عشان اثبت برائتك لازم 2
الجزء الثالث:
ساد الصمت أرجاء الجناح لعدة دقائق بدت وكأنها دهر كامل. كان مهران يواجه حورية بعينين تشتعلان بذهول ممزوج بتقدير خفي لصلابتها، بينما كانت هي تقف شامخة، عاقدة العزم على مواجهة هذا الاختبار المهين لتغسل عن نفسها عارًا لم تقترفه.
اقترب مهران خطوة إضافية، وبحركة سريعة وحاسمة، حسم الأمر لتبدأ الدقائق الأكثر ثقلاً في حياة حورية. لم يكن هناك مجال للتراجع، فالتقاليد الصعيدية الصارمة كانت تفرض سطوتها على الجميع خلف هذا الباب المغلق. استجمعت حورية كل ما تملك من قوة وثبات، مغمضة عينيها وهي تدعو الله أن ينصرها في هذه المحنة ويظهر حقها أمام قسوة قلوبهم.
بعد فترة قصيرة، تراجعت خطوات مهران للخلف. كانت ملامحه الحادة قد تبدلت تمامًا؛ اختفت السخرية والشك، وحل محلهما وجوم شديد وصدمة ألجمت لسانه. نظر إلى المنديل الأبيض الذي بات يحمل دليل براءتها القاطع، ثم نقل نظراته إلى حورية التي كانت تجفف دموعًا حارقة نزلت رغماً عنها، لكن رأسها ظل مرفوعاً بعزة وكبرياء.
التفتت إليه حورية، ونظرت إلى ملامحه المصدومة بسخرية مريرة وقالت بنبرة حادة كالسيف: “إيه يا كبير البلد؟ سكتّ ليه عاد؟ الكلام هرب منك فين؟ مش هو ده الشرف اللي كنتوا شاكين فيه؟ مش هي دي البراءة اللي جيت تثبتها؟”
لم ينطق مهران بكلمة، كان يتنفس بسرعة وكأن صخرة هبطت على صدره. أدرك في هذه اللحظة حجم الجرم الذي ارتكبه هو وعائلته في حق هذه الفتاة، وعرف أن شقيقه الهارب لم يكن سوى نذلٍ جبان افتري عليها كذباً ليهرب من مسؤولية الزواج.
تابعت حورية وهي تتقدم نحوه وعيناها تلمعان ببريق الانتقام: “أهو المنديل في يدك أهو.. اخرج بيه للرجالة اللي مستنية تحت.. ارفع راس أبويا اللي رماها في الأرض، وورّي أهل البلد كلهم إن حورية أشرف من عيلة المحامدة كلها.. بس افتكر عهدك يا مهران.. ورقتي تطلّقني حالا.”
استعاد مهران بعضاً من ثباته الصعيدي، وجز على أسنانة بغضب مكتوم، ثم قال بصوت أجش: “أنا مهطلقش يا حورية.. مش مهران اللي يطلق مراته ليلة دخلتها والبلد تتحدث علينا وتقول طلقها ليراري فيها عيب!”
ضحكت حورية بوجع وقهر: “خايف على كلام الناس؟ ومش خايف من ربنا اللي ظلمتوني قدامه؟ أنت وعدتني يا ابن عمي، وكلمة الكبير عقد.. أنا مأقعدش في بيت ظلمني ناسه، والحرّة متقبلش تعيش مع اللي شك في شرفها.”
تجاهل مهران كلامها وعيناه تنظران إلى الأرض بخزي لم يعهده من قبل. تحرك نحو الباب بخطوات ثقيلة، ممسكاً بدليل براءتها، وقبل أن يفتح الباب التفت إليها وقال بصرامة محاولاً إخفاء انكساره: “حقك عليا يا بنت عمي.. ورقبتي ورقبة أخوي سدّاد للظلم ده.. بس الطلاق مهيحصلش، وأنا هخرج أرد اعتبارك قدام الكل دلوقتي.”
فتح مهران الباب وخرج إلى الرواق، لتجده والدته وزوجة عمه (أم حورية) في الانتظار بلهفة. ألقى المنديل في أيديهما دون أن ينظر إليهما، وقال بصوت هز جدران البيت: “زغردي يا أمي.. وزغردي يا مرت عمي.. وقلي للرجالة تحت يضربوا النار.. حورية بريئة برائة الذئب من دم ابن يعقوب، وأخوي الجبان حساااابه معايا أنا!”
انطلقت الزغاريد في المنزل وتصاعدت أصوات الأعيرة النارية في الخارج تعلن براءة حورية، بينما كانت هي داخل الغرفة، تغلق أذنيها بيديها وتبكي بحرقة، وهي تعلم أن معركتها الحقيقية مع مهران وعائلته قد بدأت للتو، وأنها لن تستسلم حتى تحصل على حريتها وتجعلهم يندمون جميعاً.
الجزء الرابع (قبل الأخير):
امتلأت ساحة البيت بصوت الرصاص والزغاريد التي هزت أرجاء القرية، يعلن فيها “كبير البلد” لجميع الحاضرين أن شرف ابنة عمه فوق كل شبهة. ساد الارتياح وجه والدها الذي كاد الهم يقتله، وتبدلت ملامح زوجة عمها الشامتة إلى وجوم وصدمة بعد أن ظهرت الحقيقة قاطعة كحد السيف.
أما داخل الجناح، فكانت حورية تجلس على الأرض، ضامة ركبتيها إلى صدرها، لا تلتفت لأصوات الاحتفال بالخارج، بل تركز كل تفكيرها في كيفية الخلاص من هذا السجن الذي فُرض عليها. جفت دموعها وحل محلها برود مخيف، وعزم لا يلين.
بعد ساعة، انصرف الناس وهدأت الأصوات تماماً. انفتح باب الجناح ودخل مهران بخطوات بطيئة، ملامحه الحادة كانت تحمل مزيجاً غريباً من الندم والهيبة المكسورة. نظر إليها وهي جالسة على الأرض بتلك الطريقة، فاقترب منها بهدوء وقال بصوت منخفض، خالٍ من نبرته الصارمة المعتادة: “قومي يا حورية.. قومي اقعدي على السرير، الأرض واخدة طراوة وهتتعبك.”
لم تحرك ساكناً، ولم تنظر إليه حتى، بل قالت بصوت جامد كالحجر: “فين ورقتي يا مهران؟”
تنهد مهران بعمق، وجلس على مقعد قريب منها، وقال وهو يشبك أصابعه: “قلتلك الطلاق في ليلتنا دي واصل مهيحصلش. عاد أنتِ بتفهمي في الأصول.. لو طلقتك الصبح، الناس هتقول إيه؟ هيقولوا مهران دارى عليها ليلتها وطلقها الصبح عشان يستر عليها، وكده نبقى ما عملناش حاجة وعاد القيل والقال من تاني.”
التفتت إليه حورية أخيراً، وكانت نظراتها حادة كأنها تخترق صدره: “أنت مب تفكرش غير في كلام الناس؟ وفي شكل العيلة؟ وأنا؟ مين فكر فيا لما كنت بموت من الخوف؟ مين فكر فيا وأخوك رامي عليا التهمة وهربان؟”
وقف مهران واقترب منها، ثم انحنى قليلاً وقال بجدية: “أنا فكرت فيكي.. لو ما كنتش واقف ودمي حامي عليكي، ما كنتش اتجوزتك الليلة ووقفت في وش الكل. أنا صنتك يا حورية.. وأخوي الجبان ده، رجالتنا قالبين الصعيد عليه، وأقسم بيمين الله، أول ما يقع في يدي، لولا الحرام لأخليه يتمنى الموت وميطولهوش على اللي عمله فيكي وفيا.”
وقفت حورية ونفضت غبار الأرض عن ثوبها، ووقفت بندّية أمامه قائلة: “أنت مأخذتنيش حمية عليا يا مهران.. أنت أخذتني عشان كبريائك وعشان اسمك الصارم ميتعلمش عليه في البلد بإن أخوك هرب.. أنت كملت الجوازة دي غصب عني، ودلوقتي أنا بطالب بحريتي.”
رد مهران وعيناه تلمعان باصرار صعيدي عنيد: “الحرية ليها وقت وأصول.. أنتِ مراتي قدام ربنا وقدام الناس، والجناح ده مكانك.. حقك عليا أنا سداده، وهتشوفي مني معاملة تليق بيكي وبأصلك، بس كلمة الطلاق دي تنسيها خالص، على الأقل لحد ما الأمور تهدى والناس تنسى السيرة دي واصل.”
نظرت إليه حورية بنظرة غموض أرعبت قلبه لأول مرة، وقالت بهدوء مخيف: “ماشي يا مهران.. أنت اللي اخترت تقفل الباب ده علينا.. بس افتكر، أنا مش هكون الزوجة اللي أنت مستنيها، والبيت ده هيدوق من ناري لحد ما تطلقني بنفسك وراضِ كمان.”
استدارت حورية وتحركت نحو الجهة الأخرى من الجناح، متجاهلة وجوده تماماً، بينما وقف مهران يراقبها بصمت، يشعر بثقل الأيام القادمة، ويعلم أن براءة حورية لم تكن نهاية القصة، بل كانت شرارة الحرب التي ستغير كل شيء في بيت كبير البلد.
الجزء الخامس والأخير:
مرت ثلاثة أشهر على تلك الليلة المشهودة، وتحول جناح مهران إلى ساحة حرب صامتة باردة. نُفذ وعيد حورية حرفياً؛ لم تكن له زوجة، بل كانت طيفاً غاضباً يعيش معه في نفس المكان، لا تحدثه إلا في أضيق الحدود، وإذا التقت عيناهما، رمته بنظرات كفيلة بحرق كبريائه الصعيدي. كان مهران، الرجل الذي يهابه كبار عائلات الصعيد، يقف عاجزاً أمام صمودها وزهدها فيه، وزاد الطين بلة أن رجاله لم يعثروا لشقيقه الهارب على أثر، وكأنه انشق وتبخر في جوف الأرض.
في صباح أحد الأيام، استيقظ البيت على جلبة شديدة وصوت صراخ قادم من الساحة السفلية. ارتدي مهران جلبابه على عجل وخرج، لتتبعه حورية بخطوات بطيئة حذرة. عندما أشرفت على الشرفة المطلة على الساحة، تجمدت الدماء في عروقها؛ كان رجال مهران يحيطون بشاب مكبل اليدين، يجرونه على الأرض بمهانة… لقد كان “عامر”، الشقيق الهارب والنذل الذي تسبب في كل هذا الدمار.
كان عامر يرتجف خوفاً، وجهه شاحب وملابسه ممزقة بعد رحلة هروب فاشلة انتهت بقبضة رجال شقيقه الأكبر. وقف مهران في منتصف الساحة كالجبل الصامد، وعيناه تطلقان شرارات من الغضب الأعمى. التفتت عائلة المحامدة كلها حولهما، وخرج والد حورية يتوكأ على عصاه وعيناه تملأهما دموع القهر القيمة.
أشار مهران لرجاله بصوت يشبه الرعد: “سيبوه!”
سقط عامر على ركبتيه تحت قدمي شقيقه، يبكي ويتوسل: “سامحني يا خوي.. الشيطان غواني.. خفت من المسؤولية وخفت من الجواز، وملقتش سكة أهرب بيها واصل غير إني أقول الإشاعة دي عشان محدش يلومني أنا.. سامحني يا كبيرنا!”
في تلك اللحظة، نزلت حورية من على الدرج بخطوات ثابتة وثقة تهز الأرض، ووقفت إلى جوار مهران. نظر إليها عامر برعب، بينما التفتت حورية إلى عمها وأمها ومرات عمها الشامتة التي انكمشت في مكانها خجلاً، وقالت بصوت مسموع للجميع: “أهو الجبان أهو.. اللي رخصتوا بيا وعقدتوا كتابي غصب عشان خايفين من كلام الناس بسببه.. أهو ركع تحت رجليكم ورجلي ورماكم كلكم في بحر الخزي.”
التفت مهران إلى حورية، ثم نظر إلى شقيقه الراكع، وجرد عصاه الصعيدية الثقيلة، وانهال بها على عامر ضرباً أدبه به أمام الغفير والوزير، حتى تعالت صرخات عامر مستغيثاً، ولم يجرؤ أحد من العائلة أن يتقدم خطوة واحدة ليمنع كبير البلد من تأديب الخائن.
بعد أن أنفث مهران جزءاً من غيظه، ألقى بالعصا جانباً، والتفت إلى رجاله وقال بنبرة حاسمة لا رجعة فيها: “عامر ملوش قعاد في البلد دي واصل.. يتاخد على أول قطر للمينا، ويسافر برة مصر كلها، ورجله لو عتبت الصعيد تاني.. دمـه هيبقى حلال لأي حد من العيلة.. المحامدة ميتشرفوش بـ واحد نذل وخاين للأمانة زيه.”
جرّ الرجال عامر إلى الخارج وسط بكاء أمه وذل عائلته. التفت مهران نحو حورية أمام الجميع، وبصوت يحمل كل معاني الاعتذار والندم والشهامة، قال: “حقك رجعلك يا بنت عمي.. وقدام العيلة كلها، مهران بيعتذرلك على كل دمعة نزلت من عينيكي بسببنا، وعامر غار في داهية ومش هتشوفي وشه تاني واصل.”
نظرت إليه حورية الطويلة، وشعرت لأول مرة منذ أشهر بـ غصة الظلم وهي تزول عن صدرها، لكنها تذكرت كبرياءها. نظرت في عينيه وقالت: “وعهدك يا ابن عمي؟”
أغمض مهران عينيه بألم شديد؛ فقد أحب صمودها وعشق كبرياءها خلال الأشهر الماضية، وكان يتمنى لو تعطيه فرصة واحدة ليعوضها، لكنه يعلم أن “كبير البلد” لا يتراجع عن كلمته، وأن الحرّة لا تعيش في بيت أُهينت فيه.
فتح عينيه ونظر إليها بتقدير واحترام شديدين، وقال بصوت أجش سمعه والدها والجميع: “أنا عند عهدي يا حورية.. ومهران كلمته عقد ومبتنزلش الأرض.. أنتِ طالق يا بنت عمي.. طالق تروحي مطرح ما تحبي، وراسك مرفوعة في السما، والكل هنا خدامين تراب رجليكي.”
تنفس والد حورية الصعداء، واقترب منها وضمها إلى صدره يبكي ويطلب منها السماح. أما حورية، فنظرت إلى مهران نظرة أخيرة.. لم تكن نظرة كره، بل كانت نظرة احترام لرجل صعيدي صان العهد ورد اعتبارها بالكامل أمام الجميع.
ابتسمت حورية ابتسامة نصر خفيفة، والتفتت تسير إلى جوار والدها لتغادر ذلك البيت الكبيرة، تاركة وراءها مهران واقفاً في منتصف الساحة، يراقب طيفها وهو يغادر، يعلم أنه خسر الزوجة الوحيدة التي كان يمكن أن تملأ قلبه، لكنه كسب احترام نفسه وأثبت للجميع أن الحق والعدل فوق العادات وفوق العشيرة.