حكايات بسمه 2

مسكت الموبايل، وبصيت على الشاشة اللي بتنور باسم «شيماء اخت أحمد». بصيت لأحمد اللي كان قاعد في الصالة بيمسح نظارته، وشاف التليفون في إيدي. هز رأسه بنظرة فيها استفسار وقلق، وكأنه ببيسألني: «تفتكري ناوية على إيه بعد كل اللي حصل؟»

رديت وفتحت الميكروفون المباشر عشان أحمد يسمع معايا، وقلت بمنتهى الهدوء:

— أهلاً يا شيماء.. خير؟

صوت شيماء المرة دي مكانش فيه الهجوم الحاد بتاع المستشفى، بس كان فيه نبرة تعالي ومكر مش غريبة عليا.

قالت:

— إزيك يا ندى.. طبعاً أنتِ عارفة إن أمي خرجت من المستشفى ورجعت البيت من كم يوم، والدكتور شدد إنها محتاجة راحة تامة وما تتعبش نفسها خالص ولا تقف في مطبخ.

قلت بعقلانية:

— ألف سلامة عليها، وأحمد اطمن عليها وشاف طلباتها، وربنا يديلها الصحة.

شيماء كملت بسرعة كأنها بتنفذ خطة مجهزة:

— المهم بقى.. العيلة كلها جاية النهارده الجمعة عشان يطمنوا عليها بعد الوعكة الصحية. خالتي وأولادها، وعمتي، وأنا وعيالي. وطبعاً أمي مش هتقدر تطبخ، وأنا بصراحة مش فاضية ومطبخي مش مجهز لكل الأعداد دي.. وأنا اتصلت أقولك إننا مستنيين الأكل يوصل قبل أذان الظهر عشان الناس ما تتأخرش.

بصيت لأحمد، ولقيت وش أحمر من الصدمة والذهول. الستات دول مكسبوش أي درس من اللي حصل، بل بالعكس، بيلعبوا بورقة «مرض الأم» عشان يكسروا كلامنا ويرجعوا الوضع القديم بأمر واقع!

أحمد مسك التليفون من إيدي بغضب، وقال بصوت هز البيت:

— أنتِ بتهزري يا شيماء؟! أنتِ بجد بتتكلمي ولا بتتنسي الليلة اللي فاتت في المستشفى؟!

شيماء اتفاجئت إن أحمد هو اللي بيرد، بس حاولت تتدارك الموقف وتقول بدهاء:

— في إيه يا أحمد؟ أنا بكلم مراتك بالذوق! أمك تعبانة والعيلة جاية تزورها، يعني المفروض نضايف الناس! ولا أنت عايز أمك التعبانة هي اللي تقف تطبخ للعزومة وهي طالعة من المحاليل؟ ولا تسيب أقاربك يمشوا من غير غدا ويقولوا ابنها أطعمهمش؟

أحمد رد بمنتهى الحسم والصرامة:

— أمي تعبانة يبقى العيلة لما تيجي تزورها، كل واحد يجيب أكل معاه أو ييجوا يطمنوا ساعة ويمشوا! أمي مش فاتحة مائدة رحمان، وندى مش الطباخة الخاصة بتاعة العيلة! أنتِ جاية تعزمي الناس على حساب مراتي ومجهودها وفلوس بيتي تاني؟

شيماء صرخت في التليفون:

— بقيت تبيع أختك وأمك عشانها يا أحمد؟ والله لأعرف العيلة كلها أنت ومراتك بتعاملوا أمك إزاي وهيا مريضة!

أحمد قفل السكة في وشها من غير ما يتردد لحظة واحدة.

قعد أحمد وهو متوتر جداً. المكان كان محتقن. أنا كنت حاسة بوجع عشان أحمد، لأن الوضع مكانش سهل عليه أيداً بين حبه لأمه وبين كرامة بيته واستقرار أسرته.

قلتله:

— أحمد.. أنا مش هسيب أمك في موقف محرج قدام أهلها، حتى لو هما يستاهلوا. أنا عندي فكرة تخلينا نرد الغيبة، ونثبت للكل مين اللي بيبني ومين اللي بيهد، وفي نفس الوقت نحمي بيتنا.

بصلي باهتمام وقال:

— فكرة إيه يا ندى؟ أنا مش هسمحلك تقفي تطبخي لهم عود لحمة واحد بعد النهاردة!

ابتسمت وقلت:

— مش هطبخ حبة رز واحدة.. تعال معايا.

نزلنا فوراً وسوقنا العربية لبيت حماتي. أحمد كان معاه مفتاح الشقة. وصلنا على الساعة 12:30 الظهر، يعني قبل ما المعازيم يوصلوا بنصف ساعة.

أول ما فتحنا الباب، لقينا حماتي قاعدة في الصالة حاطة المخاد ورا ظهرها، وشيماء واقفة جنبها بترتب الشقة وبترغي معاها.

أول ما شافونا دخلنا، شيماء اتخضت ووقفت مكانها، وحماتي رفعت حواجبها باستنكار وقالت:

— خير يا أحمد؟ جايين تعملوا إيه؟ أختك قالتلي إنك قفلت السكة في وشها ورفضت تساعدوا في غدا الناس اللي جاية تطمن عليا!

أحمد قرب، باس رأس أمه بمنتهى الأدب، وقال:

— صباح الخير يا ماما. حمدا لله على سلامتك الأول.. ندى وأنا جينا عشان نطمن عليكي بنفسنا ونرحب بالقرايب اللي جايين.

شيماء بصلتنا بتهكم وقالت:

— مرحب بيهم بإيدك فاضية؟ وين الغدا اللي العيلة مستنياه؟ أنت عارف إن خالتك وعمتك جايين على أساس الغدا هنا!

في اللحظة دي، طلعت من شنطتي إيصال مطعم كبير مشهور جداً في المنطقة كشكول كبير ودفتر.

أحمد بص لشيماء ولأمه وقال بصوت هادي وجاد:

— أنا طلبت أكل جاهز فخم جداً يكفي العيلة كلها من أكبر مطعم.. أكل ينور وشنا قدام الناس كلها: مشويات، كفتة، كباب، رز بالخلطة، وسلاطات، وحتى الحلو. الأكل على وصول خلال ربع ساعة، والدليفري هيقف على الباب.

حماتي أتعفلت وابتسمت بنصر، وبصت لشيماء وكأنها بتقولها: «شفتي؟ أحمد ما يقدرش يستغنى عننا والضغط جاب نتيجة!».

شيماء قالت بغرور:

— أيوه كده! هو ده الأصول يا أحمد، مش كلام مراتك بتاع المرة اللي فاتت!

أحمد ابتسم ابتسامة باردة جداً، وطلع الحسبة اللي حسَبها مع الدليفري، وقال بصوت واضح:

— الأكل مكلف بالضبط 6000 جنيه.

شيماء ضحكت وقالت:

— كتر خيرك يا أخويا، ما يغلاش على أمك وعيلتك.

أحمد بص لشيماء بصلة حديدية وقام وقف وقال:

— للأسف يا شيماء، المبلغ ده مش من جيب ندى ولا من مصروف بيتي. المبلغ ده هيتقسم بالتساوي بينك أنتِ، وبين خالتك، وبين عمتك، وبين كل بيت جاي يتغدى النهاردة! أنا دفعت العربون، والباقي هيتدفع كاش للدليفري أول ما يوصل الباب!

الهدوء ساد القاعة كأن ملك الموت دخل!

وش حماتي أصفرّ، وشيماء أترسمت على وشها علامات الصدمة المطلقة.

شيماء صرخت:

— أنت بتقول إيه يا أحمد؟! أنت عايزنا ندفع حق عزومة في بيت أمنا؟!

أحمد رد بقوة وثبات عمرهم ما شافوه فيه قبل كده:

— أمي تعبانة وما تقدرش تطبخ، وندى مش خدامة عند حد عشان تطبخ لعيلة كاملة وتدفع من مصروف ولادي، وأنتِ يا شيماء اللي عزمتي الناس من غير ما تسألي ولا تجهزي حاجة! طالما عزمتي، يبقى أنتِ والضيوف تتكفلوا بمصاريف أكلكوا! ندى وأنا جايبين معانا أكلنا الخاص لينا ولأم فقط احتراماً لمرضها، لكن باقي العيلة اللي جاية تتغدى على الجاهز، تدفع حق أكلها!

حماتي ضربت على صدرها وقالت:

— يا فضيحتي قدام إخواتي! يا فضيحتي قدام العيلة! عايز قرايبك يدفعوا حق أكلهم في بيتي يا أحمد؟!

رديت أنا المرة دي بمنتهى الهدوء والثقة:

— يا ماما، الفضيحة مش إن الناس تدفع حق أكلها.. الفضيحة إن العيلة تكون فاكرة إن بيتي ومصروفي ومجهودي صحتي مستباحين أربع سنين كأني مطعم ببلاش! الفضيحة إن أخت جوزي تتصل تملي عليا أوامر وتطلب أكل بآلاف الجنيهات وهي ما دفعتش جنيه واحد ولا وقفت ساعة في مطبخ! لو العيلة جاية تزورك حباً فيكي، مش هيفق مع أكل جاهز مدفوع أو لقمة خفيفة.. إنما لو جايين عشان عزومة ببلاش على حساب صحتي وبيتي، يبقى لازم يعرفوا إن زمان كان في ندى بتسكت، والنهاردة خلاص!

جرس الباب رن.. وكان ده صوت الدليفري.

شيماء كانت واقفة متسمرة، وحماتي مش عارفة تقول إيه. أحمد فتح الباب، وجاب الصواني والأكل والريحة كانت مالية المكان.

أحمد بص لشيماء وقال:

— الدليفري واقف على الباب ومستني الحساب، الحساب 6000 جنيه.. اتفضلي يا شيماء ادفعي، أو لمي من خالتك وعمتك أول ما يوصلوا، لأن أنا مش هيدفع جنيه واحد من جيب ولادي!

شيماء بصت لأحمد بغل وقالت:

— أنا معاييش المبلغ ده كله! أنت ب any حق تورطني في مبلغ زي ده؟!

أحمد قال:

— أنتِ اللي تورطتي نفسك لما عزمتي الناس على حساب مراتي وصحتها! اتصرفي، يا إما نرجع الأكل ونخليهم يروحوا بيوتهم جعانين!

في الوقت ده بالظبط، الباب الخارجي كان مفتوح، ودخلت خالتهم وعمتهم وأولادهم وهم بيضحكوا وبيرغوا.

أول ما دخلوا الشقة وشافوا الصواني والدليفري واقف وأحمد وشيماء شادين مع بعض، سكتوا باستغراب.

خالتهم قالت:

— خير يا جماعة؟ في إيه؟ والأكل ده كله بتاع إيه؟

أحمد اتنفس بعمق، وبص للعيلة كلها وقال بمنتهى الصراحة والوضوح أمام الجميع:

— أهلاً بيكم يا جماعة، أنتم منورين بيت أمي وطبعاً جايين تطمنوا عليها بعد ما خرجت من المستشفى. بس لازم أوضح حاجة عشان ميكونش في أي لبس أو زعل.. شيماء اختي عزمتكم النهاردة وطلبت أكل جاهز بـ 6000 جنيه، وزي ما أنتم عارفين أمي تعبانة وما تقدرش تطبخ، ومراتي ندى خلاص أدت واجبها وزيادة الأربع سنين اللي فاتوا ومش مطالبة تتكفل بمصاريف ولا مجهود عزومات العيلة تاني. فالأكل ده شيماء طلبتوا لكم، والدليفري واقف مستني الحساب.. اتفضلوا اجمعوا من بعض وادفعوا للدليفري عشان نتغدى كلنا سوا!

الكل اتصدم! خالتهم بصت لشيماء بغضب وقالت:

— أنتِ مش قولتي لنا يا شيماء إن ندى عاملا عزومة كبيرة بمناسبة خروج أمك من المستشفى ومستنيانا هناك؟!

شيماء وشها بقى جمر، وما عرفتش تنطق ولا كلمة!

عمتهم قالت بعصبية:

— إحنا جايين نزور مريضة، مش جايين ندفع مطاعم! لو نعرف إن الموضوع فيه جمع فلوس وحسابات مكانش حد فينا جه ولا قعد!

رديت أنا بابتسامة راقية:

— حقك يا عمتي.. الزيارة للمريض واجب وحب، والأصول إن اللي يزور مريض يريحه ويخفف عنه، مش ييجي يستنى عزومة مكلفة وطبخ ومجهود على أهل البيت! أنا وأحمد عملنا أكل خفيف لماما وعاملين حسابها هي بس، لكن الأكل الجاهز ده شيماء هي اللي طلبته على أساس إن بيتي هو اللي هيدفع، وأنا خلاص قفلت باب الاستغلال ده للأبد.

خالتهم بصت لحماتي وقالت:

— بقى كده يا أختي؟ سايبة بنتك تعمل فينا الموقف ده قدام الغريب والقريب؟! إحنا ماشيين، وما تلزمناش القعدة دي!

خالتهم وعمتهم أخدوا أولادهم وخرجوا من الشقة وهما بيتحسبنوا على شيماء اللي حطتهم في الموقف المحرج ده، بعد ما اكتشفوا إنها كانت بتستغلهم عشان تضغط عليا وعلى أحمد!

المكان فضي.. ما بفضلش غير حماتي، وشيماء، وأنا، وأحمد.. والدليفري اللي كان واقف مش فاهم حاجة.

أحمد طلع من جيبه المبلغ الخاص بوجبته هو وأنا وأمه فقط، وقال للدليفري:

— خذ الأكل ده ورجعه للمطعم، أو شوف مين هيشتريه، إحنا مش هناخده.

شيماء قعدت على الكرسي وهي بتبكي من كتر الصدمة والإحراج اللي أكلته قدام العيلة كلها، وحماتي بصت لأحمد بكسرة عين لأول مرة في حياتها.

أحمد قرب من أمه وقال لها بصوت هادي بس صارم:

— يا ماما.. أنتِ أمي، وخدمتك في رقبتي وفي عيني، وجزمتك على رأسي.. بس مراتي ندى مش خدامة، ومش مصدر تمويل لعزومات العيلة. اللي عايز يزورك أهلاً بيه في أي وقت على كوباية شاي أو أكل خفيف، لكن شغل العزومات بفلوس وصحة مراتي انتهى بلا رجعة. ولو شيماء عايزة تعمل عزومات، تعملها في بيتها ومن جيب جوزها!

أحمد مسك إيدي، وبصلي بنظرة كلها تقدير واعتذار عن كل السنين اللي فاتت.

وقبل ما نخرج من الشقة، التفت لحماتي وقال:

— ندى جهزتلك أكل صحي وخفيف للأسبوع كله في الثلاجة عشان ما تتعبيش.. ومصروفك الشخصي هيوصلك مني كل شهر زي ما هو.. بس الجمعة اللي كانت بتتباع فيها مراتي، خلاص اتلغت من التقويم بتاعنا!

خرجنا من البيت، وأنا حاسة إن الهوا اللي بتنفسه بقى أنقى وأخف. لأول مرة من أربع سنين، حسيت إن كرامتي اتردت لي، وإن جوزي بقى الظهر والسند الحقيقي اللي بيحمي بيته وأولاده من أي استغلال.

ركبنا العربية، وأحمد مسك إيدي وقال:

— آسف يا ندى على كل جمعة ضاعت منك.. وعلى كل قرش ومجهود اتظلمتي فيه وأنا كنت ساكت أو مش فاهم.

ابتسمت وقلت له:

— المهم إنك فهمت يا أحمد.. والمهم إن بيتنا بقى له باب مقفول بحق وعدل.

ومن اليوم ده.. اتغيرت حياتنا تماماً. حماتي عرفت حجمها ومكانتها، وشيماء اتعلمت الدرس اللي عمرها ما هتنساه قدام العيلة كلها، وأنا وأحمد وعيالنا بقينا نقضي يوم الجمعة في بيتنا.. بناكل أكلنا بسبات ونبات، ومن غير ما أي حلة تخرج من بيتنا لبيت حد تاني!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *