حكايات زهره 2
انكتم نفسي وأنا شايفة التلات رجالة بيدخلوا الصالون بخطوات سريعة ومنتظمة، كأنهم حافظين زوايا الشقة أو معاهم خريطة ليها. اتوزعوا في ثواني؛ واحد وقف يأمن باب الشقة، والاتنين التانيين اتجهوا مباشرة ناحية السلم الداخلي اللي بيطلع للدور التاني… الدور اللي أنا واقفة فيه!
رجعت لورا بسرعة والادرينالين ضرب في جسمي كله. لو دخلت أوضتي وقفلت الباب هيسمعوا تكة المفتاح، ولو سابوني ودخلوا أوضت ياسين… قلبي كان هيقف من الرعب على ابني.
في لحظة جنون، افتكرت كلام ياسين وكلام شريف: “فيه ناس وحشين بيدوروا عليه”. الناس دول مش جايين يسرقوا الشقة، دول جايين يصفّوا حساب، وجايين لشريف وعارفين إنه هنا!
سمعت صوت أول خطوة ليهم على السلم الخشب. الصمت اللي في البيت خلّى حركتهم المكتومة مسموعة لودني اللي كانت بتلقط الهوا. لفيت وشي وبصيت لسقف الطرقة المعلق.. الحتة اللي شريف نزل منها في الفيديو.
من غير تفكير، سحبت كرسي المكتب الصغير اللي في الطرقة بدون ما يعمل صوت على السجادة، وقفت عليه، وبإيدين بترتعش زقيت لوحة الجبسوم بورد لفوق. المكان جوه كان ضلمة كحل، وريحة رطوبة وتراب خنقتني.
“شريف!” همست بأعلى صوت مكتوم عندي.. “شريف، الحقني!”
لمحت كشاف صغير جداً نور في عمق السقف، وظهر وشه المذعور. أول ما شافني، ملامحه اتمزقت من الصدمة، بس الرعب اللي في عيني خلاه يفهم في ثانية. مد إيديه الاتنين القوية وسحبني لفوق بخفة وسرعة مكنتش أتخيلها. رجلي سابت الكرسي، وبالإيد التانية شريف سحب اللوحة وقفلها بالظبط مكانا قبل ما رجلي تلمس أرضية الفراغ الخرساني.
قعدت على ركبي، بنهج وبموت من الرعب، والمكان ضيق جداً وسقفه واطي لدرجة إننا كنا موطيين راسنا ومقربين من بعض. شريف حط إيده على بوقي وهو بيترعش بالكامل، وعينيه كانت مليانة دموع ورعب حقيقي.
همس في ودني وصوته بيرجف: “ياسين فين؟”
همست من بين إيديه: “في أوضته.. نايم. شريف، مين دول؟ وأنت بتعمل إيه هنا؟”
قبل ما ينطق بكلمة، سمعنا صوت خطواتهم تحتنا بالظبط في الطرقة. التلج مشي في عروقي وأنا سامعة صوت راجل منهم بيتكلم بصوت واطي وبلكنة غريبة كأنها مش مصرية:
“الشقة فاضية، مفيش غير الست والولد.”
رد التاني بصوت غليظ: “فتشوا الأوض.. هو مستحيل يكون برة، الإشارة بتاعة تليفونه طالعة من المربع ده بالظبط بقالها شهر، وجهاز التتبع مبيكذبش. فتشوا الدواليب والسرير، ولو لزم الأمر خدوهم هما الاتنين لحد ما ينطق.”
شريف غمض عينيه وجز على سنانه، ولقيته بيطلع من جيب بنطلونه تليفون صغير قديم -غير اللي بيكلمني منه- وفصل البطارية بتاعته بسرعة. همسلي وهو بيمسح دموعه:
“التتبع كان في التليفون ده.. أنا غبي.. أنا ودتكم في داهية!”
“شريف، فهمني في إيه؟” قلتها وأنا ببكي من غير صوت، وماسكة في تيشيرته. “أنت مسافرتش ألمانيا؟”
أخد نفس طويل ومكتوم وقال وهو بيبص ناحية الفتحة: “أنا اضحك عليا يا أميرة.. شركة المقاولات اللي كنت شغال معاها في المشروع الأخير، طلعت واجهة لعصابة دولية لغسيل الأموال وتهريب الآثار. أنا مكنتش أعرف، وفهموني إن السفر لألمانيا عشان نوقع عقود قرية سياحية جديدة. قبل السفر بيومين بس، اكتشفت ورق بالصدفة يوديهم كلهم حبل المشنقة، وعرفت إنهم ناويين يصفوني في ميونخ ويدفنوا سري هناك ويقولوا حادثة.”
دموعه نزلت وهو بيكمل: “خفت أبلغ الشرطة يصفوني قبل ما أوصل للقسم، وخفت عليكم. عملت نفسي مسافر، رحت المطار ودخلت، وبدل ما أركب الطيارة، خرجت من بوابة تانية تابعة لشركة شحن بمساعدة واحد صاحبي، ورجعت هنا في الضلمة.. استخبيت فوق الرووف وفي السقف المعلق عشان أكون جنبك وجنب ابني وأحميكم لو جم، وفي نفس الوقت مكنتش عايز أورطك لو عرفوا إنك مخبياه… أنا كنت بجمع أدلة وأرفعها لجهة سيادية في البلد عشان أأمن خطوتنا، بس هما وصلوا أسرع!”
فجأة، قطع كلامه صوت صرخة رعب هزت البيت… صوت ياسين!
الرجالة دخلوا أوضته وصحوه من النوم.
شريف عينه قلبت حمر زى الدم، والرعب اختفى وحل مكانه غريزة أب عايز يحمي ابنه. طلع من جيبه مطواة قرن غزال وسكين مطبخ كبيرة كان مخبيهم معاه فوق.
بص في عيني وقالي بكل حسم: “أميرة.. أنا هتحرك من فوق السقف وأنزلهم في أوضة ياسين من فتحة التكييف.. أول ما تسمعي خناق وصوت، انزلي جري من هنا، خدي ياسين واطلعي برة الشقة واصرخي في العمارة لمتي الناس.. فاهمة؟”
وقبل ما أرد، شريف زحف بسرعة رهيبة في الفراغ الضيق متجهاً ناحية أوضة ياسين، وأنا زحفت وراه وقلبي بيتخلع من الخوف.. الحكاية خلاص بتنتهي، يا هنعيش كلنا، يا هنموت هنا.
زحف شريف في الفراغ الضيق كأنه وحش مجروح، وأنا وراه على ركبي بنهج، التراب بيعمي عيني وصوت صرخات ياسين تحت بتدبحني.
وصل شريف فوق فتحة التكييف المركزي الكبيرة اللي في أوضة ياسين. بص من الشبك، ولمح اتنين من الرجالة واقفين، واحد ماسك ياسين من إيده والولد عمال يصرخ ويتحايل عليه، والتاني قالب الدولاب وبيدور في الهدوم. الراجل التالت كان لسه بيدور في الصالة برة.
شريف لف وشه ليا، وبصلي بوش غرقان دموع وعرق، وقال بهمس حاسم وعينين مش شايفه الخوف: “أميرة.. بحبك.. خدي بالك من ابننا.”
وبدون ثانية تردد، شريف ضرب شبكة التكييف برجليه الاتنين بكل قوته. الشبكة اتخلعت ونزل شريف وسطهم زي الصخرة، وهبط بكامل ثقله فوق الراجل اللي كان ماسك ياسين. الراجل وقع على الأرض والسلاح طار من إيده، وشريف متاحش ليه فرصة يتنفس، بدأ يضربه بالسكينة اللي معاه بوجع وقهر عشرين يوم رعب.
الراجل التاني اتصدم، ولسه بيرفع سلاحه يضرب شريف، شريف حَدَف عليه المطواة بكل قوته جت في كتفه، واتفادى طلقة كتمت صوتها الحيطة، وهجم عليه يجرده من السلاح.
في اللحظة دي، أنا زقيت لوحة السقف اللي فوق الطرقة ونزلت. رجلي اتلوت بس محستش بالوجع، الجري غريزة. جريت على أوضة ياسين، شفت شريف على الأرض غرقان دم وبيموت نفسه وهو بيخنق الراجل التاني، والراجل التالت بتاع الصالة كان لسه داخل الأوضة وموجه سلاحه على ضهر شريف!
“شريييييف!” صرخت بأعلى صوت عندي، ولمحت فازة كريستال تقيلة على الكومودينو، سحبتها وبكل غل الدنيا ضربت بيها الراجل التالت على دماغه من ورا. الراجل ترنح والسلاح وقع من إيده، شريف لمح السلاح على الأرض، سحبه في ثانية وضرب بيه الراجل التاني والتالت.
الأوضة اتحولت لساحة حرب، وصوت الأنفاس المتلاحقة كان مالي المكان.
جريت على السرير، سحبت ياسين في حضني وهو بيترعش وبيصرخ، وجريت بيه على برة. شريف قام، جسمه كله بيترعش وهدومه متبهدلة، بس عينيه كانت على ابنه.
طلعنا جري على باب الشقة الرئيسي، فتحته وبدأت أصرخ في الطرقة وبسلم العمارة: “الحقوناااااي! حرامية! قتلوووونا!” الصوت رجّ العمارة كلها، وأبواب الجيران بدأت تتفتح والناس تنزل تجري.
في خلال عشر دقائق، كانت الشرطة مالية المكان بناءً على بلاغات الجيران، والرجالة التلاتة اتقبض عليهم؛ اتنين منهم مصابين بجروح خطيرة، والتالت غايب عن الوعي.
أنا وشريف وياسين كنا قاعدين في الصالون، وياسين في حضن أبوه مش راضي يسيبه، ومتبت في رقبة شريف وبيقوله: “أنا أسف يا بابا.. أنا قتلتلها بس عشان كنت خايف عليك وبتعيط.” شريف كان بيبكي وهو بيحضنه وبيبوس راسه: “أنت بطل يا ياسين.. أنت اللي أنقذتني يا حبيبي.”
الظابط المسؤول دخل علينا بعد ما عاين الشقة والسقف المعلق، وبص لشريف بتقدير وذهول: “بشمهندس شريف.. الملفات والأدلة اللي أنت رفعتها على موقع النيابة العامة والمخابرات من تلات أيام وصلت، وإحنا كنا بنتحرى عنها، والرجالة دول دوليين ومطلوبين في كذا قضية. أنت تصرفك كان انتحاري.. بس شجاعتك أنقذت عيلتك وأنقذت نفسك.”
الظابط بصلي وقال: “لولا ذكاء مدام أميرة والموبايل اللي حطته، مكنتوش هتكشفوا وجودهم ولا هتلحقوا تتصرفوا.”
بعد الليلة دي بشهر…
كنا قاعدين في بيت جديد، شقة تانية خالص أجرناها في منطقة حية وكلها أمن. الشقة مفيهاش سقف معلق، ولا فيها رووف كركبة.
شريف كان قاعد بيتفرج على التلفزيون، وياسين نايم في حضنه في أمان كامل بعد ما الكابوس انتهى والشركة كلها اتقبض على أصحابها.
دخلت عليهم ومعايا كوبايتين شاي، وعلبة بسكوت بالفراولة. شريف بص للعلبة وضحك بتعب، وأنا قعدت جنبه، حطيت راسي على كتفه وقلتله: “عارف.. أنا مهندسة ديكور، بس من النهاردة.. مفيش سقف معلق هيدخل بيتنا تاني أبداً.”
شريف دمع، وباس إيدي وقال: “ولا فيه سفر برة مصر تاني أبداً.. أنا مكاني هنا.. في وسطكم وفي النور.”
