المربيه حكايات اسما السيد 2
الفصل الثالث: المكالمة اللي كشفت أول خيط
استمر الصمت على الخط لعدة ثوانٍ.
ثوانٍ كانت كفاية تخلي سليم الحديدي يعرف إن سؤاله أصاب هدفه.
بعدها طلعت ضحكة قصيرة من رنا.
لكنها كانت متوترة.
قالت:
“إيه الكلام الغريب ده يا سليم؟”
“مين قالك كده؟”
رد بهدوء:
“جاوبي على السؤال.”
“أنا مش فاهمة أصلاً.”
“ليه الملف الطبي كان معاكي؟”
اتلعثمت.
“عشان… عشان أنا كنت بساعد.”
“والروشتة المزورة؟”
سكتت.
رجعت قالت بسرعة:
“أكيد المستشفى غلطانة.”
رد بنفس النبرة الهادية:
“أنا مسجل المكالمة.”
“وأول ما أوصل مصر… كل كلمة هتتراجع.”
ثم أنهى الاتصال.
من غير ما يسمع ردها.
—
في نفس اللحظة…
على بعد آلاف الكيلومترات…
كانت رنا واقفة في جناح فاخر داخل أحد فنادق باريس.
وقع منها الموبايل على السجاد.
وشها بقى شاحب.
دخلت عليها صاحبتها وقالت:
“مالك؟”
همست رنا:
“عرف.”
“مين؟”
“سليم.”
“عرف إن الروشتة مزورة.”
اتسعت عينا صاحبتها.
“مستحيل!”
جلست رنا على الكنبة وهي بتحاول تستوعب.
“كان المفروض يوصل باريس الأول…”
“مش يكتشف الحقيقة قبل ما ينزل من الطيارة.”
—
في المستشفى…
خرجت صوفي من غرفة الفحص بعد ما ركبولها المحاليل.
كانت مرهقة.
لكن حرارتها بدأت تنزل.
أول ما شافت ليلى…
مدت إيديها الصغيرة.
“تعالي.”
ابتسمت ليلى وقربت منها.
مسكت إيدها.
قالت صوفي بصوت ضعيف:
“إنتِ هتمشي؟”
قلب ليلى اتقبض.
“لما تبقي كويسة.”
هزت الطفلة رأسها بعناد.
“لأ.”
“اقعدي.”
كان واضح إنها اتعلقت بيها من أول لقاء.
—
سليم كان واقف عند الباب.
بيبص للمشهد.
الدكتور قرب منه وقال:
“هي محتاجة شخص يفضل معاها اليومين الجايين.”
قال سليم:
“هيكون فيه أحسن ممرضة.”
الدكتور ابتسم.
“أنا ما قولتش ممرضة.”
“أنا قولت الشخص اللي طمنها.”
لف سليم ناحية ليلى.
كانت قاعدة جنب السرير، بتحكي لصوفي حكاية عن أرنب صغير ضاع من مامته ورجع لها.
الطفلة بدأت تضحك لأول مرة.
الدكتور قال:
“شايف؟”
“الضحكة دي علاج.”
—
بعد ساعة…
كانوا قاعدين في كافيتريا المستشفى.
سليم لأول مرة شرب قهوته من غير ما يرد على عشرات الاتصالات.
قال:
“إنتِ شغالة مربية من إمتى؟”
ابتسمت ليلى.
“من وأنا عندي تسعتاشر سنة.”
“ليه؟”
“بعد وفاة بابا.”
“كان لازم أصرف على أمي وأخويا.”
“كملت دراستي بالليل…”
“واشتغلت الصبح.”
بصلها باهتمام.
“وليه ما اشتغلتيش في حضانة؟”
ضحكت.
“الحضانات مرتباتها قليلة.”
“وأنا كان عندي بيت كامل مسؤول مني.”
هز رأسه في صمت.
لأول مرة…
قابل واحدة بتحكي عن تعبها من غير ما تشتكي.
—
في المساء…
رن هاتف مدير الأمن.
رد بسرعة.
وبعد دقيقة قرب من سليم.
“يا فندم.”
“اتفضل.”
“في حاجة غريبة.”
“قول.”
“راجعنا كاميرات الفيلا قبل السفر.”
“لقينا رنا دخلت أوضة صوفي الساعة اتنين ونص الفجر.”
عقد سليم حاجبيه.
“وبعدين؟”
“خرجت بعدها بعشر دقائق.”
“وكان معاها الملف الطبي.”
سكت الجميع.
لكن مدير الأمن أكمل:
“وفيه حاجة أخطر.”
“إيه؟”
“الكاميرات سجلت إنها كانت بتتكلم مع حد قبل ما تدخل.”
“للأسف الصوت مش واضح.”
“لكن خبير الصوت قدر يطلع جملة واحدة.”
سليم ثبت عينيه فيه.
“إيه هي؟”
ابتلع الرجل ريقه.
وقال:
“اطمن…”
“بعد السفر… كل حاجة هتخلص.”
قبض سليم على كوب القهوة بقوة.
لدرجة إن الزجاج اتشقق بين صوابعه.
ليلى انتفضت.
“إيدك!”
لكن سليم ماحسش بالدم اللي بدأ ينزل من كفه.
كل اللي كان بيفكر فيه…
إن حد كان مخطط لحاجة أكبر من مجرد سفر طفلة مريضة.
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة مجهولة إلى هاتف ليلى.
رقم غير مسجل.
فتحتها باستغراب.
وكان مكتوب فيها:
“ابعدي عن صوفي… وإلا هتلحقي أمها.”
اتجمد الدم في عروقها.
ورفعت عينيها ببطء نحو سليم…
لأنها أدركت أن وجودها على الطائرة لم يعد مجرد صدفة…
بل ربما كان الشيء الوحيد الذي أفسد خطة شخص مستعد للق*تل.
الفصل الرابع: الرسالة اللي قلبت كل الحسابات
فضلت ليلى باصة للموبايل في إيديها.
إيديها بدأت ترتعش.
الكلمات كانت قصيرة…
لكنها مرعبة.
“ابعدي عن صوفي… وإلا هتلحقي أمها.”
رفعت رأسها ببطء.
وسليم لاحظ إن لون وشها اتغير.
قام من مكانه فورًا.
“في إيه؟”
من غير كلام…
ناولته الموبايل.
قرأ الرسالة مرة.
وبعدين مرة تانية.
وشه فقد أي تعبير.
لكن اللي يعرف سليم الحديدي كويس…
يعرف إن سكوته أخطر بكتير من غضبه.
مدير الأمن قرب بسرعة.
قرأ الرسالة.
وقال:
“هنجيب صاحب الرقم خلال ساعة.”
هز سليم رأسه.
“لأ.”
استغرب.
“ليه يا فندم؟”
قال وهو بيرجع الموبايل لليلى:
“اللي بعت الرسالة عايزنا نجري وراه.”
“لكن أنا عايزه يحس إننا ماخدناش بالنا.”
بص لليلى.
“امسحي الرسالة.”
استغربت.
“أمسحها؟”
“أيوه.”
“ولو راقب تليفونك هيقتنع إنك خفتي وسكتي.”
ثم التفت لمدير الأمن.
“لكن الرقم يفضل تحت المراقبة.”
“من غير ما يعرف.”
—
في أوضة صوفي…
كانت الطفلة نايمة بهدوء.
حرارتها بدأت تنزل.
ولون وشها رجع طبيعي شوية.
ليلى قعدت جنبها.
مسحت على شعرها.
وفجأة…
صوفي همست وهي نايمة:
“ماما… متسيبنيش…”
دموع ليلى نزلت من غير ما تحس.
كانت عارفة الإحساس ده.
هي كمان فقدت أبوها وهي صغيرة.
وعارفة يعني إيه الطفل يحس إنه لوحده.
—
في صباح اليوم التالي…
دخل الدكتور بابتسامة.
راجع التحاليل.
وقال:
“الحمد لله.”
“استجابت للعلاج بسرعة.”
سليم لأول مرة ابتسم بارتياح.
“يعني نقدر نسافر؟”
الدكتور قال:
“بعد يوم كمان.”
ثم بص ناحية ليلى.
“الفضل بعد ربنا يرجع للآنسة.”
ابتسمت بإحراج.
“أنا عملت اللي أي حد يعمله.”
الدكتور هز رأسه.
“صدقيني…”
“مش أي حد.”
—
بعد الظهر…
كان سليم قاعد في ركن هادئ من المستشفى.
فتح اللابتوب.
بدأ يراجع تقارير شركاته.
لكن تركيزه كان ضايع.
كل شوية يرفع عينه ناحية أوضة صوفي.
ويلاقي ليلى قاعدة بتحكيلها قصة جديدة.
بتضحك.
وبتقلد أصوات الحيوانات.
وصوفي تضحك من قلبها.
دخل عليه مدير الأمن.
وقال:
“يا فندم.”
“وصلنا لحاجة.”
“قول.”
فتح التابلت.
ظهر تسجيل كاميرات المطار.
ليلى وهي داخلة البوابة بالغلط.
الموظفة اللي كانت واقفة على البوابة بصت في البطاقة بسرعة…
وسمحت لها تدخل.
الغريب…
إن موظف الأمن الحقيقي كان واقف بعيد.
وفي مكانه كانت موظفة بديلة.
عقد سليم حاجبيه.
“مين دي؟”
“راجعنا بياناتها.”
“طلعت مش موظفة مطار أصلًا.”
اتسعت عينا سليم.
“إزاي؟”
“بطاقة مزورة.”
“واختفت بعد إقلاع الطيارة بخمس دقائق.”
سكت سليم.
الموضوع بقى أخطر.
ليه حد يدخل ليلى الطيارة الخاصة بالغلط؟
هل كانت صدفة؟
ولا مقصودة؟
—
في نفس الوقت…
داخل شقة صغيرة في القاهرة…
كانت الست اللي دخلت ليلى الطيارة قاعدة قدام راجل ملامحه مخفية.
ناولها ظرف مليان فلوس.
قال:
“شغلك خلص.”
سألته بتوتر:
“هي ماتت؟”
ابتسم من تحت القبعة.
“لسه.”
“بس قريب.”
قالت وهي مرعوبة:
“أنا كنت فاكرة إنها مجرد غلطة في الرحلة.”
رفع عينيه ناحيتها.
وقال ببرود:
“كل ما تعرفيه…”
“إن المربية دي ماكانش لازم توصل لباريس.”
ثم قام ومشى.
وسابها ترتعش.
—
في المساء…
ليلى خرجت من أوضة صوفي علشان تجيب لها عصير.
كانت ماشية في ممر المستشفى.
وفجأة…
سمعت صوت ست كبيرة بتناديها.
“يا بنتي.”
لفت.
لقيت ست إيطالية شعرها أبيض، قاعدة على كرسي متحرك.
ابتسمت لها.
وقالت بالعربي المكسر:
“إنتِ مصرية؟”
ابتسمت ليلى.
“أيوه.”
الست مدت لها إيدها.
“أنا كنت ساكنة في مصر زمان.”
قعدت ليلى تتكلم معاها دقيقتين.
وفجأة…
الست بصت ناحية أوضة صوفي.
وشها اتغير.
همست:
“الراجل اللي كان واقف عند الباب…”
“هو والد البنت؟”
“أيوه.”
الست أغمضت عينيها.
وقالت جملة خلت قلب ليلى يقف.
“أنا أعرف مراته…”
اتسعت عينا ليلى.
“تعرفيها؟”
هزت رأسها.
“مش بس أعرفها…”
“أنا كنت آخر واحدة شافتها قبل ما تموت.”
سقط كوب العصير من إيد ليلى.
واتكسر على أرض المستشفى.
وفي اللحظة نفسها…
كانت الست العجوز بتبكي وهي تهمس:
“بس اللي اتقال لسليم عن موتها…”
“ماكانش الحقيقة كلها.”
الفصل الخامس: السر اللي دفنوه مع شهادة الوفاة
تجمدت ليلى مكانها.
بصت للست العجوز بعدم تصديق.
وقالت بسرعة:
“حضرتك تقصدي إيه؟”
مسحت الست دموعها بطرف المنديل.
وقالت بصوت ضعيف:
“اقعدي… الحكاية طويلة.”
قعدت ليلى قدامها وهي حاسة إن قلبها بيدق بعنف.
“أنا اسمي ماريا.”
“اشتغلت ممرضة توليد أكتر من تلاتين سنة.”
“وفي الليلة اللي اتولدت فيها صوفي…”
سكتت لحظة.
ثم كملت:
“أنا كنت موجودة.”
—
في نفس الوقت…
كان سليم داخل أوضة صوفي.
البنت كانت بدأت تضحك وهي بترسم أرنب صغير مع الممرضات.
ابتسم.
وقرب منها.
لأول مرة من شهور…
حس إن بنته رجعت طفلة.
لكن تليفونه رن.
مدير الأمن.
رد بسرعة.
“خير؟”
قال الرجل:
“يا فندم… فيه خبر عاجل.”
“إيه؟”
“رنا اختفت.”
عقد سليم حاجبيه.
“اختفت؟”
“خرجت من الفندق من ساعة.”
“وسابت كل حاجتها.”
“ولا حد يعرف راحت فين.”
سكت سليم.
ثم قال:
“اقفلوا كل المطارات.”
“وكل الموانئ.”
“محدش يخرج من أوروبا قبل ما نعرف هي فين.”
—
رجعت الكاميرا للممر.
ماريا بدأت تحكي.
“أم صوفي كانت ست محترمة.”
“وكانت بتحب جوزها بجنون.”
ابتسمت ليلى.
“وسليم؟”
هزت ماريا رأسها.
“كان بيعشقها.”
“كل المستشفى كانت شايفة ده.”
“فضل ماسك إيدها من أول الولادة لحد آخر دقيقة.”
سكتت.
ثم قالت:
“لكن قبل ما تموت بخمس دقايق…”
قالت جملة غريبة.”
سألتها ليلى بسرعة:
“قالت إيه؟”
ابتلعت ماريا ريقها.
“قالت…”
“لو حصلي حاجة… ما تسيبوش رنا تقرب من بنتي.”
اتسعت عينا ليلى.
“رنا؟”
“أيوه.”
“كانت صاحبتها.”
“وأقرب واحدة ليها.”
“لكن أم صوفي كانت خايفة منها بشكل غريب.”
—
ليلى قامت واقفة.
“حضرتك بلغتي سليم بالكلام ده؟”
نزلت ماريا رأسها.
“حاولت.”
“لكن بعدها بيوم…”
“إدارة المستشفى قالتلي إن الملف اتقفل.”
“واتنقلت أشتغل في فرع تاني.”
“وبعدين تقاعدت.”
“ولما حاولت أوصل له…”
“ماكنتش بعرف.”
—
في اللحظة دي…
دخل سليم الممر.
كان راجع من أوضة صوفي.
شاف ليلى قاعدة مع الست.
ابتسم بأدب.
لكن أول ما ماريا رفعت عينيها وشافته…
بدأت تبكي.
وقف مستغرب.
“حضرتك تعرفيني؟”
قالت وهي بتمسح دموعها:
“أنا آسفة.”
“سامحني.”
عقد حاجبيه.
“على إيه؟”
همست:
“لأني سكت.”
حس سليم إن فيه حاجة مش طبيعية.
قرب منها.
وقعد على ركبته قدام الكرسي المتحرك.
وقال بهدوء:
“احكيلي.”
بصت له ماريا طويلًا.
ثم قالت:
“مراتك ما ماتتش وهي مطمنة.”
“آخر حاجة قالتها…”
“كانت تحذير.”
وسكتت.
قلب سليم بدأ يدق بعنف.
“تحذير من مين؟”
قالت:
“من رنا.”
اتجمد.
“إيه؟”
“قالتلي بالحرف…”
“لو أنا مت… أوعى تخلي رنا تربي بنتي.”
وقع الصمت.
ثوانٍ طويلة.
كان صوت أجهزة المستشفى هو الوحيد اللي بيتسمع.
سليم افتكر كل حاجة.
افتكر إصرار رنا إنها تدخل حياته بعد وفاة زوجته بشهور.
افتكر إنها كانت دايمًا تقول:
“أنا الوحيدة اللي هتعرف تربي صوفي.”
وافتكر إنها كانت بتضغط عليه عشان يتجوزها بسرعة.
بدأت الصورة تكتمل قدامه.
لكن كان لسه ناقص أهم سؤال.
ليه؟
—
قطع الصمت رنين هاتف مدير الأمن مرة تانية.
رد سليم.
وجاله صوت الرجل وهو بيجري:
“يا فندم…”
“لقينا عربية رنا.”
“فين؟”
“قدام مخزن قديم خارج روما.”
“لكن العربية فاضية.”
وقبل ما سليم يرد…
سمعوا صوت انفجار ضخم من خلال الهاتف.
وبعده صرخات.
وانقطع الاتصال فجأة.
نظر سليم إلى شاشة الهاتف المظلمة.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال بصوت منخفض:
“اللعبة بدأت…”
وفي اللحظة نفسها…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتفه من رقم مجهول.
فتحها.
وكان فيها صورة واحدة فقط.
صوفي…
نايمة في سرير المستشفى.
الصورة ملتقطة قبل ثوانٍ.
ومن زاوية داخل الغرفة.
وتحتها جملة قصيرة هزت كيانه:
“إحنا أقرب ليها منك.”
الفصل السادس: العيون اللي كانت جوه المستشفى
اتجمد سليم وهو بيبص للصورة.
الصورة كانت جديدة.
واضح جدًا إنها اتصورت من داخل أوضة صوفي.
يعني…
اللي بيهدده موجود في المستشفى.
دلوقتي.
رفع عينه ببطء ناحية ليلى.
ماقالش أي حاجة.
لكن هي فهمت من نظرة عينيه.
في حد بيراقبهم.
من جوه.
مدير الأمن البديل كان واقف على بعد خطوات.
سليم قرب منه بهدوء، من غير ما يلفت نظر أي حد.
وراه الموبايل.
الرجل اتغير لون وشه.
همس:
“هقفل المستشفى كلها.”
هز سليم رأسه.
“لأ.”
“ليه يا فندم؟”
“لأن اللي بيلعب اللعبة دي ذكي.”
“أول ما يحس إننا كشفناه… هيختفي.”
ثم أضاف:
“خلّي كل حاجة طبيعية.”
“بس بدّل أفراد الحراسة كلهم.”
“من غير ما يعرفوا السبب.”
—
في نفس الوقت…
كانت ليلى راجعة لأوضة صوفي.
وقبل ما تفتح الباب…
سمعت صوت خفيف.
صوت لعبة موسيقية.
استغربت.
هي خرجت من الأوضة من دقيقتين بس.
دخلت بسرعة.
لقت صوفي مبتسمة.
وفي حضنها…
عروسة جديدة.
أرنب أبيض كبير.
وقلبه أحمر.
ليلى عقدت حاجبيها.
“مين جابه؟”
صوفي قالت ببراءة:
“طنط الجميلة.”
“أنهي طنط؟”
أشارت ناحية الباب.
“اللي كانت لابسة أبيض.”
ليلى خرجت بسرعة.
الممر كان فاضي.
ولا ممرضة معدية.
رجعت للأرنب.
كان مربوط في رقبته كارت صغير.
فتحت الكارت.
وكان مكتوب بخط أنيق:
“للأم الجديدة.”
برد جسمها كله.
هي عمرها ما قالت لحد إن صوفي نادتها “ماما”.
مين عرف؟
—
في غرفة المراقبة…
كان أفراد الأمن بيراجعوا تسجيلات الكاميرات.
لكن الغريب…
إن الكاميرا اللي قدام أوضة صوفي فقدت الصورة لمدة أربع دقائق.
رجعت بعدها تشتغل طبيعي.
مدير الأمن ضرب المكتب بإيده.
“مستحيل.”
“الكاميرات دي ليها مصدر كهرباء مستقل.”
الفني قال:
“وده اللي محيرنا.”
“حد عطّلها من النظام نفسه.”
—
سليم دخل الأوضة.
ليلى ورّته الكارت.
قرأ الجملة.
ملامحه ازدادت قسوة.
ثم أخد الأرنب من إيد صوفي برفق.
بدأ يقلبه.
وفجأة…
وقف.
حس بحاجة صلبة جوه اللعبة.
قطع جزءًا صغيرًا من الخياطة بمقص طبي.
طلع جسم معدني صغير.
مدير الأمن قرب بسرعة.
“ده إيه؟”
الفني أخده.
وبعد ثوانٍ قال:
“جهاز تتبع.”
ليلى شهقت.
“يعني كانوا عارفين مكانها طول الوقت؟”
هز الرجل رأسه.
“وأي حد معاه جهاز استقبال…”
“يقدر يعرف هي فين بالمتر.”
سليم بص ناحية السقف.
وقال بهدوء مرعب:
“يبقى هدفهم ماكانش يق*تلوها في الطيارة.”
“كانوا عايزين يعرفوا هنوصل بيها فين.”
—
بعد ساعة…
وصل فريق تقني متخصص.
فحصوا الأوضة بالكامل.
لقوا جهاز تنصت صغير جدًا.
متثبت تحت الترابيزة الجانبية.
الدكتور المسؤول اتصدم.
“إزاي ده دخل هنا؟”
مدير الأمن رد:
“لأن اللي زرعه…”
“عنده تصريح دخول.”
كل الموجودين بصوا لبعض.
الشك بدأ يلف حوالين كل العاملين.
—
ليلًا…
صوفي نامت أخيرًا.
كانت ماسكة إيد ليلى بقوة.
كل ما ليلى تحاول تقوم…
تصحى الصغيرة وهي مرعوبة.
سليم كان واقف عند الشباك.
باصص لأضواء المدينة.
قال من غير ما يلف:
“ليه وافقتي تفضلي؟”
ابتسمت ليلى بتعب.
“ما وافقتش.”
لف ناحيتها باستغراب.
كملت:
“أنا معرفتش أسيب طفلة خايفة.”
سكت.
ثم قال:
“إنتِ عارفة إن وجودك معانا بقى خطر؟”
ابتسمت ابتسامة هادئة.
“عارفة.”
“وخايفة؟”
“طبعًا.”
“طب ليه لسه هنا؟”
بصت لصوفي.
وقالت:
“لأنها خايفة أكتر مني.”
الجملة دي خلت سليم يسكت.
لأول مرة من سنين…
يشوف حد بيختار يحمي غيره وهو عارف إنه ممكن يدفع الثمن.
—
في الثالثة فجرًا…
رن هاتف مدير الأمن.
رد بسرعة.
ثم جري ناحية سليم.
“يا فندم…”
“إيه؟”
“التحليل الجنائي خلص.”
“بتاع جهاز التتبع؟”
“لا.”
“بتاع بصمات الكارت اللي كان مربوط في الأرنب.”
اتنفس سليم ببطء.
“قول.”
قال الرجل:
“لقينا بصمة واضحة.”
“لمين؟”
ابتلع ريقه.
وقال الاسم اللي قلب الليلة كلها:
“البصمة مطابقة لبصمات… زوجة حضرتك.”
سليم اتجمد.
“مراتي ماتت من تلات سنين.”
هز مدير الأمن رأسه وهو نفسه مش مصدق.
“وده اللي بيخلّي التقرير مستحيل.”
مد له الملف.
قرأه بنفسه.
ثم أعاد قراءته مرة ثانية.
النتيجة كانت واحدة…
البصمة تخص زوجته الراحلة… نادين الحديدي.
رفع سليم رأسه ببطء.
ولأول مرة منذ وفاة زوجته…
دخل إلى قلبه احتمال واحد فقط…
ماذا لو كانت نادين لم تمت أصلًا؟
يتبع