اتعرفت امبارح حكايات رومانى مكرم 1

اتعرفت امبارح على واحد، تعارف عادي جدًا: اسمك إيه، عندك كام سنة، والكلام اللطيف المعتاد

وطلب نتكلم فون واول ما سمعت صوته اتجمت مكانى

 

أول مرة كلّمني فيها، كان الوقت متأخر بالليل… والبيت كله نايم.

كنت قاعدة لوحدي في أوضتي، ماسكة الموبايل وبقلب في الرسائل من غير هدف، لحد ما لقيت طلب صداقة من شخص اسمه “آدم”.

صورته عادية جدًا… شاب لابس قميص أسود وواقف جنب عربية، مفيش أي حاجة ملفتة، لكن الغريب إنّي قبلت الطلب بسرعة وكأني مستنياه.

 

بدأ الكلام بسيط جدًا:

 

“إزيك؟”

“الحمد لله.”

“اسمك إيه؟”

“سارة.”

“عندك كام سنة؟”

 

الكلام المعتاد اللي بيتقال في أي تعارف عابر، لكن طريقته كانت هادية بشكل يخلّيكي تكملي كلام من غير ما تحسي.

 

بعد شوية سكتنا.

هو اختفى… وأنا كمان اتشغلت مع أمي في المطبخ ونسيته تقريبًا.

 

عدّى نص يوم كامل بدون أي رسالة.

 

لكن بالليل… وأنا قاعدة في البلكونة لوحدي، لقيت إشعار منه.

 

“إنتِ ليه مش بتكلميني؟”

 

بصراحة استغربت.

إحنا أصلًا لسه متعرفين امبارح!

لكن فيه حاجة في كلامه حسستني إنه متضايق فعلًا.

 

رديت: “افتكرتك مشغول.”

 

بعت بعدها ضحكة صغيرة وقال: “مشغول؟ أنا بقالي ساعات مستني رسالة منك.”

 

ابتسمت غصب عني.

وابتدينا نتكلم… مرة عن الدراسة، مرة عن الأفلام، مرة عن أغرب مواقف حصلتلنا.

 

الوقت جري بشكل مخيف.

 

بصيت للساعة لقيتها داخلة على اتنين بعد نص الليل.

 

وفجأة… بعتلي رسالة غريبة:

 

“مش حابة تسمعي صوتي؟”

 

قلبي دق بسرعة.

عمري ما كنت من البنات اللي بتحب المكالمات بسرعة كده، لكن معرفش ليه كتبت:

 

“نفسي.”

 

ثواني… والموبايل رن.

 

بصيت للاسم…

آدم بيتصل.

 

أخدت نفس طويل ورديت وأنا متوترة:

 

“ألو؟”

 

لكن اللي سمعته خلّى جسمي كله يتجمد.

 

صوت ست كبيرة… حاد ومخيف:

 

“أخيرًا رديتي يا سارة.”

 

حسيت الدم انسحب من وشي.

 

الصوت ده… أنا حافظاه كويس جدًا.

 

دي حماتي.

 

وقبل ما أنطق بحرف، سمعتها بتضحك الضحكة اللي بكرهها وتقول:

 

“ولا إيه؟ كنتي فاكرة نفسك بتكلمي مين؟”

 

وقعت مني السماعة على الأرض.

 

إيدي كانت بتترعش بشكل مرعب، وعقلي وقف تمامًا.

 

إزاي؟

إزاي حماتي معاها الأكونت ده؟

وإزاي تعرف كل الكلام اللي بينا؟

#الكاتب_رومانى_مكرم

جريت على باب الأوضة وقفلت بالمفتاح وأنا حاسة إن قلبي هيقف.

 

الموبايل فضل يرن تاني… وتالت… ورابع.

 

كلهم من “آدم”.

 

لكن لما فتحت الرسائل… لقيت حاجة أبشع.

 

لما فتحت الرسائل… لقيت حاجة أبشع.

كان “آدم” باعتلي صوري وأنا قاعدة في البلكونة قبل المكالمة بكام دقيقة بس! صور متصورة من زاوية قريبة جدًا، كأن اللي بيصورني واقف معايا في نفس الشقة!

ومعاها رسالة مكتوبة بخط إيدها -أنا عارفاها كويس-: “نورتي البيت الجديد يا عروسة.. عجبتك المفاجأة؟”

جسمي كله ساب، ومبقتش قادرة أقف على رجلي.

أنا وحسام اتجوزنا من شهرين بس، وقعدنا في شقة لوحدنا بعيد عن بيت عيلته بناءً على رغبتي، وحماتي من يومها وهي شايلة مني وبتموت في حاجة اسمها نكد وتحكم. لكن توصل بيها الدرجة إنها تعمل أكونت باسم “آدم” وتراقبني؟ وتصورني في بيتي؟!

بصيت حواليا في الأوضة برعب.. الشقة كانت ضلمة وهسس، وحسام كان بايت في الشغل ومفيش معايا حد.

أومال مين اللي صورني؟ هي حماتي معايا في الشقة هنا؟ مستخبية فين؟!

سحبت نفسي براحة لحد المطبخ، وخدت سكين صغير وإيدي بتترعش، وبدأت ألف في الشقة حتة حتة وأنا مشغلة كشاف الموبايل.

مفيش حد.. الأبواب مقفولة والشبابيك متأمنة.

رجعت الأوضة وقفلت على نفسي تاني، والموبايل رن للمرة المليون.

المرة دي رديت وأنا بصوت مخنوق من العياط والرعب: “أنتِ عاوزة مني إيه؟ وإزاي بتصوّريني؟ أنتِ فين؟!”

جالي صوتها الحاد وهي بتضحك ببرود: “أنا في بيتي يا حبيبتي، نايمة في سريري.. بس عيوني في كل حتة.. مش قولتلك قبل كده إنك مش هتعرفي تاخدي ابني مني؟”

قفلت السكة في وشها، وقعدت في ركن الأوضة لحد ما النهار شقشق وأنا صاحية وبموت من الخوف.

الساعة تمانية الصبح، حسام رجع من الشغل.

أول ما فتح الباب جريت عليه ودموعي نازلة، وحكيتله كل حاجة وأنا بنهار، ووريته الرسايل والأكونت والصور.

حسام اتصدم، ووشه جاب ألوان.. فضل يبص للموبايل ويسكت، وبعدين قال بعصبية: “أمي؟ أمي تعمل كل ده؟ مستحيل! أمي ست كبيرة ومتعرفش في التكنولوجيا دي كلها، وبعدين هتصورك في بيتنا إزاي وهي معاهاش مفتاح أصلاً؟!”

زعقت فيه بانهيار: “بقولك صوتها! أنا حافظة صوت أمك كويس يا حسام.. والصور دي لسه متصورة امبارح بالليل وأنا في البلكونة.. فسرلي ده بإيه؟!”

حسام سكت شوية، وكأنه افتكر حاجة، وفجأة ملامحه اتغيرت تمامًا.. ملامح خوف حقيقي.

مسك الموبايل بتاعي، وبدأ يبص في زوايا الصور بدقة، وبعدين رفع عينه وبص لسقف البلكونة، وللشجرة الكبيرة اللي قصاد البلكونة مباشرة!

قال بصوت واطي ومرعوب: “الزاوية دي.. دي مش متصورة من جوة الشقة يا سارة.. دي متصورة من الشباك اللي في وشنا.. شقة عمتي!”

وقبل ما أستوعب كلامه، تليفون حسام رن..

بص للشاشة، ولقى المتصل: “أمي”.

رد وفتح الاسبيكر وإيده بتترعش، وجالنا صوت حماتي الباكي والمهزوز تمامًا:

“الحقني يا حسام.. الحقني يا ابني.. تليفوني اتسرق مني امبارح بالليل، وفي حد عمال يتصل بأصحاب الصبح ويشتمهم بصوتي! أنا مش فاهمة في إيه.. وصوت الست اللي بتتكلم دي شبه صوتي بالظبط بس مرعب.. أنا خايفة يا ابني!”

في اللحظة دي.. بردت تمامًا.

إذا كانت حماتي تليفونها مسروق ومرعوبة زينا.. ومين “آدم” اللي عايش في الشقة اللي قصادنا وبيقلد صوتها بالظبط؟

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

الدنيا لفت بيا، وبصيت لحسام وأنا مش قادرة أصدق اللي بسمعه.. التليفون لسه في إيد حسام وصوت حماتي الباكي طالع منه، وفي نفس اللحظة، الموبايل بتاعي اللي مرمي على السرير نوّر!

شاشة موبايلي نورت برسالة جديدة من “آدم”..

فتحت الرسالة وإيدي بتترعش.. كانت رسالة صوتية مدتها خمس ثواني بس.

شغلتها.. وطلع منها نفس الصوت الحاد المخيف اللي سمعته بالليل:

“اللعيب غيّر الخطة.. تفتكري هيلحقكم؟”

حسام سحب الموبايل من إيدي وعينه برقت.. وبدون ما ينطق كلمة واحدة، جري على باب الشقة وفتحه ونزل على السلم زي المجنون، وأنا جريت وراه وبصرخ: “حسام! استنى عندك.. هتروح فين؟!”

الشقة اللي في وشنا في نفس الدور كانت شقة عمتة حسام، بس عمتة دي مسافرة مع جوزها برا مصر من سنتين، والشقة مقفولة ومفيش مخلوق بيدخلها، والمفروض إن المفتاح مع حماتي!

حسام وصل لباب الشقة وبدأ يخبط بكل قوته ويصوت: “افتح! افتح يا اللي جوة!”

لكن مفيش أي رد.. الشقة كأنها قبر.

حسام مكنش في وعيه، رجع خطوتين لورا وبدأ يضرب الباب بكتفه بكل غل، مرة.. اتنين.. تالت مرة الباب الخشب القديم اتقلع من مكانه واتفتح.

الريحة اللي طلعت من الشقة كانت كتمة وتراب، والضلمة مغطية المكان لأن الشيش كله مقفول.

دخلنا وحسام منور كشاف موبايله، وبدأنا نتحرك في الصالة الفاضية اللي العفش فيها متغطي بملايات بيضا كأنها جثث.

حسام كان بيتحرك بعصبية وبيدور في الأوض، لحد ما وصلنا للأوضة اللي شباكها بيطل على بلكونتنا بالظبط.

أول ما دخلنا، الكشاف جاب زاوية الشباك.. ووقفت مكاني مذهولة.

الشباك كان مفتوح موارب.. وقدامه كرسي خشب، وعلى الكرسي ده كان محطوط “حامل كاميرا” (ترايبود) ومثبت عليه موبايل حديث جدًا، الكاميرا بتاعته متوجهة لبيتنا!

حسام جري على الموبايل ومسكه.. الشاشة كانت مفتوحة، وجواها برنامج شات.. أكونت “آدم”!

وفجأة.. الموبايل اللي في إيد حسام رن.. وجات رسالة مكتوبة على الشاشة:

“بص وراك.”

لفينا إحنا الاتنين في نفس اللحظة ورعب الدنيا كله في قلوبنا..

لكن الأوضة كانت فاضية.. مفيش حد مستخبي!

حسام بدأ يقلب في الموبايل بسرعة جنونية، فتح الاستوديو.. وكان الصدمة الأكبر.

الاستوديو مكنش فيه صوري أنا بس.. ده كان فيه فيديوهات وصور لحسام وهو نازل الصبح، وهو راجع بالليل، وصور لحماتي وهي في سوق الخضار، وصور لبيت عيلته! الشخص ده كان عايش وسطنا، ومراقب العيلة كلها خطوة بخطوة من شهور!

حسام فتح برنامج لتغيير الأصوات بالذكاء الاصطناعي على الموبايل، ولقى فيه عينات صوتية مسجلة لحماتي، ولحسام نفسه، وليا أنا كمان! يعني الشخص ده كان يقدر يكلم أي حد فينا بصوت التاني في أي وقت!

“حسام.. التليفون ده بتاع مين؟” سألته بصوت حشرجة والدموع مغرقة وشي.

حسام كان بيبص للشاشة والذهول مخليه مش قادر ينطق، وفجأة صوته طلع مخنوق وهو بيقول:

“التليفون ده.. ده تليفون ‘أدهم’.. ابن عمتي!”

برقت عيني: “أدهم؟ مش أدهم ده مسافر مع أهله برا مصر؟!”

حسام هز رأسه بنفي وهو بيموت من الرعب: “أهله سافروا.. هو قال إنه هيلحقهم بعد شهرين عشان يخلص ورق كلية.. الكلام ده من سنتين! إحنا كنا فاكرينه سافر ولحقهم.. ومحدش كان بيسأل عليه لأنه انطوائي ومقطوع من شجرة.. ده معناه.. معناه إنه ملمسافرش؟ وإنه عايش هنا في الشقة المقفولة دي طول السنتين؟!”

وفي وسط كلامنا.. سمعنا صوت حركة خفيفة ورا السترة المتهالكة اللي في ركن الأوضة.. صوت أنفاس مكتومة..

حسام رفع الكشاف ببطء ناحية السترة.. والسترة بدأت تتحرك..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *