حكايات منى السيد 3
انفتح باب المكتب الفخم، ودخل سليم الدالي بخطوات واثقة وهادئة، وعيناه تتفحصان المكان وكأنه يستعيد ملكاً سُلِب منه منذ سنوات. لم تظهر على وجه شيرين أي علامة من علامات المفاجأة؛ بل ظلت واقفت بوقارها المعهود، تشير له ببرود نحو المقعد المقابل لها.
جلس سليم، ووضع حقيبته الجلدية على المكتب، ثم نظر إلى الطفل يوسف النائم في فراشه الصغير وقال بنبرة حملت الكثير من الخبث:
— خطوة ذكية جداً يا مدام شيرين.. قدرتي تكسري ياسين وأمي في خبطة واحدة. بس للأسف، اللعبة أكبر منك، والورق اللي معايا يثبت إن نص الشركات دي ملكي أنا مش ملك ياسين ولا أمي، والتنازل اللي الحاجة كريمة مضت عليه لابنك.. باطل قانوناً لأنها لا تملك الحصة الأكبر أصلاً.
شيرين رجعت بضهرها لورا على كرسيها المريح، وشبكت صوابع إيديها وبصت له بثبات يخوف، وقالت بنبرة صوت خالية من أي انفعال:
— أنت فاكرني مش عارفاك يا سليم؟ سليم الدالي.. الأخ الكبير اللي اتمحى اسمه من دفاتر العيلة من عشر سنين لما أمك طردتك واتهمتك بالسرقة عشان تصفّي حسابات قديمة. وفاكر إني مش عارفة الورق اللي في شنطتك؟ ده عقد شراكة قديم وموثق في الشهر العقاري بفرنسا بيثبت إنك صاحب 40% من أصول مجموعة الدالي قبل ما تتزور المحاضر في مصر.
برق سليم عينيه بصدمة، واختفت ابتسامة الثقة من على وشه. قرب من المكتب وقال بحدة:
— أنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
شيرين ضحكت ضحكة خفيفة وقالت:
— شيرين اللي كانت مغمية عينيها ومستسلمة ماتت في أوضة العمليات يا سليم. أنا بقالي أربعة أشهر بفتش ورا عيلة الدالي حتة حتة.. وعارفة كمان السر اللي أنت لسه قايله لندى في الممر من شوية.. إن الولد التعبان اللي في الحضّانة يبقى ابنك أنت مش ابن ياسين!
وقف سليم على رجليه وهو مش مصدق إن كل أوراقه مكشوفة قدام الست دي، وزعق بصوت واطي:
— وعارفة ده كمان؟ إزاي؟
شيرين وقفت هي كمان، وسندت بإيديها على المكتب وقربت من وشه وقالت بقسوة:
— عارفة إن ندى كانت لعبتك القديمة عشان تكسر بيها عين أخوك الصغير.. وعارفة إن ياسين لما عرف الحقيقة من تحليل عمله لندى وهي حامل في الشهر السابع، ما واجههاش.. لأ.. ده قرر يستغل المرض بتاع الولد عشان يضرب عصفورين بحجر واحد: يخلص من ابنك ويموته بالبطيء، ويخلص مني ومن ابني الحقيقي ويسرق فلوسي وفلوس أبويا الله يرحمه عشان يعوض الخسارة اللي شركاتكم بتمر بيها! كلكم تعالب وبتنهشوا في بعض.. بس الحفرة اللي حفرتوها، وقعتوا فيها كلكم.
في نفس اللحظة، في حجز قسم الشرطة، كان ياسين قاعد في الضلمة، شعره متبهدل ودقنه نبتت، والكلابشات لسه في إيديه. دخل عليه المحامي رفعت الرفاعي وهو وشه جايب ميت لون.
ياسين قام وجري عليه ومسكه من هدومه:
— عملت إيه يا رفعت؟ شيرين وافقت تتنازل؟ أمي هتدفع الكفالة؟
رفعت زق إيد ياسين عنه وقال بيأس وكسرة:
— أمك في المستشفى بتموت يا ياسين، والشرطة حطت حراسة على الأوضة بتاعتها لأن النيابة وجهت لها تهمة التستر والمشاركة في التزوير.. والأدهى من كده، أخوك سليم رجع مصر وقاعد دلوقتي في مكتب شيرين!
ياسين تراجع لورا وعينيه طلعت لبرا من الرعب:
— سليم؟ سليم رجع؟ لا.. سليم لو حط إيده على ورق الشركات هيعرف إني كنت عارف إن الولد مش ابني.. هيعرف إني كنت عايز أموت ابن ندى!
رفعت هز راسه بحزن:
— هو عرف فعلاً.. وشيرين كمان عرفت. أنت مش بس داخل السجن في قضية تزوير وتبديل عيال يا ياسين.. أنت داخل في قضية شروع في قتل وتصفية حسابات عائلية هتحكم عليك بالمؤبد.
بالعودة لمكتب شيرين..
سليم كان وافق مكانه، مذهول من قوة الست اللي قدامه، وحس لأول مرة إن كروت اللعب بتاعته مابقاش ليها قيمة. بص لشيرين وقال بنبرة فيها محاولة للاتفاق:
— طيب.. ما دام كلنا كاشفين ورقنا.. إيه رأيك نعمل تحالف؟ أنا وأنتِ نخلص على ياسين وأمي تماماً، ونقسم الشركات بالنص.. أنا آخد حقي القديم، وأنتِ تأمني مستقبل ابنك.
شيرين لفت ورا المكتب وتمشت لحد ما وقفت جنب سرير ابنها يوسف، طبعت بوسة رقيقة على جبهته، والتفتت لسليم وبصت له بنظرة احتقار خلت الدم يتجمد في عروقه، وقالت وهي بتشاور على الباب:
— أنا ما بتحالفش مع تعالب يا سليم. الورق اللي في شنطتك ده، أنا معايا نسخة أصلية منه والصيغة التنفيذية بتاعته صدرت من المحكمة لصالحي أنا.. لأن أبويا الله يرحمه كان هو الممول الرئيسي لعقد الشراكة ده برة مصر، والشرط الجزائي بيحول الحصة ليا في حالة غيابك أو تزوير الشركاء. يعني من الآخر.. أنت وياسين وأمكم مملكوش في المكان ده غير الهدوم اللي أنتوا لابسينها.
سليم اتراجع لورا وهو بيتنفس بسرعة، وحس إن السقف بيقع عليه. فتح بقّه عشان يتكلم، بس فجأة تليفون شيرين رن..
بصت في الشاشة، ولقت المتصل هو دكتور العناية المركزة في معهد القلب.. ردت وفتحت السبيكر، وجاء صوت الدكتور مرعوب وبيقول:
— مدام شيرين.. الحقينا.. ندى خطفت الطفل التعبان من الحضّانة وهربت بيه.. وسايبة رسالة بتقول إنها هتموت نفسها وتموّت ابنها في نفس المكان اللي ياسين حاول يدفنهم فيه!
شيرين عينيها لمعت ببريق مرعب، وبصت لسليم وقالت:
— يلا يا سليم بيه.. جه الوقت اللي تدفعوا فيه تمن وساختكم القديمة.. ندى رايحة القصر القديم في الشرقية.. والمجزرة اللي بدأت في المستشفى، هتخلص هناك!
انطلقت السيارة المرسيدس السوداء الخاصة بشيرين على طريق بلبيس الصحراوي المؤدي إلى ريف الشرقية كالسهم، وخلفها سيارة سليم الدالي الذي كان يقود بجنون والذعر يأكل قلبه؛ ليس خوفاً على ندى، بل رعباً من أن تموت ورقة ضغطه الأخيرة والوحيدة لاستعادة ثروته.. ابنه الحقيقي.
الجو كان ليلاً، والمطر بدأ ينزل بغزارة ليغسل تراب الطريق، وكأن السماء تهيئ المسرح للفصل الأقسى من الرواية. شيرين كانت حاطة إيدها على الدريكسيون بثبات مرعب، وعينها على الطريق، وفي عقلها شريط السبع سنين بيتعرض من تاني.. كل كدبة، كل نظرة حنين مزيفة من ياسين، كل كلمة قهر قالتها الحاجة كريمة.. كله كان بيتحول جواها لطاقة انتقام ملوش حدود.
في نفس الوقت، جوة القصر القديم بالشرقية.. البيت كان ضلمة وكئيب، ميه المطر كانت بتنزل من السقف المشقق بتاع الأوضة الباردة اللي شيرين حجزت فيها الطفل شهور. ندى كانت قاعدة في ركن الأوضة، ضامة الطفل التعبان لصدرها وهو بيتنفس بصعوبة شديدة وجسمه سقعان أوي بعد ما شالت منه أجهزة التنفس وهربت بيه.
ندى كانت بتبكي بهستيرية، شعرها مبلول وهدومها متقطعة، وبتبص للطفل وتقول:
— أبوك كان عايز يخلص منك عشان يورث يا حبيبي.. وعمك سليم رماني زمان عشان الفلوس.. وجدتك كريمة طردتك وقالت عليك خلفة شؤم.. مفيش مكان لينا في الدنيا دي.. الموت أرحم لي ولك من وساختهم!
فجأة، الباب الخشب القديم بتاع البيت اتهبد واتفتح بقوة. دخلت شيرين تتقدمها خطواتها الثابتة، ووراها سليم اللي كان بينهج وعرقان من الخوف.
ندى صرخت ووقفت لورا، وطلعت مطواة صغيرة كانت مخبياها في جيبها، وحطتها على رقبة الطفل وقالت بصوت مفزوع:
— ما حدش يقرب! لو حد قرب مني هأدبحه وأموت نفسي وراه! يا شيرين أنتِ أخدتي كل حاجة.. سبيني أموت مع ابني وارتاحي مننا!
سليم رفع إيديه وهو بيترعش وقرب خطوة:
— ندى.. اهدئي يا ندى.. الولد ده ابني أنا.. أنا رجعت عشانك وعشانه.. سيبيه وأنا مستعد أخدك ونسافر برة مصر ونبدأ من جديد.. ياسين خلاص انتهى وهيتسجن!
ندى ضحكت بمرارة ودموعها نازلة كالمطر:
— ابنك؟ دلوقتي بقى ابنك؟ لما عرفت إن شيرين لفت الحبل حوالين رقابكم كلكم وجردتكم من الملايين، افتكرت إن عندك ابن؟ أنت أحقر من ياسين يا سليم.. كلكم كلاب فلوس!
شيرين فضلت واقفة في مكانها، ملامحها ما اتهزتش، وبصت لندى بكل برود وقالت بنبرة صوت حادة زي حد السيف:
— نزلي السكينة دي يا ندى.. أنتِ أضعف بكتير من إنك تقتلي أو تموتي نفسك. أنتِ طول عمرك عشتي جارية لفلوس عيلة الدالي، ولحد اللحظة دي وأنتِ بتمثلي دور الضحية، مفكرتيش في الواد الغلبان اللي بيموت في إيدك ده.. فكرتي بس إزاي تدمري ياسين بعد ما غدر بيكي.
ندى هزت راسها بالنفي وهي بتصرخ:
— لأ.. لأ يا شيرين.. أنا بحب ابني!
شيرين قربت منها بخطوات بطيئة، وعينها في عين ندى مباشرة:
— اللي بتحب ابنها ما تشيلش منه خراطيم الأكسجين وتهرب بيه في المطر عشان تعمل نمرة وتكسب عطف الناس.. اللي بتحب ابنها بتسيب كرامتها تحت رجليها عشان يعيش.. أنا صرفت ملايين عشان أحمي ابنك وأخليه يتنفس، مش عشان سواد عيونك، عشان أثبت للعالم كله إن الأمومة شرف مش مجرد بطن بتشيل وخلاص.. نزلي الولد، لأن البوليس محاصر البيت برة، ولو الولد حصله حاجة، أنتِ اللي هتلبسي قضية قتل عمد.. وسليم بيه مش هيسمي عليكي!
في اللحظة دي، الطفل طلع منه صوت أنين ضعيف جداً، وجسمه اتنفض بين إيدين ندى وبدأ يزرق بالكامل بسبب نقص الأكسجين. ندى اتسمرت في مكانها من الرعب، والسكينة وقعت من إيدها على الأرض وهي بتعيط:
— ابني بيموت يا شيرين.. ابني بيموت!
سليم جري عشان يشد الولد منها، بس شيرين كانت أسرع؛ زقته بقوة لورا خبطته في الحيطة، وشالت الطفل بتمكن وسرعة، وطلعت من جيبها جهاز تنفس يدوي صغير كانت جايباه معاها من عربية الإسعاف اللي طلبتها وهي في الطريق، وحطته على وش الصغير وبدأت تضغط عليه بانتظام عشان ترجع الروح لجسمه.
الشرطة دخلت الأوضة في ثواني، ومعاهم دكاترة الإسعاف اللي استلموا الطفل فوراً وحطوه على الأجهزة المتنقلة وجريوا بيه على المستشفى.
ضابط المباحث بص لندى وسليم وقال:
— هاتوا الست دي.. وسليم بيه اتفضل معانا أنت كمان، لأن البلاغ المقدم من مدام شيرين بيشمل تقديم أوراق مزورة لشركات الدالي ومحاولة ابتزاز وتواطؤ مع المتهم ياسين الدالي.
سليم بص لشيرين بنظرة غل عمياء وهو بيتقاد بالكلابشات:
— مش هسيبك يا شيرين.. هخرج وههدم كل اللي بنيتيه!
شيرين لفت ضهرها ليهم وهي بتمسح نقطة مطر نزلت على وشها، وقالت بصوت واثق هز جدران البيت القديم:
— أعلى ما خيلك اركبه يا سليم.. عيلة الدالي خلاص انمحت من الدفاتر.. والاسم اللي كنتوا بتذلوا بيه الناس، بقى عنوان للفضايح في كل الجرايد.
بعد مرور يومين..
في قاعة محكمة جنايات القاهرة.. الحراسة كانت مشددة، وياسين واقف ورا القضبان وشه في الأرض، وجنبه أمه الحاجة كريمة اللي كانت قاعدة على كرسي متحرك ودموع الندم والذل نازلة على وشها العجوز، ووراهم سليم وندى بالكلابشات.
القاضي مسك المطرقة وخبط بيها وقال بصوت جهوري:
— حكمت المحكمة حضورياً.. بمعاقبة المتهم ياسين الدالي بالسجن المشدد لمدة 15 سنة.. ومعاقبة المتهمة كريمة الدالي بالسجن لمدة 5 سنوات.. وسجن المتهمين سليم الدالي وندى بالحبس مع الشغل لمدة 7 سنوات بتهم التزوير والشروع في القتل وتبديل الأطفال!
أصوات الصراخ والعويل ملأت القاعة، وياسين بص لشيرين اللي كانت قاعدة في الصف الأول بكامل أناقتها وجنبها محاميها.. ياسين صرخ من ورا القضبان:
— شيرين!! سامحيني يا شيرين! أنا ابنك.. ابننا يوسف ملوش ذنب يعيش من غير أب! ارحميني!
شيرين وقفت ببطء، لبست نظارتها الشمسية السوداء، وبصت له لآخر مرة من غير ما تنطق بكلمة واحدة.. لفت ضهرها وخرجت من القاعة وخطوات كعب جزمتها بيرن في الممر زي حكم إعدام جديد ليهم كلهم.
خرجت لساحة المحكمة، والجو كان شمس ونور، وبصت للسما وحست إنها أخيراً أخدت حقها وحق ابنها تالت ومتلت..
ركبت عربيتها المرسيدس، وأول ما دورت المحرك، تليفونها رن.. برقم مجهول.. ردت، فجاء صوت راجل غريب، صوته كان رخيم ويخوف، وقال لها جملة واحدة خلت الابتسامة تختفي من على وش شيرين، وتعرف إن اللعبة الحقيقية لسه هتبدأ حالا في الجزء الجاي..
