اكتشفت إن جوزى 5الاخير
حكايات امانى السيد
تسمرت مكاني، والبرودة بتنهش في عظامي وأنا شايفة خيال الست دي بيقرب من نور الكشاف الضعيف اللي في إيدي. كانت ست في منتهى الأناقة، ملامحها هادية بس عينيها فيها قوة تخوف. وقفت قدامي وبصت للصورة اللي في إيدي وقالت بابتسامة باهتة:
* “أنا (نورا).. الزوجة اللي أحمد كان بيحبها بجد، بس كان بيخاف منها في نفس الوقت.”
وقعت الشنطة من إيدي وقلت بصوت بيترعش:
* “يعني إيه؟ هو أحمد متجوز كام واحدة؟ وأنتِ كنتِ فين طول السنين دي؟”
نورا قربت وسحبت كرسي قديم وقعدت ببرود وكأننا في صالون بيتها:
* “أحمد اتجوز ليلى عشان قرشين أهلها، واتجوزك أنتِ عشان الحنية والبيت اللي يلم فيه شتاته، لكن أنا كنت (شريكته).. الشريكة اللي بدأت معاه من الصفر في التجارة المشبوهة اللي عمل منها ثروته اللي مخبيها عنكم كلكم. وبنتي اللي في الصورة دي، أحمد مخبيها في مدرسة داخلية بره مصر، عشان خايف عليها من غل ليلى ومن (عقدة الذنب) اللي ملاحقاه تجاهك.”
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، أحمد اللي كنت فاكراه موظف بسيط بيكافح، طلع “تاجر” وليه ثروة وسر مخبيه عن الكل! كملت نورا كلامها وصوتها بدأ يحدة:
* “أحمد مش عاجز يا منى.. أحمد بيمثل الشلل عشان يهرب من الديون والملاحقات اللي بدأت تظهر بعد ما (عزة) و (سميحة) فضحوا الدنيا. هو فاكر إنه لما يبان مكسور، الكل هيسيبوه في حاله، بما فيهم أنتِ وليلى والديانة.”
قلت بذهول:
* “بيمثل الشلل؟ أنا شفته وهو بيزحف في البيت! شفته وهو واقع من على الكرسي!”
ضحكت نورا بمرارة:
* “أحمد ممثل بارع، نسي إن أنا اللي معلمة أصول اللعبة. هو دلوقتي بيخطط إنه ياخد (ورث رباب) اللي ليلى سابتهولها ويهرب بيه لبنتي و ليا بره مصر، وأنتِ كنتِ مجرد (ستار) بيحتمي وراه لحد ما العاصفة تعدي.”
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة فوق السلم، وصوت حد بينزل بسرعة. بصيت لقيت “أحمد” واقف على رجله في ضلمة مدخل المخزن! مكنش فيه كرسي متحرك، ولا كان فيه رعشة في إيده. كان واقف بكامل قوته، وفي عينه نظرة شر عمري ما شوفتها قبل كده.
بص لـ نورا وقال بغضب مكتوم:
* “ليه يا نورا؟ ليه جيتي دلوقتي وفسدتي كل حاجة؟ كان فاضل خطوة واحدة وأمن مستقبلي ومستقبلك!”
نورا وقفت وقالتله بقوة:
* “عشان أنت خاين يا أحمد.. كنت عايز تهرب بالفلوس لوحدك وتسيبني أنا وبنتك نواجه المصير الأسود هنا. كنت فاكر إنك لما تضحك على منى الغلبانة وتخليها تطلقك وتصرف ورث بنتها، هتاخد الفلوس وتطير؟”
أحمد قرب مني، وأنا برجع لورا لحد ما لزقت في الحيطة، قال لي بنبرة حاولت تبان حنينة بس كانت مرعبة:
* “منى.. متصدقيش كلامها. أنا عملت كل ده عشان أحميكم. ليلى كانت عايزة تدمرنا، وأنا كان لازم أسبقها بخطوة. وقعي على ورق الطلاق وخدي الفلوس من شركة التأمين، وهنسافر كلنا سوا، أنا وأنتِ ورباب ونورا وبنتي التانية.. هنبقى عيلة واحدة كبيرة بره مصر!”
بصيت له باحتقار مقدرتش أداريه، تفيت في الأرض وقلت له:
* “عيلة واحدة؟ أنت شيطان.. أنت مش بس كداب، أنت تاجر بقلوبنا وبحياتنا. أنا مش هوقع على حاجة، ورباب مش هتاخد مليم من ريحتك القذرة دي.”
أحمد وشه اتحول لسواد، وطلع من جيبه “مطواة” وفتحها ببطء وقال بصوت بارد:
* “أنا خسرت كل حاجة يا منى.. مش هخسر الثروة دي كمان. هتوقعي، وإلا رباب اللي في بيت أهلك دلوقتي مش هتشوف النور تاني.. أنا باعت ناس هناك مستنيين مكالمة مني!”
الدم هرب من عروقي، بنتي! بنتي في خطر بسببه! نورا بصت له بصدمة وقالت:
* “أنت هددتها ببنتها يا أحمد؟ لدرجة دي وصلت بيك؟”
أحمد مردش عليها، وكان بيقرب مني بالمطواة وهو بيقول: “وقعي يا منى.. الورق في الشنطة دي، وقعي واخلصي.”
وفجأة، المخزن كله اتهز بصوت انفجار قوي بره، وصوت سرينات شرطة بتهز المنطقة كلها. أحمد ارتبك وبص وراه، وفي اللحظة دي نورا هجمت عليه وحاولت تاخد منه المطواة وهي بتصرخ: “اجري يا منى! خدي الورق واجري!”
جريت وأنا مش شايفة قدامي، طلعت من المخزن والشرطة كانت محاوطة البيت كله. المحامي بتاعي كان واقف معاهم ومعاه “سميحة” اللي كانت بتبكي وبتقول: “هو اللي أجبرنا! هو اللي كان بيدينا فلوس عشان نخرب بيت منى!”
وقفت قدام الضابط وأنا بنهج، وقلت له: “أحمد جوه.. ومعاه زوجة تالتة، وهو اللي مهدد بنتي!”
**الضابط بص لي بهدوء وقال لي جملة خلتني أقف مكاني زي الصنم:**
* **”مدام منى.. إحنا مش جايين عشان أحمد بس. إحنا جايين عشان (ليلى)!”**
قلت بذهول: “ليلى؟ ليلى ماتت من زمان!”
**الضابط رد عليا وهو بيفتح باب بوكس الشرطة وخرجت منها ست وشها شاحب بس لسه حية:**
* **”ليلى ممتتش يا مدام.. ليلى كانت محبوسة في مستشفى أمراض عقلية خاصة بمصاريف بيدفعها أحمد عشان يخلص من وجودها ويورثها وهي حية! والنهاردة الحقيقة كلها هتظهر!”**
بصيت لـ ليلى اللي كانت واقفة قدامي، عينيها جت في عيني، ولقيتها بتبتسم بوجع وتقول:
* **”شكراً يا منى.. أنتِ اللي حررتيني من السجن ده لما دورتي ورا الحقيقة.”**
**وقبل ما أنطق، سمعنا صوت طلقة رصاص طالعة من المخزن تحت السلم!**
تجمدت الدماء في عروقي مع صدى صوت الرصاصة التي انطلقت من قاع المخزن. هرع رجال الشرطة إلى الأسفل، ولحظات ثقيلة مرت كأنها دهر، حتى خرجوا يحملون “أحمد” مصاباً في كتفه بعدما حاول إنهاء حياته هرباً من المواجهة، بينما كانت “نورا” تقف في ذهول وهي تدرك أن ليلى التي ظنت أنها دفنتها بالسر ما زالت تتنفس.
التقت عيناي بعيني “ليلى”.. تلك المرأة التي ظلمتها بجهلي، وظلمتني بمرضها وانتقامها. اقتربتُ منها بخطوات مثقلة، لم أجد في قلبي كرهًا لها، بل وجدت شفقة على ضحيتين لرجل واحد لم يعرف معنى الوفاء.
نظرت إليّ ليلى وقالت بصوت واهن:
* “سامحيني يا منى.. أنا زرعت الشوك في طريقك لأني كنت فاكرة إنك شريكة في سجني، مكنتش أعرف إنك كنتِ سجينة زيك زيي، بس في سجن من كدب وخداع.”
بكيتُ بحرقة وأنا أحتضن “رباب” التي جاء بها خالي إلى مكان الحادث بعدما أمنت الشرطة بيت أهلي. نظرتُ إلى “أحمد” وهو يُساق إلى سيارة الإسعاف تحت حراسة مشددة، رجلٌ بنى قصوراً من رمال على حساب قلوب النساء، فوجد نفسه في النهاية غارقاً في وحل أفعاله.
### **النهاية.. وبداية جديدة**
مرت الشهور، وانقشع الضباب عن حياتي. تم طلاقي من أحمد رسمياً، وحصلت “رباب” على كامل حقوقها ليس كمنحة منه، بل بحكم العدل والقانون. “ليلى” استردت صحتها تدريجياً وبدأت رحلة علاج طويلة مع ابنتها “هبة” في مصحة متخصصة، محاولةً غسل سنوات الغل والسموم التي زرعتها “عزة” و”سميحة” في عقل البنت الصغيرة. أما “نورا”، فقد واجهت مصيرها خلف القضبان بتهمة التستر والشراكة في أعمال أحمد المشبوهة.
عدتُ إلى بيتي، لكنه لم يعد ذلك البيت القديم المليء بالخوف، بل أصبح مملكتي الصغيرة التي أسستها بصدقي وجهدي. وقفتُ أمام المرآة، لم أرَ تلك المرأة المكسورة التي بلعت ريقها بصعوبة في أول ليلة دخلت فيها “هبة” بيتي، بل رأيت امرأة صهرتها النيران فخرجت ذهباً خالصاً.
### **الحكمة من الحكاية**
في نهاية هذا الطريق الوعر، تعلمتُ أن:
* **البيت لا يُبنى على الأنقاض:** الحقيقة المرة دائماً أفضل من الوهم المريح، والبيت الذي يُبنى على كذبة، مهما طال أمد بقائه، سيهدمه الصدق يوماً ما.
* **الخير لا يضيع:** “صنائع المعروف تقي مصارع السوء”. وقوفي مع “هبة” في البداية رغم جرحي، كان هو الخيط الذي جعل “ليلى” تحاول حماية ابنتي “رباب” لاحقاً، فالرحمة التي تزرعها في قلبك ستعود إليك يوماً من حيث لا تحتسب.
* **المرأة سند لنفسها:** الظلم لا يدوم، والكرامة أغلى من أي جدران. الصبر جميل، لكن الصبر على الإهانة والظلم ليس فضيلة، بل هو قيد يجب كسرُه.
* **العدل الإلهي:** قد يمهل الله الظالم، لكنه لا يهمله. “أحمد” الذي تلاعب بالجميع ليجمع المال والقوة، انتهى به الحال وحيداً خلف القضبان، لا يملك سوى ندمٍ لن يعيد له ما فات.
أمسكتُ يد “رباب” وخرجنا إلى الشرفة لنستقبل شمس يوم جديد، وقلتُ لها:
“يا بنتي، عيشي حياتك بالحق، ولا تخافي من الحقيقة مهما كانت مُرة، فالشجرة التي تروى بماء الصدق، لا تكسرها أعاصير الكذب.”
**تمت.**