الملياردير 1
**”الملياردير اتهم الشغالة بالسرقة ورمى حاجتها في الشارع.. ومكنش يعرف إنها الوحيدة اللي بتحمي ولاده من الموت! بس الصرخة المرعبة اللي التوأم الثلاثي صرخوها في نص الطريق وقفت قلبه وغيرت كل حاجة في ثانية!”**
صوت خبط العجل بتاع شنطة الهدوم البلاستيك الرخيصة كان بيرن بوجع في الممرات الرخام بتاعة أكبر وأفخم كومباوند مقفول في التجمع.
تك.. تك.. تك.
الصوت كان باين ومكشوف أوي وسط الهدوء والرفاهية والنظافة اللي مالية المكان كله حواليها.. صوت طالع بكسرة نفس، وإهانة، ووجع حقيقي.
“إيمان” فضلت ماشية ومكملة طريقها لبرة.
رفضت تماماً تلف وشها وتبص وراها؛ كانت عارفة إنها لو لفت وراها ولو لثانية واحدة، الشوية الفاضلين من كرامتها هيقعوا ويتهدوا تحت الشمس الحامية بتاعت بعد الظهر. كانت لسه لابس جلبية الشغل الكحلي بتاعة الخدم، والألعن من كدة، إن الجوانتي الأصفر بتاع التنظيف لسه كان في إيديها اللي بتترعش من الصدمة.
طردوها بسرعة وجبروت لدرجة ملوش لها وقت حتى تغير هدومها وتلبس لبس خروجها.
“اطلعي برة! مش عوز أشوف وشك هنا حالا!” ده كان زعيق وصراخ “عامر الهواري” من كام دقيقة بس جوة الفيلا.
رئيس مجلس إدارة شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، الحوت اللي إيمان اشتغلت عنده بكل أمانة وإخلاص لمدة ٣ سنين كاملين من غير ما تشتكي ولا تفتح بوقها بكلمة.
الدموع كانت نازلة على خدودها زي الشلال ومخلوطة بالعرق، بس مكنتش بتعيط عشان خسرت شغلها، ولا حتى عشان تهمة السرقة اللي اتفتحت لها وتفبركت بذكاء شديد من خطيبة عامر، “ليلى المنصوري”.
هي كانت بتبكي بحرقة لإنها سايباهم لوحدهم وراها.
سليم.. وياسين.. وكريم.
ولادها.. التوأم الثلاثي اللي عندهم ٥ سنين، اللي عمرهم ما شافوا أمهم الحقيقية لإنها ماتت وهي بتولدهم، وملقوش في الدنيا دي حنان، ولا دفا، ولا أمان إلا في حِضن إيمان جوة القصر الكبير ده اللي كله رخام ساقع وسكوت يزهق.
قبل اللحظة دي بحاجات بسيطة، كل حاجة اتهدت جوة مكتبة الفيلا.
ليلى.. الست الشيك، الأنيقة، واللي قلبها كله غل وشر من جواها.. دست الساعة الرولكس الذهب بتاعتها جوة شنطة إيمان في السر. ولما عامر دخل الأوضة وهو هلكان وتعبان من كتر مكالمات الشغل والمشاكل، ليلى مثلت الدور عليها بأعلى مهارة وتمثيل.
همست بصوت ناعم ومكسور وهي بتمثل العياط: “سرقتني يا عامر.. الشغالة دي طلعت حرامية ومدت إيدها على حاجتي.”
عامر مأخدش ثانية واحدة يفكر.
ولا حتى لثانية.
مفكرش في ٣ سنين من الأمانة والإخلاص والتعب.
مفكرش في الطريقة اللي ولاده الثلاثة بيكلبشوا بيها في إيمان كأنها الست الوحيدة في الدنيا اللي بتحسسهم بالأمان والطمأنينة.
هو مكنش باصص غير لحتة شغالة فقيرة غلبانة.. وللست الغنية صاحبة الحسب والنسب اللي ناوي يتجوزها ويناسب أهلها.
القرار طلع من بوقه في ثانية كأنه رصاصة: “اطلعي برة! ولو شفتك بتهوبي ناحية ولادي تاني، هطلب لك البوليس يرميكِ في السجن!”
وبعدها رمى رزمة فلوس في الأرض تحت رجليها.. كأنها زبالة وبيرمي لها حقها بقرف.
إيمان موطّتْش الأرض ولا لمست الفلوس بصباعها.
لفت وشها ومشت في سكات.. وهي مش عارفة إن بعد كام دقيقة بالظبط، صرخات الرعب والعذاب اللي هتطلع من حنجرة الـ ٣ عيال في نص الشارع، هتزلزل الكومباوند كله.. وهتكشف حقيقة مرعبة هتخلي الدم يتجمد في عروق عامر الهواري طول عمره!
يا ترى التوأم الثلاثي صرخوا وقالوا إيه في نص الشارع وخلى عامر قلبه يقف من الصدمة؟ وإيه الكارثة المرعبة اللي ليلى خطيبته كانت بتعملها في العيال من ورا أبوه وإيمان هي الوحيدة اللي كانت حامية الولاد منها؟ وإزاي عامر هيركع في وسط التراب عشان يطلب السماح من الشغالة بعد ما يعرف الحقيقة؟
تك.. تك.. تك.
اختفى صوت عجل الشنطة البلاستيك تماماً ورا البوابة الحديدية الضخمة بتاعة الكومباوند، ومع اختفائه، خيم على فيلا عامر الهواري سكوت غريب.. سكوت مرعب شبه الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
جوه الفيلا، عامر كان واقف في الصالون، إيده في جيبه، وعينيه باصة للأرض بعصبية ونرفزة. ليلى كانت قاعدة على الكنبة الجلد المريحة، بتعدل شعرها في المراية، وعلى وشها ابتسامة نصر خبيثة وهي بتقول بدلع: “أهو كدة القصر نِظف يا حبيبي.. الأشكال دي مكنش ينفع تقعد وسطنا ثانية واحدة كمان.”
عامر ماردش.. كان فيه حاجة جواه مش مريحة، إحساس بالذنب حاول يداريه ورا كبريائه وفلوسه. وفجأة.. السكوت ده اتقطع.
مش بصوت عياط عادّي.. ولا زعل أطفال.
دي كانت صرخة مرعبة.. صرخة جماعية طلعت من حنجرة سليم وياسين وكريم في نفس اللحظة. صرخة فيها كمية رعب وعذاب خلت عامر يتنفض من مكانه كأن صعقة كهرباء ضربت جسمه، وحتى ليلى اتخضت ووقفت ذهبانة.
العيال الثلاثة، اللي عندهم ٥ سنين، نزلوا يجروا على السلم الرخام بسرعة جنونية، رجليهم كانت بتخبط في بعض، ووشوشهم كانت بيضاء زي الأموات، ودموعهم نازلة بغزارة. هما مش بس بيعيطوا، هما كانوا بيصرخوا بأعلى صوت عندهم في نص الصالة والشارع برة بعد ما فتحوا الباب: “إيمااااان! إيماااان! متسبيناش.. هتموتنا! هتموتنا تاني!”
عامر جري عليهم ووطى في الأرض عشان يمسكهم: “في إيه؟ مالكم؟ إيمان مشت خلاص.. أنا هنا معاكم!”
لكن الولاد الثلاثة، وبشكل تلقائي، زقوا إيد أبوهم برعب وغل كأنه غريب عنهم، واستخبوا كلهم ورا الستارة وهم بيترعشوا بطريقة هستيرية، وعينيهم الستة كانت باصة في اتجاه واحد بس.. باصة لليلى!
كريم، أصغرهم، شاور بصابعه اللي بيترعش على ليلى وصرخ بصوت مخنوق من الرعب: “هي اللي سرقت الساعة! هي اللي حطتها في شنطة ددا إيمان! إحنا شفنا الكاميرا.. شفنا اللعبة!”
عامر لف وشه لليلى بذهول، لكن الصدمة الحقيقية مكنتش هنا. سليم، الأخ الكبير، صرخ وهو بيمسك دماغه: “الحقنا يا بابا.. العصير! العصير الأصفر اللي طنط ليلى بتديهولنا كل يوم عشان ننام.. إيمان كانت بترميه في الحوض وتدينا عصير تفاح بداله! إيمان قالت لنا لو شربتوه مش هتصحوا تاني!”
في اللحظة دي، ليلى وشها اتقلب ألوان، وحاولت تتكلم وتزعق: “أنتوا عيال كدابين! عامر متصدقهمش.. دي الشغالة اللي محفظاهم الكلام ده!”
لكن ياسين صرخ وطلع من جيبه شريط دواء صغير فضي، كان مخبيه جوة شرابه، ورماه في الأرض: “ده الدواء اللي طنط ليلى كانت بتهرسه وتدوبه في العصير.. إيمان أخدت الشريط ده من شنطتها وشالت الباقي في المطبخ عشان توريه للدكتور! إيمان كانت بتسهر جنبنا طول الليل تقيس لنا النفس عشان خايفة نموت!”
عامر بص لشريط الدواء اللي في الأرض.. وبحكم خبرته وعلاقاته، عرف شكل الشريط فوراً. ده كان دواء مهدئ قوي جداً وممنوع تماماً للأطفال، جرعة تانية منه كانت كفيلة توقف قلب عيل صغير في النوم وميبانش في التشريح غير إنه موت مفاجئ!
الشياطين بدأت تتنطط قدام عين عامر الهواري. شريط الذكريات لـ ٣ سنين فاتوا مر قدام عينيه في ثانية.. افتكر إزاي الولاد مكنوش بيرضوا يشربوا أي حاجة من إيد ليلى، وافتكر إزاي إيمان كانت دايماً سهرانة ووشها تعبان وعينيها منفوخة من قلة النوم وهي قاعدة تحت رجلي التوأم.
ليلى كانت بتخطط تخلص من العيال الثلاثة بالبطيء، عشان لما تتجوز عامر، تكون هي الوريثة الوحيدة لكل ثروته وشركاته، ومفيش عيال يشاركوها في الملايين! وإيمان.. الشغالة الغلبانة اللي رما حاجتها في الشارع، كانت هي السد المنيع، والدرع اللي حامي ولاده من الموت المحقق بقالها شهور، وهي بتلاعب ليلى من ورا ظهره عشان تحمي العيال من غير ما تعمل شوشرة تهد البيت لحد ما تلاقي إثبات طبي قاطع.
عامر حس إن الأرض بتلف بيه. النفس هرب من صدره، وبص لليلى بنظرة وحش كاسر. ليلى رجعت لورا برعب وهي بتمتم: “عامر.. أنا.. أنا كنت عاوزه نعيش لوحدنا.. العيال دول مجانين..”
عامر مقدرش يمسك نفسه، صرخ بكل قوته صرخة هزت حيطان الفيلا، وهجم على ليلى، مسكها من دراعها بقوة لدرجة إن عضمها كاد يتكسر، وزقها برة الباب على السلم الخارجي وهو بيزعق للـ أمن بتوع الكومباوند في اللاسلكي: “اطلبوا البوليس حالا! ليلى المنصوري متطلعش برة البوابة! اطلبوووووا البوليس!”
رمى ليلى في التراب برة الفيلا، ولف وشه لولاده اللي كانوا لسه بيعيطوا بهستيريا. نزل على ركبه في الأرض، ودموعه، لأول مرة في حياته، نزلت بغزارة.. دموع الندم، والعجز، والصدمة.
بص لإيديه اللي طردت إيمان.. وافتكر شكل الجوانتي الأصفر وجلبية الشغل والكسرة اللي كانت في عينيها.
الحوت، الملياردير صاحب النفوذ، حس في اللحظة دي إنه أصغر وأحقر إنسان في الدنيا.
جرى بسرعة برة الفيلا، وركب عربيته ودار المحرك بأقصى سرعة، وطلع يجرى في شوارع الكومباوند زي المجنون.. بيدور بعينيه في كل حتة على الجلبية الكحلي والشنطة البلاستيك الرخيصة.. بيدور على الست اللي داس على كرامتها وهي شايلة أرواح ولاده في عينيها.
يا ترى عامر هيلحق إيمان قبل ما تخرج من البوابة الرئيسية وتختفي في زحمة الشوارع؟ وإيه اللي هيحصل لما عامر يضطر يوطي في وسط الشارع قدام كل الناس عشان يترجاها ترجع؟ ومنين هيجيب الوش اللي يقابل بيه البنت اللي ا تهمها بالشرف والأمانة وهي أنظف من كل اللي حواليه؟