حكايات امانى السيد 1

تخيلوا البـ ـجاحة ممكن توصل لفين! حماتي جابت طليقة جوزي عشان تتغدى معانا في بيتي وعلى سفرتي، وكل ده عشان تكـ ـسر عيني! بس وحياة ربنا، اللي عملته فيهم خلاهم يمشوا يكلموا نفسهم في الشارع.

الحكاية بدأت لما الباب خبط، روحت أفتح لقيت حماتي داخله ومعاها طليقه جوزى ، متزوقة ومكياجها أوفر على الآخر. حماتي تبصلي بابتسامة برود وبتقول: “أصلها وحشتني، وقلت نيجي ناكل لقمة سوا”. جوزي ساعتها وقف متنح ومكسوف ينطق بكلمة واحدة.

دخلوا وقعدوا على السفرة، وبدأت بقى حفلة التلقيح والردح! السنيورة مسكت الشوكة وبدأت تتقرف من الأكل وتقول: “إيه ده؟ اللحمة نية! ده أنا كنت بعمل لميدو حتة صينية بطاطس ياكل صوابعه وراها”. وحماتي طبعاً تضحك وتزيد في الكلام وتقولها: “ما هو من يوم ما سابك وهو مش بياكل عدل يا حبيبتي”.

البجاحة هنا بقى كانت محتاجة “ثبات انفعالي” يدرّس!

السنيورة لفت وشها وبصتلي، حطت إيدها على بوقها بضحكة صفرا كلها مياعة وقالت:

**”أوبس.. سوري يا حبيبتي! أصل لساني واخد على كده، طول عمري بقوله يا ميدو وهو بيعشق الاسم ده مني.. أوعي تكوني زعلتي؟”**

حماتي طبعاً هزت رأسها وضحكت ضحكة خبيثة وهي بتبص لجوزي ومستنية ردي، وجوزي كان قاعد وشه جاب مية لون، باصص في طبقه ويتمنى الأرض تنشق وتبلعه.

في اللحظة دي، الشيطان نفسه وقف يسقف لي في دماغي، وقررت إن الرد مش هيكون بالردح، الرد هيكون بـ “قاضية” تخليهم هما الاتنين يندموا على اليوم اللي فكروا ييجوا فيه.

ابتسمت ابتسامة هادية جداً، أهدى من هدوء المقابر، وبصيت لها من فوق لتحت بكل برود وقلت لها:

> “أزعل؟ لاء طبعاً يا حبيبتي وأنا أزعل ليه! ما هو فعلاً طول عمره ‘ميدو’ بتاع مامتـه وبتاع طليقتـه.. بس الحمد لله، من يوم ما اتجوزني أنا وبقى ‘محمد’.. الراجل اللي مالي مركزه، وبيشيل مسؤولية بيته، وعامل لمراته ألف حساب.”

>

ولفت وشي لجوزي وبصيت له وبقيت بكلمه هو بلهجة كلها ثقة ونبرة أمر مخفية:

“مش كده برضو يا أبو أولادي؟ ولا تحب نرجع أيام ‘ميدو’ والـ… اللي كنت عايش فيه؟”

جوزي “ميدو” اتسمّر في مكانه، الشوكة نزلت من إيده كأنها قنبلة، وبقى يبص لأمه شوية ولطليقته شوية، وعينيه رايحة جاية بيني وبينهم زي بندول الساعة. الراجل كان في نص هدومه، حرفياً مش عارف ياخد صف مين!

لو نطق ودافع عني، أمه هتقلب الدنيا وتقول “مرأتك بتطردني وبتكسر بكلمتي”، ولو طبطب على طليقته وأمه وجاراهما في الكلام، يبقى حفر قبره بإيده وعارف إني مش هبيت له في البيت ثانية واحدة.

حماتي لما لقت سكوت الحيرة ده طول، والجو بدأ يكهرب، حبت تلحق الموقف وتديله “زقة” عشان يرجع لصفهم. راحت مأنتخة لورا على الكرسي، ولوت بوزها وقالت بنبرة فيها لؤم مغلّف بحنان مصطنع:

“جرى إيه يا ميدو؟ أنت هتفضل متنح كده؟ ما تنطق يا حبة عيني وتقول لمرأتك إن أميرة مفيش في قلبها حاجة، دي عشرة عمر برضه وأختك، وهي متقصدش.. ولا خلاص، كلامنا مابقاش يعجب؟”

أميرة هنا لقطت الإشارة من حماتي، وراحت مسبلة عينيها ومأثّرة في الصوت، وقالت بمسكنة تدرّس:

“خلاص يا طنط، أنا أسفة إني جيت.. مكنتش أعرف إن وجودي هيعمل حساسية ويقلب البيت نكد، أنا قايمة وماشية.”

عملت نفسها بتقوم، بس هي في الحقيقة كانت بتتحرك ببطء شديد، مستنية “ميدو” يمسك فيها أو يقولها “أقعدي”.

 

أما أنا، فكنت قاعدة ومربعة إيديا، بتفرج على المسرحية الهزلية دي بابتسامة ثقة خلت أميرة تتوجس وهي بتقوم. “ميدو” كان لسه باصص في الطبق، عرق جبينه بدأ ينزل، والضغط عليه بقى من ناحيتين: أمه بتزقه عشان يتكلم، وطليقته بتتمسكن وعاملة نفسها ماشية عشان يصعب عليها.

في اللحظة اللي أميرة حطت إيدها على شنطتها وبتتحرك ببطء شديد، حماتي برقت لجوزي وقالت بصوت عالي: “جرى إيه يا محمد! سيبت رجولتك فين؟ واقف تتفرج على بنت الأصول وهي بتهان في بيتك وماشية زعلانة؟”

هنا جوزي اتنفض، وبص لأمه وقال بصوت متحشرج: “يا أمي…”

وقبل ما يكمل كلمته أو يلتفت لأميرة عشان يراضيها، وقفت أنا على حيلي بكل شموخ، وسحبت كرسي السفرة لورا بهدوء عمل صوت خلى الكل ينتبه ليا. بصيت لأميرة وقولت بنبرة هادية بس حاسمة سمعت البيت كله:

“على فين يا أميرة؟ ده أنتِ منورة بيتي.. بيتي اللي أنا فيه الكل في الكل، والست الوحيدة اللي كلمتها بتمشي فيه. اقعدي كملي أكل، أصل صينية البطاطس اللي وحشاكي دي خلاص مبقتش تنزل في البيت هنا.. محمد دلوقتي بياكل من إيد ست ثانية خالص، وعيب تمشي وبطنك فاضية، الناس تقول علينا إيه مابنعرفش الأصول؟”

أميرة اتصدمت من الرد، رجلها ثبتت في الأرض ومبقيتش عارفة تكمل مشي ولا تقعد. حماتي وشها احمر وعروق رقبتها ظهرت، وقفت وهي بتخبط على السفرة بإيدها وقالت: “أنتِ بتلقحي كلام على إيه يا بت أنتِ؟ شايفة يا محمد؟ شايفة الحرباية اللي اتجوزتها بتكلمني أنا وضيفتي إزاي؟”

جوزي بصلي بنظرة رجاء إن الموضوع يخلص، ولقيته بيقوم ويمسك إيد أمه ويقول: “يا أمي خلاص، حقك عليا أنا، اهدوا جماعة وحدوا الله.”

التفتّ لجوزي وبصيت لإيده اللي ماسكة إيد أمه، وقولتله ببرود قاتل: “تهدى إيه يا أبو أولادي؟ هو حد اتعصب؟ طنط منورة، وأميرة حبيبتي منورة.. بس أنا حابة أعمل حاجة تفرحهم مادام الأكل مش عاجبهم، ومادام ذكريات ‘ميدو’ لسه عايشة معاهم.”

دخلت المطبخ ثواني، وطلعت وأنا ماسكة في إيدي ألبوم صور فرحه القديم على أميرة، اللي كنت شايلاه في كرتونة قديمة فوق الدولاب من يوم ما اتجوزنا ومارضيتش أحشره في حياتنا. حطيت الألبوم قدامهم على السفرة بكل ثقة، وفتحته على أول صفحة.

بصيت لحماتي وقولتلها: “تصدقي يا طنط؟ ذكرياتكم جميلة أوي.. مادام هي وحشاكي وميدو وحشك، خدي الألبوم ده معاكي وأنتِ ماشية اتفرجي عليه براحتك، عشان هنا في البيت ده مفيش مكان غير لصور ‘محمد’ معايا أنا وولاده وبس.”

أميرة لما شافت الألبوم وشافت طريقتي، حست إن كرامتها اتمسحت بالأرض تماماً، وبدأت نبرة المسكنة تتحول لغل حقيقي. بصت لجوزي وقالت بزعيق: “أنت عاجبك المهزلة دي يا محمد؟ واقف زي الكرسي ومرأتك بتهزأنا؟”

حماتي سحبت شنطتها بعنف وقالت: “البيت ده مبقاش لينا قعاد فيه، يلا بينا يا بنتي.. وأنت يا سي محمد، حسابي معاك بعدين، لما نشوف آخرة قعدة الستات اللي بتمشي كلامها عليك دي!”

جوزي كان واقف وسط الصالة، وشه أسود من الكسوف والخزي، بيبصلي بنظرة كلها لوم وخوف من اللي جاي، وأمه بتجر أميرة من إيدها وبيرزعوا باب الشقة وراهم بعنف.

أول ما الباب اتقفل، ساد هدوء مرعب في الشقة. التفتّ لجوزي اللي كان لسه واقف في مكانه زي الصنم، وقربت منه بخطوات بطيئة، والابتسامة اختفت تماماً من على وشي وتحولت لملامح جادة وقاسية..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *