حكايات رشا خالد 2
شريف حس بطاقة البرد اللي في النفس ورا ودنه بتخترق جمجمته، جسمه كله اتصلب ومقدرش حتى يلتفت. ريحة اليود والملح بقت خانقة، وصوت قطرات المية اللي بتنقط من هدوم فايزة الميتة على الأرض كان هو الصوت الوحيد اللي مالي المطبخ المظلم.
حاول يصرخ، بس صوته طلع مكتوم كأن حنجرته اتملت بطين النيل. فجأة، حس بإيد باردة زي التلج، ومبلولة ب مية لزجة، بتتحرك ببطء على كتفه وتنزلق لحد رقبته. الضوافر كانت طويلة وخشنة، كأنها متآكلة من الصخر.
بأعجوبة، زق الهوا برجليه واندفع لقدام، وقع على أرضية المطبخ المليانة طين ومية مالحة. الكبريت وقع من إيده، فطلع تليفونه بسرعة من جيبه ونور كشافه وهو بيترعش.
لَف الكشاف في زوايا المطبخ.. مكنش فيه حد.
المطبخ كان فاضي تمامًا، مفيش غير جثة فايزة اللي قاعدة على الكرسي وعينيها الميتة باصة للسقف، والبوق المحشور بالملح. شريف زحف لورا وهو بيلهث، وطلع يجري على الصالة. كشاف التليفون كان بيقطع الضلمة، والمنظر في الصالة خلاه يقف مكانه مذهول.
أثار الخطوات المبلولة اللي كانت جاية من باب الشقة للبلكونة.. اتغيرت.
دلوقتي، بقى فيه خط تانى من الآثار المبلولة، بس المرة دي الخط خارج من البلكونة، ومشى لحد المطبخ، ومن المطبخ لف واختفى جوة أوضة النوم الرئيسية بتاعتهم!
شريف رجله مكنتش شايلاه، الشك اللي قتله امبارح اتقلب لكابوس حقيقي مش قادر يستوعبه. مشي ورا أثر المية بخطوات ميتة، الكشاف في إيد والسكينة الكبيرة اللي خطفها من على رخامة المطبخ في الإيد التانية. وصل عند باب أوضة النوم. الباب كان موارب.. وبينقط مية من الحافة الفوقانية بتاعته.
حط إيده على الباب وزقه بالراحة.
الأوضة كانت غرقانة في ضباب بارد وساقع، كأن الشباك مفتوح على النيل مباشرة في ليلة شتا. السرير كان غرقان مية، والملايات البيضا اتملت بقع طين أسود. وفي نص السرير، كانت قاعدة صرصار أو خيال بني آدم مدور ضهره للشاب، وشعره طويل ومبلول بينقط على المخدة.
— نور؟ — شريف نطق اسمها بصوت مكسور، مليان رعب وندم—. نور.. أنا آسف.. أنا عرفت الحقيقة.. عرفت تحويلات الفلوس بتاعة والدتك.. فايزة هي السبب..
الخيال بدأ يتحرك ببطء. مش حركة بني آدم طبيعي، دي كانت حركة مرنة بزيادة، كأن العضم اللي جوة الجسم مابقاش موجود، أو كأنه اتكسر تفتيت. لَف وشه لشريف..
الوش مكنش وش نور.
كان وش أبيض ممسوح، مفيش فيه عينين ولا حواجب، مجرد جلد مشدود وصافي زي سطح المية الراكدة، وفيه فتحة بوق سودا واسعة، بتتحرك وبتطلع نفس الصوت النسائي اللي يشبه صوت نور، بس بنبرة معدنية مرعبة:
— نور مابقتش هنا يا شريف.. نور نزلت تحت.. بس سابتلك الأمانة.
شريف تراجع لورا وضهره خبط في الدولاب، الكشاف اتثبت على الوش الممسوح اللي بدأ يقف على السرير. فجأة، الكائن ده اتفرد وطوله بقى مش طبيعي، وفرد إيديه اللي كانت واصلة لحد الركب، والضوافر الخشنة بدأت تتكتك على خشب السرير زي صوت خشب البلكونة في البرد.
وفي لمح البصر، الكائن ده اندفع من فوق السرير طيران في اتجاه شريف.
شريف صرخ بأعلى صوته وزق الباب وخرج يجري في الطرقة، قفل باب الأوضة وراه وسند بضهره عليه بكل قوته. حس برزعة عنيفة من الجانب التاني.. زلزال بيهز الخشب، وصوت خربشة ضوافر قوية بتحفر في الباب من جوه عشان تفتحه.
— افتح يا شريف.. افتح الترباس اللي لفيته بإيدك.. الترباس لازم يتفتح! — الصوت كان بيصرخ من ورا الخشب وهو بيضحك ضحكة هستيرية مسموعة في الشقة كلها.
شريف ساب الباب وجرى على باب الشقة الرئيسي، شد المقبض بعنف عشان يفتح ويهرب في الشارع.. بس المقبض مكنش بيتحرك. بص على الكالون، لقى قفل الباب سايح ومقفول بطبقة سميكة من الملح الصخري الناشف، كأن حد صب عليه خرسانة.
الشقة بقت مصيدة مقفولة.
صوت الخربشة اللي على باب الأوضة وقف فجأة. السكون رجع تاني أخطر من الأول. شريف وقف في نص الصالة، ظهره لباب الشقة المقفول، وعينيه بتلف في الضلمة. سمع صوت مية بتتحرك تحت رجليه.. بص لقى الطين الأسود بدأ يخرج من تحت عقب الأبواب كلها، وبيفرش في الصالة، والمية بتعلى لحد ما غطت صوابع رجليه الحافية.
ومن برة، من ورا الستارة البلاستيك بتاعة البلكونة.. لمح خيال نور الحقيقي واقف ورا الإزاز، بتخبط على الباب بهدوء وبأصابع منتظمة، زي ما كانت بتعمل وهي صاحية.
تليفونه في إيده اتهز فجأة.. شاشة التليفون نورت برقم غريب، رقم مش مسجل، بس لما بص على الرسالة اللي جت، لقى الإشعار من تطبيق البنك:
*”تم تحويل مبلغ 8,000 جنيه من حسابك الآن.”*
وقبل ما يستوعب، جت رسالة تانية وراها على طول من رقم والدة نور:
*”شريف.. نور فين؟ جالنا تحويل بحساب العملية حالا.. بس نور تليفونها مقفول، وفي راجل صياد كلمنا من عند كورنيش العجوزة بيقول إنه لقى بطاقتها الشخصية عايمة على وش المية.. بنتي فين يا شريف؟”*
شريف رفع عينه ببطء عن الشاشة، وبص لباب البلكونة الإزاز.. الخيال اللي واقف ورا الإزاز مبقاش يخبط.. وبدأ يلف الترباس الخارجي بإيده المبلولة..
صوت تكة الترباس الإزاز وهو بيلف من برة كان أعلى من صوت دقات قلبه.
شريف اتسمر في مكانه، المية المالح اللي مغطية صوابع رجليه بدأت تسخن فجأة، كأنها مية بتغلي، بس البخار اللي طالع منها كان ريحته زفارة وطمي ميت. باب البلكونة الإزاز بدأ يتفتح ببطء.. الخيط الأسود اللي بيفصل بين ضلمة الشارع وضلمة الصالة بدأ يوسع، والخيال اللي واقف برة خطى أول خطوة لجوّة الشقة.
مكنتش نور.. ومكنش الكائن الممسوح الوش.
اللي دخل الشقة كان جسم غريب، متغطى بشبكة صياد قديمة ودايبة، ومليان حامول بحر وخيوط سودا لافة حوالين رقبتها. وشها كان وش نور، نفس الملامح الرقيقة اللي حبها، بس عينياها كانت عبارة عن تجويفين فاضيين، بيسيل منهم مية سودة بتنقط على الأرض.
— أنت قفلت الباب يا شريف.. — الصوت طلع من حنجرتها كأنه صدى جاي من قاع النيل، صوت مبلول ومبحوح—. وال نيل لما بياخد حد، م بيرجعوش زي ما كان.
شريف لقى نفسه بيرجع لورا لحد ما لزق في الحيطة اللي جنب باب الشقة المقفول بالملح. السكينة الكبيرة كانت بتترعش في إيده، رفعها قدامه وهو بيصرخ بصوت عياط:
— أنتِ مين؟! أنتِ مش نور! نور ماتت؟ أنا قتلتها؟
الخيال قرب منه بخطوات بطيئة، ومع كل خطوة، كان السجاد تحت رجليها بيتحل لرماد أسود. ضحكت ضحكة خفيفة، ضحكة سخرية كسرت قلبه:
— أنت مقتلتهاش بالبرد.. أنت قتلتها لما صدقت فيها كلمتين. البرد يا شريف يا دوب جمد دمها، إنما الشك هو اللي جمد قلبك. نور سلمت نفسها للمية وهي بتعيط.. والمية ملهاش عزيز، بس بتسمع للغلابة.
فجأة، تليفون شريف اللي في إيده بدأ يتهز تاني، الشاشة كانت بتنور وتطفي بهستيريا. جاله إشعار ورا إشعار:
*”تم سحب 2500 جنيه”*
*”تم سحب 3000 جنيه”*
الحساب بتاعه كان بيتصفّر في ثواني، والفلوس بتتحول لحسابات مجهولة. وفوق الإشعارات، ظهرت صورة على شاشة التليفون.. مكالمة فيديو شغالة لوحدها من تليفون نور المقفول!
شريف بص للشاشة وركبه سابت. الكاميرا كانت بتصور تحت المية، ضلمة كحل وفيها كشافات ضوء ضعيفة بتتحرك، وصوت غطاسين أو صيادين بيتكلموا من فوق المركب: *”شد يا ريس.. العباية البيضا شبكت في الهلب.. شد الله يعينك”*.
نور اللي واقفة قدامه في الصالة مدت إيدها المبلولة، صوابعها الساقعة لمست طرف السكينة اللي في إيد شريف. وبمنتهى السهولة، السكينة الحديد بدأت تتني وتسيح بين صوابعها كأنها حتة شمع في فرن قايد.
— فايزة أختك أخدت جزاءها.. لفت لسانها بالملح اللي بخته في ودنك — قالتها وهي بتقرب وشها الفاضي من عينه لحد ما شم ريحة الموت—. ودلوقتي جه دورك.. بس المية مابتخدش اللي قلوبهم سودا.. المية بتسيبهم يعيشوا في الغرق وهم صاحيين.
في اللحظة دي، سمع صوت خبط عنيف برة باب الشقة. صوت الجيران وبواب العمارة بيصرخوا:
— يا أستاذ شريف! افتح يا أستاذ شريف! المية نازلة من تحت عقب باب شقتك ومغرقة السلم كله.. والناس في الدور اللي تحتك السقف بيقع عليهم! افتح يا بيه!
شريف حاول يصرخ عشان ينجدوه، يصرخ ويقولهم يكسروا الباب، بس اليد المبلولة اتنقلت بسرعة من السكينة وحطت صوابعها على بوقه. المية اللزجة بدأت تدخل جوة حنجرته، مية مالحة بطعم الطمي، خنقته ومنعته من النفس.
نور لفت ضهرها وبدأت تمشي في اتجاه البلكونة تاني، والشبكة القديمة بتتسحب وراها على الأرض الطين.
— الشقة دي مبقتش شقتك يا شريف.. دي بقت قاع. وكل ما هتحاول تطلع.. الملح هيقفل في وشك الأبواب.
الخيال طلع البلكونة، وتحت ضوء عمود الإنارة اللي في الشارع، اختفى تماماً كأنه اتبخر في الضباب.
في نفس اللحظة، صوت خبط الجيران اتغير.. وبقى صوت تكسير عنيف في الباب الخشب. شريف وقع على الأرض وهو بيكح، بيحاول يطرد المية المالحة من صدره، وعينيه مثبتة على باب الأوضة المقفول اللي جواه جثة فايزة، وباب الشقة اللي بيتكسر.. وهو مش عارف، لما الجيران يدخلوا ويشوفوا المنظر ده، ويشوفوا أثر كفه المبلول اللي بدأ يظهر على رقبة فايزة.. هيقولوا إيه للبوليس؟