تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ 1

تزوّجتُ ابنةَ رجلٍ ثري، فتاةً سمينة لا يريدها أحد… فقط لأدفع ثمن جهاز الأكسجين لأمي.

لكن في ليلة الزفاف، عندما رأيتُ الندبة الممتدة على بطنها واكتشفتُ السرّ الذي تخفيه عائلتها… انهار كل شيء بيننا.

 

لم أكن أحبها.

ولم أكن حتى أفكر بالزواج.

 

لكن عندما ترى أمك تختنق كل ليلة، ويتحوّل صوت أنفاسها المتقطعة إلى كابوس يطاردك حتى وأنت مستيقظ…

تبدأ أشياء كثيرة داخلك بالانكسار.

 

منذ وفاة أبي وأنا أعمل في كل شيء تقريبًا.

في البناء، نقل البضائع، تنظيف المستودعات، أي عمل يجعلني أعود آخر الليل ببضعة دنانير تكفي الدواء والإيجار.

 

لكن مرض أمي كان يزداد سوءًا.

وجهاز الأوكسجين القديم بدأ يتعطل باستمرار.

 

وفي الليلة التي توقف فيها الجهاز لدقائق، ورأيت أمي تبكي وهي تحاول سحب النفس بيديها المرتجفتين…

فهمت أنني وصلت للنهاية فعلًا.

 

بعدها بأيام، استدعاني مدير الموقع إلى مكتبه.

 

دخلت وأنا أظن أنني ارتكبت مشكلة في العمل.

لكنني فوجئت برجل يجلس هناك بهدوء مخيف، وكأن المكان كله ملكه.

 

وكان فعلًا يملكه.

 

رجل أعمال معروف في عمّان.

الناس تخاف اسمه أكثر مما تحترمه.

 

نظر إليّ طويلًا قبل أن يقول:

“سمعت إنك شاب محترم… وأمك مريضة.”

 

لم أفهم لماذا يهتم رجل مثله بشخص مثلي.

حتى قال الجملة التي قلبت حياتي كلها:

 

“أريدك أن تتزوج ابنتي.”

 

في البداية ظننت أنه يسخر مني.

 

لكن مدير الموقع أنزل عينيه فورًا.

فعرفت أن الأمر حقيقي.

 

الجميع كان يعرف ابنته.

 

النساء يتحدثن عنها في الأعراس وكأنها فضيحة.

والرجال يسخرون منها بعد كل “رؤية شرعية”.

 

مرة يقولون إنها مختلة نفسيًا.

ومرة يقولون إنها ليست طبيعية.

وبعضهم كان يلمّح بأشياء أسوأ…

 

أنها “ليست بنت بنوت”.

وأن أحدًا لا يعرف ماذا حدث لها في المصحات والعلاجات التي كانت تدخلها منذ سنوات.

 

حتى البنات كنّ يتهامسن عنها:

“أكيد فيها شيء.”

“أكيد أبوها يخفي مصيبة.”

“لو كانت طبيعية، لماذا لم تتزوج حتى الآن؟”

 

وفي مجتمع مثل مجتمعنا…

الإشاعة تكفي لتدمير امرأة بالكامل.

 

أما هي، فكانت تمشي وسط كل ذلك وكأنها تسمع كل كلمة.

 

كنت قد رأيتها مرة من بعيد قبل الخطبة.

 

فتاة ممتلئة جدًا، ترتدي عباءة واسعة وتحاول إخفاء نفسها داخلها.

تمشي خلف أبيها بصمت.

لا ترفع عينيها عن الأرض.

وكأنها معتادة أن تكون موضع نظرات الجميع.

 

وعندما سألت والدها لماذا اختارني أنا تحديدًا، قال بهدوء:

“ستحصل على راتب محترم، وشقة، وعلاج كامل لوالدتك.”

 

في تلك اللحظة…

لم أفكر في الحب.

ولا في كلام الناس.

ولا حتى في شكلها.

 

فكرت فقط في أمي وهي تختنق.

 

وافقت.

 

انتشر الخبر بسرعة.

 

بعض الناس قالوا إنني بعت نفسي.

والبعض كان يضحك ساخرًا:

“أكيد أخذوها له بالمال، من سيرضى بها غير فقير محتاج؟”

 

حتى أقاربي كانوا ينظرون إليّ بشفقة.

 

أما أمي…

فبكت طويلًا عندما أخبرتها.

 

كانت تعرف أنني لا أريد هذا الزواج.

لكنها كانت تعرف أيضًا أننا لم نعد نملك رفاهية الرفض.

 

خلال فترة الخطبة، لم أفهم خطيبتي أبدًا.

 

كانت هادئة بشكل غريب.

وترتبك إذا سألها أحد سؤالًا بسيطًا.

وأحيانًا أشعر أنها تريد قول شيء مهم… ثم تخاف وتسكت في آخر لحظة.

 

لكن أكثر شيء أخافني فيها…

كان نظرتها.

 

كانت تنظر إليّ أحيانًا وكأنها تحمل ذنبًا لا تستطيع الهروب منه.

 

وعلاقتها بأبيها كانت أغرب من أي شيء رأيته.

 

كانت ترتجف حرفيًا عندما يدخل المكان.

وتصمت فورًا إذا رفع صوته.

وكأنها تعيش معه داخل خوف دائم.

 

وفي إحدى المرات، كنا نجلس وحدنا للحظات نادرة، فسألتها مباشرة:

“أنتِ مجبورة على هذا الزواج؟”

 

رفعت عينيها نحوي بسرعة…

ثم قالت بصوت متعب:

“أحيانًا الإنسان لا يعود يعرف ماذا يريد أصلًا.”

 

وبعدها سكتت.

 

يوم الزفاف كان ثقيلًا بشكل لا يُحتمل.

 

النساء يراقبنها بنظرات الشفقة والسخرية.

وبعض الرجال كانوا ينظرون إليّ وكأنهم متأكدون أن الفرح كله مجرد واجهة… وأنه لن تكون هناك تلك الفرحة التي تظهر عادةً على العرسان في ليلتهم الأولى.

 

حتى هي…

بدت وكأنها ذاهبة إلى حكم، لا إلى زفاف.

 

وفي الفندق، بعدما انتهى كل شيء أخيرًا وبقينا وحدنا…

جلست على طرف السرير بصمت.

 

لم تبكِ.

ولم تتكلم.

 

فقط كانت تضم يديها بقوة وكأنها تحاول منع نفسها من الانهيار.

 

حاولت كسر التوتر وسألتها إن كانت بخير.

 

لكنها لم تجب.

 

ثم وقفت ببطء…

ورفعت طرف الفستان قليلًا.

 

ورأيت الندبة.

 

تجمّدت مكاني.

 

لم أفهم شيئًا وقتها.

لكنني فهمت من نظرتها أن وراء تلك الندبة حكاية أكبر بكثير مما تخيلت.

 

رفعت عيني نحوها، فوجدتها ترتجف بالكامل.

 

ولأول مرة منذ عرفتها…

شعرت أنها خائفة مني أنا أيضًا.

 

ثم نظرت إليّ بعينين ممتلئتين بالرعب، وقالت بصوت مرتجف:

 

“هناك شيء يجب أن تعرفه… لكن بعد أن تسمعه، لن تعود تنظر إليّ بالطريقة نفسها أبدًا.”

 

 

تراجعتُ خطوتين إلى الخلف، ونبضات قلبي تتسارع كأنها طبول حرب. كانت الندبة طويلة، متعرجة، وتبدو كأنها أثر لجرح قديم وعميق جرى رتقه على عجل. لم تكن مجرد علامة على جسدها، بل بدت وكأنها شق في جدار الصمت الذي عاشت خلفه طوال حياتها.

نظرتُ إلى عينيها المليئتين بالدموع والرعب، وضاع كل الكلام من رأسي. تذكرتُ في تلك اللحظة نظرات الناس، وهمسات النساء في العرس، والغموض المخيف الذي يحيط بوالدها.

قالت بصوت متقطع، وهي تحاول تثبيت يديها المرتجفتين:

“أنت تظن أنني فتاة سمينة لا يريدها أحد.. وتظن أن أبي اشتراك بماله لتستر عليّ، صح؟ هذا ما يقوله الجميع.. لكن الحقيقة أغرب من كل ظنونهم.”

أنزلت طرف فستانها ببطء، وجلست على الأرض، ولم تعد تقوى حتى على الوقوف. تابعتْ والدموع تنحدر على وجنتيها:

“هذه الندبة.. هي أثر عملية جراحية لزراعة كُلية.”

صمتَتْ لثوانٍ لتستجمع أنفاسها، ثم فجّرت المفاجأة التي جعلت الأرض تدور بي:

“قبل خمس سنوات، شقيقي الأكبر.. الابن المدلل لأبي، أصيب بفشل كلوي حاد. كان يموّت ببطء. وأبي، ذلك الرجل الذي يرتجف منه الجميع، لم يحتمل فكرة خسارة ولي عهده. أجبر جميع أفراد العائلة على إجراء الفحوصات، وكنت أنا الوحيدة التي تطابقت أنسجتي معه.”

ابتلعت ريقها بصعوبة وأكملت:

“لم يسألني أبي إن كنت موافقة أم لا. أخذني إلى المستشفى وكأنني قطعة غيار. تبرعتُ له بكليتي مجبرة.. لكن جسد أخي رفض الكلية وتوفي بعد العملية بأشهر. ومنذ ذلك اليوم، انقلبت حياتي إلى جحيم.”

سألتها بذهول والاضطراب يتملكني:

“لكن.. ما علاقة هذا بوزنك؟ وبكلام الناس عن المصحات والعلاجات؟”

نظرت إليّ بابتسامة حزينة مكسورة وقالت:

“بعد العملية، عانيت من مضاعفات صحية شديدة واكتئاب حاد. الأدوية والهرمونات ومثبطات المناعة التي كنت أتناولها لسنوات هي التي دمرت جسدي وجعلتني بهذا الوزن. وأبي.. أبي لم يسامحني قط. كان ينظر إليّ كل يوم ويقول لي: (مات ابني وعشتِ أنتِ بكلية واحدة لا تنفع لشيء). كان يعاقبني على ذنب لم اقترفه، وحبسني في البيت، ومنعني من الاختلاط بالناس، وكلما تقدم لي شاب، كان أبي يضع شروطاً تعجيزية ويرفضه، لأنه كان يرى أنني لا أستحق الحياة ولا أستحق أن أكون سعيدة.”

انهمرت دموعها بغزارة وهي تتابع:

“أما عن المصحات.. فكنت أدخلها للعلاج الجسدي والنفسي من أثر الصدمة والأدوية، لكن الناس لا ترحم.. أطلقوا الشائعات وظنوا بي السوء. وأبي تركهم يتحدثون ليزيد من كسر نفسي.”

أمسكتُ برأسي من هول ما أسمع. كل الأفكار التي كانت في عقلي تبخرت. هذه الفتاة ليست “الفضيحة” التي تحدث عنها الناس، بل هي ضحية لرجل قاسي القلب استغلها ثم نبذها.

لكن سؤالاً واحداً ظل يتردد في عقلي، ولم أستطع منعه من الخروج:

“إذا كان أبوك يكرهك ويريدك مكسورة.. لماذا اختارني أنا تحديداً؟ ولماذا دفع لي الشقة، والراتب، وعلاج أمي؟”

رفعت رأسها ونظرت في عيني مباشرة، ونظرتها هذه المرة كانت مليئة بـالخوف الحقيقي، وقالت بصوت خافت جداً كأنه الهمس:

“لأنه لم يخترك لتكون زوجاً يحميني.. بل اختارك لسبب آخر.. أبي يعلم أنك فقير وتحتاج المال لأجل والدتك، وهو يعتقد أنه يملكك الآن. بالأمس، وقبل الزفاف بساعات، سمعته يتحدث مع محاميه في المكتب.. كان يجهز أوراقاً تخصني.. أوراقاً لو وقعتَ أنت عليها دون أن تدري، ستنتهي حياتنا معاً.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *