جوزى حكايات رومانى مكرم 3
الخبط على الباب بقى زي الرعد، الخشب كان بيزيق وهيتهد في أي ثانية. رامي كان واقف وجسمه كله بيتفض، عينه على باب الشقة وعينه التانية على تليفونه اللي فيه الرسالة والعنوان.
مسكته من كتفه بقوة وضغطت عليه عشان يفوق من صدمته، وقولتله بفحيح واطي وسريع: “مفيش وقت للخوف.. لو هربت، هتبقى أثبت التهمة على نفسك وبقيت مطارَد في قض..ية خطـ ف وشروع في قـ تل. ولو قعدت، البوليس معاه أدلة ضدك بسبب جنانك في الفندق.. اسمعني كويس، أنت هتمشي من باب السطوح زي ما الراجل ده قال، بس مش عشان تنقذ نادين.. عشان تجيب الراجل اللي ورا المصيبة دي، وأنا هقعد هنا وأعطل البوليس على قد ما أقدر عشان أديك وقت!”
بصلي بنظرة مش فاهمها، نظرة بين الذهول والخزي، وقالي بصوت مخنوق: “بتنقذيني يا سمر بعد كل اللي عملته فيكي؟!”
زقيته ناحية المطبخ اللي فيه السلم الداخلي الموصل للسطوح وقولتله بقسوة: “أنا بنقذ نفسي وبنقذ اسم عيلتي من الفضيحة.. مش وقت كلام، اخلص! وابعتلي العنوان اللي جالك في الرسالة على تليفوني فوراً!”
بسرعة بعتلي العنوان، وجري على السلم وطار على السطوح. في نفس اللحظة، الباب اتكسر برقعة عالية، ودخل ضابط ومعه تلات عساكر مسلحين، والطبنجات كانت متوجهة في كل حتة.
الضابط بصلي بعين حادة ولقى الشقة ضلمة وأنا واقفة في وسط الصالة بترعش: “فين رامي؟ رامي فين يا مدام؟”
حاولت أبان منهارة وخايفة، ووقعت في الأرض وأنا بعيط بهيستيريا تمثيلية: “الحقوني يا فندم! رامي ساب البيت من بعد نص الليل لابس ومجنون ومش عارفة ماله.. نزل ومأعرفش طريق لية، وفجأة لقيتكم بتكسروا الباب.. في إيه؟ جوزي جرى له حاجة؟”
الضابط مبصش لدموعي، شاور للعساكر وقال بنبرة حازمة: “فتشوا الشقة حتة حتة، واطلعوا على السطوح بسرعة!”
قلبي سقط في رجليا.. السطوح! لو العساكر طلعوا دلوقتي هيجيبوا رامي قبل ما ينزل الشارع. وفجأة لقيت نفسي بصرخ وأنا ماسكة في رجل الضابط: “آه.. بطني! الحقني يا فندم أنا بموت.. رامي ضـ ربني ونزل وأنا بنزف ومبقتش قادرة!”
الحيلة دي خلت الضابط يتردد ثانية، وبص لعسكري وقاله: “اطلب الإسعاف بسرعة.. وأنت اطلّع فتش فوق!”
العسكري طلع السطوح وغاب حوالي خمس دقايق، الخمس دقايق دول كانوا بنسبالي زي خمس سنين.. كنت بدعي في سري إن رامي يكون عرف ينزل من بيت الجيران ويركب أي حاجة. نزل العسكري وهو بينهج: “يا فندم السطوح فاضي، بس باب المناور اللي بيعدي للبيت اللي جمبنا مفتوح.. شكله هرب من هناك!”
الضابط بصلي بنظرة شك قوية، وقرب مني وقالي وهو بيضيق عينه: “أنتِ شكلِك مش سهلة يا مدام وساعدتيه.. تليفونك وتليفونه فين؟”
قومت وقفت ومسحت دموعي وثبت نفسي: “تليفوني اهو.. وتليفونه مش هنا، أخدوا معاه. أنا معرفش حاجة عن خطف نادين، أنا كنت في البيت هنا.”
الضابط اتفاجئ إني عرفت اسم نادين وموضوع الخطف وأنا لسه قايلة إني معرفش حاجة! مسك تليفوني بسرعة وقال: “وأنتِ عرفتي منين إن نادين اتخطفت يا مدام سمر وإحنا لسه مقولناش تهمته إيه؟ أقسم بالله لو ليكي يد في التهريب ده لتباتي في التخشيبة النهاردة! خدوها معايا على البوكس، واعملوا نشرة بمواصفات المتهم رامي وعربيته!”
أخدوني ونزلت وسط حراسة، والجيران كلهم كانوا واقفين في البلكونات بيتفرجوا عليا.. الفضيحة اللي كنت خايفة منها حصلت، وبقيت مركب في قفص الاتهام. ركبوني البوكس والدموع جفت في عيني.. مبقاش فيا مكان للوجع، بقى فيا رغبة واحدة بس: إني أعرف مين اللي بيلعب بينا اللعبة القـ ذرة دي؟ وليه عاوز يدمر رامي بالذات ويلبسه التهمة؟
في نفس الوقت، تليفوني اللي كان في جيب الضابط بدأ ينور ويهتز.. الرسالة اللي وصلت مكنتش من رامي، كانت رسالة من رقم ريهام تاني! لمحت طرف الشاشة وهي بتنور وجواها جملة واحدة: “البوليس أكل الطُعم.. ورامي دلوقتي رايح لـ حتفه برجليه!”
عرفت ساعتها إن ريهام مش صاحبة نادين الوفية.. ريهام هي راس الأفعى وشريكة المجرم اللي خطف البنت!
على الجانب الآخر.. رامي كان بيجري في الشوارع الجانبية الضلمة، ونفسه مقطوع. وصل للعنوان اللي مبعوت له في الرسالة.. كان مصنع طوب مهجور على أطراف المنطقة، المكان حيطانه مهدومة وضلمة كحل، ومفيش فيه صريخ ابن يومين غير صوت الكلاب الضالة.
دخل رامي وهو بيترعش وبيهمس: “نادين؟ نادين أنتِ هنا؟”
وفجأة.. النور قاد في وش رامي مرة واحدة، وظهرت نادين مربوطة على كرسي في وسط المكان، بوقها مكمم بـ بلاستر وعينها منفوخة من العياط.. وواقف وراها راجل ماسك طـ بنجة وموجهها لراسها.
الراجل ده أول ما لف وشه ورامي شافه.. رامي صرخ بذهول وصدمة هزت جدران المكان: “أنت؟! مش ممكن.. أنت مش مـ وت من خمس سنين؟!”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
رامي وقف مذهول، عينه جاحظة والدم هرب من وشه، والكلمة طلعت من بؤه بالعافية: “أنت؟! مش ممكن.. أنت مش مـ وت في حادثة العربية من خمس سنين؟!”
الراجل اللي كان واقف ورا نادين بصلنا بضحكة باردة، ضحكة خلت ضهري يقشعر، ورمى الطـ بنجة على جنبه ببرود ونزل القناع عن وشه. كان “حسام”، خطيب نادين الأول، الراجل اللي كلنا فاكرينه مات ودفناه، الراجل اللي نادين كانت بتحبه قبل ما تقابل رامي وتتخطب له.
حسام قرب من نادين، شال التكميم من بؤها ببطء، وهي بدأت تصرخ برعب: “رامي! ابعد من هنا، ده مجنون! ده مش طبيعي!”
حسام قاطع صرختها بـ ضـ ربة على وشها خلتها تخرس، وبص لرامي وقال بنبرة مليانة سم: “استغربت؟ الدنيا صغيرة يا رامي، والوجع اللي ذقته وأنا شايف حبيبتي بتبعد عني وبتتخطب لواحد زيك، مكنش يداويه غير إني أشوفك بتتحرق وتتدمر.. لا، ومين؟ بأيدي أنا!”
رامي كان بيترعش، حط إيده على دماغه وقال: “أنت اللي عملت كل ده؟ أنت اللي بعت التهديدات؟ أنت اللي خطفتها؟ طب ليه؟ ليه تلبسني تهمة أنا؟”
حسام ضحك بسخرية وقال: “لأنك كنت العقبة! نادين كانت بتحبني، بس أهلي وأهلها فرقونا عشان ظروفي.. لما وقعت في الحادثة وخرجت منها بـ عاهة خلتني أبعد عن الناس، شوفت نادين وهي بتخطب لواحد زيك، غلي زاد. ريهام؟ ريهام كانت بتكره نادين لأنها كانت بتغير منها، فكانت هي عيني ودنياي.. هي اللي كانت بتكتب لي أخبارك وأخبار نادين، هي اللي رتبت لي كل حاجة، حتى الفخ اللي وقعت فيه النهارده.”
في الوقت ده، أنا كنت لسه في البوكس، والضابط كان بيقلب في تليفوني بفضول. وفجأة، وصل لرسالة بعتها رامي ليا قبل ما يهرب، رسالة كان باعتها فيها صوته بتسجيل: “سمر، أنا رايح للمصنع المهجور على طريق… حسام عايش يا سمر! حسام اللي خطفها!”
الضابط بصلنا بذهول، وقام وقف وقال بصوت عالي للسواق: “ارجعوا بسرعة على عنوان المصنع المهجور! ده بلاغ كاذب من المجرم الحقيقي! رامي متورط في حاجة أكبر!”
في المصنع، كان حسام طلع خنجر وبدأ يقرب من نادين، ورامي كان واقف زي المشلول مش عارف يعمل إيه، كان خايف يتحرك يقتلوها، وخايف يستسلم فيقتلهم الاتنين.
رامي زعق بحرقة: “يا حسام، سيبها! نادين ملهاش ذنب! لو عايز تنتقم، انتقم مني أنا!”
حسام اتجنن، وبدأ يقرب الخنجر من رقبة نادين: “لا، أنا عايزك تشوفها وهي بتضيع، زي ما ضيعتني!”
في اللحظة دي، سمعنا صوت سرينة البوليس بتقرب من المصنع بجنون، والأنوار الكشافات بدأت تخبط في الحيطان المهجورة. حسام اتوتر، عينه بدأت تلف في المكان بخوف، ورامي استغل اللحظة دي.. نطر نفسه على حسام بكل قوته!
الاتنين وقعوا على الأرض، وبدأوا يتصارعوا على الخنجر. نادين كانت بتصرخ، وأنا وصلت مع البوليس ودخلنا المصنع بجرى. أول حاجة عيني وقعت عليها، رامي وهو بيحاول يسيطر على حسام، وحسام بيحاول يغرز الخنجر في كتف رامي.
الضابط صرخ: “سيبوا السلا..ح فوراً!”
حسام أول ما شاف البوليس، بدل ما يستسلم، قام بسرعة وشـ د نادين قدامه كـ درع، ومسك الخنجر على رقبتها وقال بصوت عالي: “محدش يقرب! لو قربتوا، هنهي حياتها قدامكم!”
رامي كان بينزف من كتفه، بصلي وعينه فيها نظرة وداع، نظرة بتقولي “سامحيني”.. وفجأة، رمى نفسه تاني على حسام، بس المرة دي حسام فقد توازنه، والاتنين وقعوا قريب من برميل كبير مليان مواد كيميائية مهجورة في المصنع، والخنجر غرز في كتف رامي، وحسام اتخبط راسه في طرف البرميل ووقع ميبتحركش.
نطت على نادين فكيتها من القيود، والبوليس قبض على حسام اللي كان لسه بيتنفس بس فاقد الوعي، ونقلوا رامي اللي غرقان في دمه على المستشفى.
نادين كانت منهاره، وأنا كنت واقفة قدامهم، حاسة إن العالم كله بيترج من تحتي.. رامي كان بيحاول يفتح عينه، وبصلي بصعوبة، وكان عايز يقول كلمة، بس الوجع كان أقوى منه.
أنا مسكت إيده، ولقيت نفسي بقوله: “أوعى تروح يا رامي.. أوعى تسيبني.. لسه مخلصناش كلامنا.”
حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم
مرت الساعات جوة المستشفى وكأنها سنين، كنت واقفة قدام غطاء غرفة العمليات، هدومي متبهدلة، والدموع جفت في عيني. نادين كانت قاعدة بعيد مع عيلتها اللي وصلوا وجسمها لسه بيتنفض، وعريسها اللي انضرب برة القاعة اتنقل لنفس المستشفى وحالته استقرت.
بعد وقت طويل، الدكتور خرج والتعب باين على وشه، جربت عليه بلهفة: “طمني يا دكتور، رامي جراله إيه؟”
الدكتور اتنهد وقالي: “الحمد لله، الطعنة كانت قريبة من الشريان بس ربنا ستر، قدرنا نوقف النزيف وخيطنا الجرح، وهو دلوقتي اتنقل أوضة عادية وتحت الملاحظة، ربع ساعة وتقدروا تشوفوه.”
دخلت الأوضة لوحدي، كان نايم على السرير، وشه شاحب زي الورقة، والأجهزة حواليه بتصفر بصوت رتيب. قعدت على الكرسي اللي جمبه، وبصيت لملامحه.. رامي اللي عشت معاه تلات سنين، رامي اللي من كام ساعة بس كان بيعيط بحرقة عشان واحدة تانية، هو نفسه الراجل اللي رمى نفسه قدام الموت عشان ينقذها وينقذنا من الفضيحة والمصيبة.
بدأ يفتح عينه ببطء، وأول ما شافني، دموعه نزلت من طرف عينه، وحاول يتكلم بصوت شرقان ومبحوح: “سمر.. أنتِ لسه هنا؟”
قولتله بهدوء ونبرة حاسمة: “أنا هنا لحد ما أطمن عليك يا رامي.”
مسك إيدي بضعف وقالي: “أنا ميرضينيش أموت وأنا واخد ذنبك.. أنا لما شوفت حسام وشوفت نادين بتموت، فوقت.. فوقت وعرفت إن الوهم اللي كنت عايش فيه كان هيضيعنا كلنا. نادين مكنتش ليا، ولا كانت حلمي.. نادين كانت الماضي اللي أنا رفضت أدفنه، فكان هيدفن حياي ومستقبلي. أنا لما شوفتك واقفة في وش البوليس وبتضحي عشان تحميني، عرفت إنك أنتِ الحقيقة الوحيدة الحلوة في حياتي، وإن أنا اللي كنت أعمى.. سامحيني يا سمر، أرجوكي متسبينيش.”
سحبت إيدي من إيده بالراحة، وبصيت له بنظرة حزينة بس قوية، وقولتله: “أنا سامحتك يا رامي على الوجع، وسامحتك على الكسرة، لأن اللي عشتوا النهاردة كفيل يغسل أي ذنب.. أنت أنقذت أرواح، وفديت نادين وعريسها، وربنا نجاك عشان تبتدئ صفحة جديدة.. بس الصفحة دي مش معايا.”
اتخض وحاول يقوم من السرير وهو بيتألم: “ليه يا سمر؟ أنا اتعلمت الدرس، والله العظيم اتعلمت!”
قولتله والدموع بتلمع في عيني بس صريحة: “لأن في حاجات لما بتتكسر مابتتصلحش.. الكلمة اللي قولتهالي على السرير (أنا مش عاوزك أنتِ، أنا عاوزها هي) سابت حفرة جوة قلبي، وكل ما هبص في وشك هافتكِر إني كنت بنسبالك مجرد بديل ومسكن.. أنت محتاج وقت تداوي روحك وتعرف أنت عاوز إيه، وأنا محتاجة أرجع لنفسي وأرمم كرامتي اللي اتهانت.. أنا هسيبك وأنا دعيالك بالشفاء، بس حكايتنا لحد هنا وانتهت.”
سبته وخرجت برة الأوضة، وأنا حاسة بوزن تقيل اتقلع من على كتافي. في الممر، قابلت نادين اللي كانت جاية تطمن عليه، بصيت في عينها.. مكنش جوة قلبي ليها أي غل أو كره، بالعكس، كنت شفقانة عليها من الصدمة. نادين بصتلي بامتنان وقالتلي: “شكراً يا سمر.. رامي حكالي في العربية وأنا بفك قيوده إنك أنتِ اللي لحقتيه في الفندق وأنتِ اللي خلتيه يجي ورا حسام.. أنا آسفة لو كنت سبب في وجعك من غير ما أعرف.”
ابتسمت لها وقولت: “مفيش أسف يا نادين، أنتِ مالكيش ذنب.. ربنا يسعدك مع جوزك ويبعد عنكم كل شر.”
خرجت من المستشفى، والشمس كانت بتشقشق ونور الصبح بيملى الدنيا، وكأن ربنا بيبعتلي رسالة إن بعد كل ضلمة في نهار جديد بيطلع. ركبت العربية وطلعت على بيت أبويا، وأنا واخدة معايا شنطتي، وواخدة معايا أهم درس خرجت بيه من التجربة دي.
### الحكمة من القصة:
> “الحب مش مجرد كلمة بتتقال، الحب هو الأمان، والتقدير، والاكتفاء.. وأكبر غلطة ممكن يرتكبها الإنسان في حق نفسه وفي حق غيره، إنه يدخل حكاية جديدة وهو لسه عايش على أطلال حكاية قديمة، لأنه ساعتها مبيكونش بيعالج جرحه، بل بيكون بيبني بيت على رمال متحركة، هتهد على دماغه ودماغ اللي معاه في أول عاصفة.
> والست لما بتصون بيتها وجوزها، بتصونهم بكرامتها وكبريائها، والراجل الذكي هو اللي يعرف قيمة النعمة اللي في إيده قبل ما تضيع منه.. لأن في فرص بتيجي مرة واحدة في العمر، وإذا ضاعت، مبيرجعهاش الندم ولا بيمحيها الأسف.”
>
تمت بحمد الله.