي وتيجي في الآخر ترميني أنا وبنتك في الخفاء وتتكسف من شكلنا أمام حبايبك وضيوفك! انت ما تتكسفش من الجلابية البسيطة يا أدهم… انت تتكسف من نفسك لما تقف قدام المراية وتعرف إنك ولا حاجة من غير اسم العطار.
في اللحظة دي، التليفون في جيب أدهم رن، كان محاميه الخاص. أدهم فتح السبيكر بإيد ترعش، وصوت المحامي جه يصرخ:
— أدهم بيه! الحجز التنفيذي نزل على المصانع والمقرات! والشرطة العسكرية والرقابة المدارية واقفين على بوابات المخازن بيحرزوا كل حاجة! المحاضر المرفوعة ضدك كفيلة تحبسك 20 سنة بتهمة التبديد والنصب! الحقنا يا أدهم بيه!
أدهم بص لغال وفادية وهو بيبكي بقلة حيلة، وجري على فادية ونزل على ركبه قدام الناس كلها والضيوف اللي بيصوروا بالموبايلات:
— سامحيني يا فادية! عشان خاطر بنتنا! أنا اتعميت! سامية هي اللي وزتني! الفلوس والمنظرة هما اللي عملوا فيا كده! بلاش تخربي بيتي ومستقبلي!
فادية بصلته بقرف، وبعدين بصلت لسامية اللي كانت بتعيط ومستخبية ورا العمدان، وقالت بثبات:
— بيتك ما اتخربش يا أدهم… بيتك اتنسف من أصله.
غال مسك إيد أختها وبنتها، وقال وهو بيلف عشان يخرجوا:
— الليلة دي مش ليلتك يا أدهم… الليلة دي بداية الحساب. والمحامين بتوعنا بكرة الصبح هيكونوا في مكتبك عشان يجمعوا حتى البدلة اللي انت لابسها دي… لأنها مدفوعة من فلوس أختي.
خرجت فادية ومعاها أخوها وبنتها مرفوعين الراس وسط ذهول الجميع، وسابوا القاعة في حالة دمار شامل… أدهم قاعد على الأرض بيصرخ وبيضرب كف بكف، والديون والخراب بيحاصروه من كل اتجاه.
ولسه اللعبة في أولها… لأن غال العطار ما كانش ناوِي يكتفي بمجرد إفلاسه!
#الكاتب_رومانى_مكرم_
