حكايات زهره الربيع 3

مرت الشهور الأربعة المتبقية من الحمل وكأنها سنين طويلة. غادة كانت محبوسة في بيت أبوها، مقطوع عنها التليفون، ممنوع عنها الخروج، وتحت رقابة صارمة من أمها وأبوها اللي كانوا حاسين بالعار والذنب ناحيتي وناحية أمي. وطوال الشهور دي، مكنتش بشوفها ولا بكلمها، كان التواصل كله بيني وبين حمايا فقط عشان يطمني على المتابعات الطبية وحالة الجنين.
الشقة عندنا رجعت ليها روحها.. الهدوء والسلام ساد المكان. أمي كانت قاعدة في شقتها معززة مكرمة، ركبها بدأت ترتاح شوية من المجهود اللي كانت بتعمله، ووشها رجعتله النضارة والضحكة اللي كانت غايبة عنها طوال شهور زواجي من غادة.
وفجأة.. في يوم الجمعة الصبح، رن تليفوني. كان حمايا، وصوته كان مبحوح ومستعجل: «لحق يا محمود.. غادة بتولد! نزل عليها المية ونقلناها على مستشفى النساء والولادة، أرجوك تعالى عشان تتطمن على ابنك».
الدم جري في عروقي.. ده اليوم اللي كنت مستنيه عشان النقط تتحط على الحروف، والقصة المأساوية دي تتوصل لآخرها.
أمي أصرت تنزل معايا، وقالتلي: «أنا جاية معاك يا بني.. دي لحظة خروج روح جديدة للدنيا، وعايزة أكون جنبك وأستقبل ابنك بـ (الله أكبر)». مسكت إيد أمي ونزلنا على المستشفى فوراً.
أول ما وصلنا المستشفى، كانت الريحة عبارة عن بنج ومعقمات. الطرقة قدام غرفة العمليات كان فيها حمايا قاعد وشه بين إيديه من الهم، وحماتي واشية جاية بتدعي وتستغفر، وأخت غادة واقفة مستنية.
أول ما حمايا شاف أمي داخلة، قام وقوف واعتذرلها بكل احترام، وباس رأسها قدام كل الناس اللي في الطرقة وقالها: «حقك عليا يا أم محمود.. شرفك وكرامتك على رأسي، والست الأصيلة تبان في المواقف دي». أمي طمئنته وقعدت تدعي لغادة بالسلامة.
بعد حوالي ساعة، اتفتح باب غرفة العمليات، وخرجت الممرضة وهي شايلة لفافة بيضا صغيرة.
قلبي دق بسرعة جنونية، وشفت العيون الصافية والوش الملائكي.. ولد، حتة مني ومن دمي. الممرضة قربت مني وقالت بابتسامة: «ألف مبروك يا أستاذ محمود.. ولد زي القمر وربنا يبارك فيه، المدام قامت بالسلامة واتنقلت لغرفة الإفاقة».
شلت ابني بين إيديا، وبكيت.. بكيت دموع فرحة وراحة، وأمي قربت وبست إيد الطفل وصاح أذان الفجر في ودنه. في اللحظة دي حست إن ربنا عوضني عن كل القهر والتعب اللي شفته طوال الفترة اللي فاتت.
