تلات اخوات حكايات رومانى مكرم 2
مرت الأسابيع، ووائل لسه نايم في العناية المركزة بين الحيا والموت، الأجهزة حواليه من كل ناحية بتعد أنفاسه، والـ 5 مليون جنيه محبوسة في البنك ورا شاشات الكمبيوتر، مفيش مخلوق قادر يسحب منها قرش واحد لأن صاحب الحساب غايب عن الدنيا، ومراته ملقيتش مع جحود وائل أي توكيل يسندها في غيابه.
الدائنين وأصحاب المشاريع اللي وائل دخل معاهم بفلوس الورث بدأوا يظهروا، الشيكات اللي كان ماضيها عشان يكبر توكيله التجاري بدأت ترجع من البنك لعدم وجود توقيع حي، والديون بدأت تتراكم على بيته وعربيته الجديدة اللي اتعجنت في الحادثة. مراته لقت نفسها فجأة مهددة بالطرد هي وعيالها، ومفيش في جيبها مليم يصرف على مستشفيات الغالي اللي نايم وراء الزجاج.
في يوم، راحت مراته لبيت هدى، الأخت الصغيرة اللي كانت بتنام مكسورة الخاطر بسبب ظلم وائل وأمه. دخلت مراته الشقة الإيجار البسيطة، ارتمت في حضن هدى وبكت بحرقة وقالت لها:
— “الحقيني يا هدى.. المستشفى هتنقل وائل مستشفى حكومي لأن المصاريفعدت الملايين ومبقتش قادرة أدفع، والبيت اللي قاعدين فيه صاحب الملك عاوز يطردنا لأن وائل مكنش دافع باقي تمنه.. الفلوس اللي ظلمكم عشانها بقت حبل المشنقة حوالين رقبتنا.. أنا بناته مالهمش ذنب، سامحيه يا هدى وادعي له يقوم!”
هدى بصت لمراته والدموع في عينيها، مكنتش شمتانة، الوجع والكسرة اللي عاشتهم خلوها أرحم من إنها تشمت في الموت والمرض. بصت لجوزها اللي كان قاعد، الراجل الطيب الأرزقي بص لها وهز رأسه بالموافقة وكأنه فهم اللي في بالها وقال: “المسامح كريم يا هدى، والأخ يفضل أخ مهما عمل، والولاد مالهمش ذنب”.
هدى أخدت ندى أختها الوسطانية، وطلعوا هما الاتنين على المستشفى. وقفوا قدام السرير اللي نايم عليه وائل، وشه كان شاحب، والأجهزة بتتحكم في كل نفس. ندى مسكت إيده وهي بتعيط، وهدى قربت من ودنه وقالت له بصوت مبحوح:
— “أنا مسمحاك يا وائل.. مسمحاك عشان خاطر عيالك وعشان خاطر أمنا اللي ماتت مقهورة.. بس قوم وسدد دينك لربنا وللناس.”
في اللحظة دي، وكأن كلام هدى كان الروح اللي ردت فيه، المؤشرات على الأجهزة بدأت تتحرك بسرعة، ودقات قلبه بدأت تتسارع، والدكاترة جريوا على الأوضة وطلبوا من الأختين يخرجوا برة فورا.
بعد ساعات قلق طويلة، الدكتور خرج وقالهم: “المعجزة حصلت، النزيف وقف تماماً ووائل بدأ يسترد وعيه، بس الصدمة أثرت على مراكز الحركة.. هو فاق، بس للاسف حصل له شلل نصفي مش هيقدر يتحرك منه تاني.”
دخلت هدى وندى ومراته الأوضة، وائل كان فاتح عينيه، باصص لسقف الأوضة والدموع نازلة على خده زي المطر. حاول يتكلم، لسانة كان ثقيل، بس عينيه كانت مليانة رجاء وتوسل. بص لهدى بالذات، الأخت اللي قالها “أعلى ما في خيلك اركبيه”، الأخت اللي سابها في العزا ورفض يديلها مليم يسند عيالها.
رفع إيده الشغالة بالعافية، وشاور لمراته تفتح المحفظة بتاعته وتطلع دفتر شيكات قديم كان شايله في جيبه. وبخط مرتعش، وتعب السنين كله في إيديه، كتب تنازل رسمي وإقرار بإن الحساب البنكي ده ملك لـ ندى وهدى، وأن الـ 5 مليون جنيه تتقسم بالشرع الله، تلت للذكر وتلتين للبنتين.
بص لهدى ونطق بالعافية بكلمات متقطعة:
— “سامحيني.. الفلوس.. الفلوس كانت هتموتني.. الظلم.. الظلم ظلمات.”
هدى خبطت على كتفه وبكت: “مسمحاك يا اخويا.. الفلوس هترجع لأصحابها، وهنعالجك منها، وعيالك مش هيتشرعوا.”
خرجت هدى وندى من المستشفى ومعاهم الورقة اللي بتثبت حقهم، الفلوس اللي كانت سبب في موت أمهم وكسرة نفسهم رجعت، بس المرة دي رجعت بالحق، ورجعت بعد ما الكل عرف إن القرش الحرام مبيثمرش، وإن دعوة المظلوم ملهاش حجاب.
لكن الحكاية مخلصتش هنا.. الفلوس لما نزلت في حساب الأختين، وبدأوا يجهزوا عشان يسحبوا المبالغ ويسددوا ديون وائل وينقذوا بيته، ظهرت مفاجأة تانية خالص مكنتش في الحسبان، مفاجأة سابها جدهم الكبير في البلد قبل ما يموت، وورقة تانية كانت مخبية تحت بلاط البيت القديم، هتقلب موازين العيلة كلها من جديد..
المفاجأة اللي ظهرت كانت مكالمة تليفون من عمهم الكبير اللي عايش في البلد، كلم ندى وهدى وقالهم بصوت مرعوب: “يا بنات، الحج عبد العال المحامي بتاع جدكم الله يرحمه لقى المحفظة الجلد القديمة بتاعة الجد في الخزنة، وجواها ورقة مكتوبة بخطه ومبصومة قبل ما يموت بأسبوع واحد.. لازم تيجوا البلد فوراً عشان الموضوع ميتسكتش عليه وفيه خراب بيوت لو الورقة دي طلعت للعلن!”
الأختين مكدبوش خبر، أخدوا بعضهم وسافروا على البلد وقلوبهم بتترعش من الخوف. دخلوا بيت جدهم القديم، لقوا عمامهم كلهم قاعدين ووجوههم خاوية ومخطوفة، والمحامي الحج عبد العال قاعد في النص وفاتح الورقة الصفراء القديمة. أول ما شافهم، المحامي اتنهد وقال: “اقعدوا يا بناتي واسمعوا.. جدكم قبل ما يموت، اكتشف إن الـ 5 مليون جنيه اللي كانوا في البنك وال بيعهم لأمكم الحاجة فاطمة، مكنوش ملكه لوحده! الفلوس دي كانت حصيلة بيع أرض ‘وقف’ بتاعة العيلة كلها، والجد باعها من ورا إخواته بمساعدة وائل ابن أمكم، اللي زور توكيلات عن عمامكم عشان البيعة تتم والفلوس تدخل حساب الجد ومنه للحاجة فاطمة!”
الصدمة نزلت على ندى وهدى زي الصاعقة. يعني الـ 5 مليون جنيه اللي وائل اتمسك بيهم وأمهم ماتت مقهورة بسببهم، هما في الأصل فلوس حرام، ناتجة عن تزوير وسرقة لحق عمامهم في البلد! الجد كتب في الورقة إقرار بالذنب وبصم عليه، وبيطلب من فاطمة وولادها يردوا الفلوس لعمامهم عشان يبرى ذمته قدام ربنا.
عمهم الكبير بص للأختين وعينيه مليانة دموع وقال: “إحنا عرفنا إن الفلوس بقت معاكم دلوقتي بعد التنازل بتاع وائل.. وإحنا ولاد عمامكم ومش عاوزين نسجن وائل بتهمة التزوير وهو في حالته دي بين الحيا والموت.. بس إحنا لينا حق في الـ 5 مليون دول، لينا فيهم 3 مليون جنيه حق الأرض الوقف اللي اتسرقت مننا.”
هدى بصت لندى، وندى بصت لهدى. الفلوس اللي افتكروا إنها هتربحهم وهتغير حالهم، طلعت جمرة نار هتحرق اللي يمسكها. هدى من غير ما تفكر ثانية واحدة، طلعت دفتر الشيكات والإقرار اللي وائل ماضاه، وبصت لعمامها وقالت بكل عزة نفس وقوة: “يا عمي، إحنا بريئين من ذنب التزوير ده، وفلوس الحرام متباتش في بيوتنا. الـ 3 مليون جنيه بتوعكم هيرجعوا لكم لحد عندكم قبل ما نطلع من البلد دي.. والـ 2 مليون الباقيين هما دول اللي هنقسمهم بالشرع، ومنهم هنعالج وائل ونسدد ديونه ونستر بناته.”
عمامهم وقفوا وباسوا راس هدى وندى ودعوا لهم بالبركة، والكل كان مذهول من أمانة هدى اللي هي أصلاً أكتر واحدة محتاجة للقرش وعايشة في شقة إيجار جديد.
رجعوا القاهرة، وائل عرف باللي حصل وهو على سرير المرض، وعرف إن التزوير اللي عمله مع جده اتكشف، وإن أخواته البنات هما اللي حموا اسمه من السجن والفضائح وردوا الحق لأصحابه. وائل بكى بحرقة مسمعتش الحتة زيها قبل كده، وحس بصغر نفسه وقزميته قدام الأختين اللي ظلمهم.
تمت تسوية كل شيء: عمامهم أخدوا حقهم، وديون وائل اتسددت، ومراته وبناته اتستروا في شقتهم، وهدى وندى أخدوا نصيبهم الشرعي الحلال الصافي من الـ 2 مليون الباقيين. هدى اشترت شقة تمليك صغيرة على قدها وفاض معاها قرش حلال تشغل بيه جوزها الأرزقي، وندى حالها انصلح والبركة دخلت بيتها.
الدنيا بدأت تهدأ، والكل افتكر إن الستار اتقفل لحد هنا.. لكن قانون الدنيا مبيسبش السطور ناقصة.
بعد شهرين، ووائل قاعد على كرسيه المتحرك في الصالة، ومراته بتأكله بلقمة هنيّة بعد ما تاب ورجع لربنا، الباب خبط.. ولما مراته فتحت، لقت راجل غريب، لابس بدلة سودا وشكله هيبة، ومعاه محضر من المحكمة. الراجل بص في الورقة وقال بصوت جهوري: “أنا المحامي الموكل عن المستثمر الأجنبي اللي كان شريك وائل في المشروع الأخير.. وجاي أبلغكم بالقرار الجديد!”
مراته اتخضت ووائل اتسمر في كرسيه..
فتحت زوجة وائل الباب وهي بترتعش، وائل لمح المحضر من مكانه على الكرسي المتحرك، وضربات قلبه سريعت، وافتكر إن ديون المشاريع القديمة رجعت تاني عشان تقضي على الباقي من ستر بناته.
المرعب في الموضوع إن المحامي دخل الصالة، وبص لوائل المشلول، وملامح وشه اتحولت من الجدية للهدوء الشديد. طلع ورقة رسمية مختومة بختم المحكمة ووزارة العدل، وقال بصوت مسموع:
— “يا أستاذ وائل، أنا جاي بصفتي الوكيل القانوني عن المستثمر اللي شاركت معاه في مشروع المعرض التجاري الكبير قبل الحادثة بأسبوع. الشراكة دي وائل كان دافع فيها نصيبه كاش من فلوس الورث الصافية اللي بقت معاه، والمشروع ده نجح نجاح ضخم جداً الشهرين اللي فاتوا، وأرباح نصيبك لوحدك في المحكمة دلوقتي وصلت لـ 4 مليون جنيه!”
زوجة وائل صرخت من المفاجأة، ووائل مبقاش مصدق ودانه. المحامي كمل كلامه وقال:
— “بس الشريك الأجنبي لما عرف بالحادثة وبوضعك الصحي، ولأن الشيكات القديمة كانت هتبوظ الشغل، حب ينهي الشراكة دي وديًّا وقانونًا.. وهو عارض يشتري نصيبك بالكامل في المشروع، وهيدفعلك فوق الأرباح 3 مليون جنيه كمان تمن حصتك، يعني الإجمالي 7 مليون جنيه كاش هيتحولوا لحسابك وحساب أخواتك، بشرط إنك توقع على عقد فض الشراكة والتنازل.”
وائل بص لإيده الشغالة بالعافية، وبص لسقف الأوضة وعينيه غرقانة دموع.. الـ 5 مليون القدام اللي اتسرقوا واتزوروا بالباطل، راحوا وخدوا معاه صحته وحرقة قلب أمه. لكن لما الأختين البنات ردوا الحق لأصحابه (العمام بالبلد)، وطهروا الـ 2 مليون الباقيين بالشرع والحلال، ربنا بارك في الجزء الصغير اللي اتبقى لعلاج وائل وسداد دينه، ونبت منه 7 مليون جنيه حلال صافي، مفيهاش مليم واحد ظلم!
وائل طلب من مراته تكلم هدى وندى فوراً. وفي نفس السهرة، جمع الأختين وجوز هدى الطيب في بيته، ومضى على التنازل وفض الشراكة. وبص لأخواته البنات وقالهم والكسرة والندم مالية صوته:
— “الـ 7 مليون دول بتوعكم أنتوا.. أنا مش هلمس منهم قرش غير اللي يعالجني ويوكل بناتي حلال. ربنا رماني على السرير عشان يوريني إن القرش الحرام بيعمي العين ويخرب البيوت، وإن أمانة هدى ورضا ندى هما اللي أنقذوا اسمي من السجن وضياع بناتي.”
هدى طبطبت على أخوها وقالت له: “إحنا أهل يا وائل، والحمد لله إنك قمت لينا بالسلامة وعرفت طريق ربنا، دي بالدنيا كلها.”
وزي ما الأيام دارت بالوجع، دارت بالفرح والستر. هدى وسعت تجارتها مع جوزها وعاشت في أحسن حال، وندى بيتها اتملا بركة وخير، ووائل فضل عايش وسط بناته بيعلمهم إن الحلال هو اللي بيبقي، وإن الصحة والرضا أهم من ملايين الدنيا.
### الحكمة من القصة:
> **”الظلم ظلمات، والقرش الحرام مبيثمرش”**
> إن فلوس الدنيا كلها متساويش قهرة قلب أم أو دمعة أخت مظلومة. الظلم لما بييجي من أقرب الناس بيبقى سكين حامي، بس العدالة الإلهية مبتنامش؛ والفلوس اللي بتيجي بالباطل والتزوير بتروح في “المرض والندامة” وتأخد معاها صحة صاحبها وبركة بيته.
> في المقابل، الأمانة وعزة النفس ورضا الله بالحق الحلال (زي ما عملت هدى وندى) هما التجارة الكسبانة؛ فالقليل من الحلال يبارك فيه الله وينمو حتى يصبح أضعافاً، والبركة في الرزق مش بالرقم، البركة بالراحة والستر والسلامة اللي بتدخل البيت وتدوم للعيال.
>
