حكايات منى السيد 4
تسمرت يد شيرين على عجلة القيادة، وانقبض قلبها لثوانٍ وهي تستمع إلى ذلك الصوت الرخيم الذي جاء عبر الهاتف متجاوزاً كل حصونها. قال الرجل بنبرة هادئة وواثقة كأنه يملك أنفاسها:
— مبروك الحكم يا مدام شيرين.. نضفتي الساحة من عيلة الدالي، وبقيتي لوحدك فوق القمة. بس القمة دايماً ساقعة، والوقوع من عليها بيبقى بموتة.. افتحي التابلوه بتاع عربيتك كدة، هتلاقي هدية صغيرة مني بمناسبة النصر.
أنفاس شيرين تسارعت، وبيد ترتعش لأول مرة منذ أشهر، فتحت درج السيارة الصغير. سقطت من عينيها نظرة رعب وهي ترى مظروفاً ورقياً أسود لم يكن موجوداً من قبل!
فتحت المظروف لتجد بداخله مجموعة من الصور الحديثة جداً.. صور لابنها “يوسف” وهو نائم في فراشه بالقصر، وصورة أخرى للممرضة الخصوصية وهي مغمى عليها، وعلى الصور آثار قطرات دماء جافة!
جاء صوت الرجل مجدداً عبر الهاتف وهو يضحك بخبث:
— فاكرة نفسك ذكية أوي؟ فاكرة إن المليون جنيه اللي اشتريتي بيهم الممرضة في المستشفى الاستثماري محدش عرف بيهم؟ الممرضة دي قبل ما تبيع ياسين الدالي ليكِ، كانت بايعة المستشفى كله.. ليا أنا! أنا الطرف الثالث اللي حرك ياسين وسليم وزقهم عشان يقعوا في فخك، عشان أنتِ تصفي العيلة دي بالنيابة عني، وآجي أنا على الجاهز آخد كل حاجة.. بما فيهم ابنك يوسف!
شيرين كتمت صرخة غضب عارمة، ونطقت من بين أسنانها بصوت يرتجف قسوة:
— أنت مين؟ وعايز إيه؟ ابن لو لمست شعرة منه هحرق الدنيا بيك وباللي مشغلينك!
الرجل رد ببرود:
— أنا “منير الشافعي”.. الشريك القديم لأبوكي الله يرحمه، الراجل اللي عيلة الدالي سرقوا أرضه واسمه زمان بمساعدة جوزك المغفل ياسين. أنتِ رجعتي حق أبوكي، وبقيتي بتملكي أصول الشركات.. والشركات دي قانوناً عليها ديون ليا بمليار جنيه بعقود قديمة وموثقة.. يعني أنتِ وابنك يوسف تحت رحمتي. قدامك 24 ساعة.. تيجي لمكتبي وتتنازلي عن 60% من أصول المجموعة، وإلا.. المرة الجاية الصور مش هتبقى ليوسف وهو نايم.. هتبقى ليوسف وهو بيتحصل بأبوه وأعمامه في المدافن!
قفل الخط.. وترك شيرين في دوامة من النار. كل انتصاراتها، كل الشموخ اللي عاشت فيه الأيام اللي فاتت، اتهز في ثانية. لقت نفسها قدام عدو أخطر بكتير من غباء ياسين وجشع سليم.. عدو بيتحرك في الضلمة ومحاصرها من كل حتة.
لملمت شيرين شتات نفسها، مسحت عرقها، وبصت لصور ابنها يوسف وقالت بنبرة مرعبة:
— اللي داس على عيلة الدالي ودفنهم صاحيين.. مش هيغلب في واحد زيك يا منير.. ودم ابني دونه رقبتي ورقبة اللي يتشدد لك.
في المساء.. داخل مكتب منير الشافعي الفخم في أبراج نايل سيتي..
كان منير قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة رمادية غالية، وبيشرب سيجاره بكبرياء وهو مستني شيرين تيجي راكعة عشان تنقذ ابنها. انفتح الباب، ودخلت شيرين فعلاً.. بس الصدمة إنها ما كانتش مكسورة ولا بتعيط.. دخلت ورأسها مرفوع، وفي إيدها شنطة سوداء صغيرة.
منير ابتسم بسخرية وقال:
— كنت عارف إنك ذكية وهتيجي في الميعاد عشان خاطر ابنك.. الورق جاهز للتنازل يا مدام؟
شيرين قعدت على الكرسي وحطت رجل على رجل، وبصت له بثقة مريحة جداً خلت الشك يدخل قلبه، وقالت:
— الورق جاهز يا منير بيه.. بس مش ورق التنازل بتاعي.. ده ورق حجز الحراسة القضائية على أملاكك أنت شخصياً، وقرار الضبط والإحضار اللي صادر ضدك من نيابة الأموال العامة بتهمة غسيل الأموال وتهريب الآثار برة مصر بالتعاون مع شبكات دولية!
منير وقف من على كرسيه ووشه انقلب لونه وقال بزعيق:
— أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتي؟ ابنك في إيدي! رنة تليفون مني يخلصوا عليه!
شيرين طلعت تليفونها بكل برود، وفتحت مكالمة فيديو، ووجهت الشاشة لوش منير..
منير برّق عينيه ووقع السيجار من إيده من الصدمة.. الشاشة كانت جايبة أوضة ابنه الوحيد “معتز” اللي بيدرس في جامعة في لندن، وكان واقف وراه اتنين رجالة ضخام البنية، حاطين مسدسات كاتمة للصوت في ضهره!
شيرين همست بصوت زي فحيح الأفعى:
— رجالتك اللي محاصرين قصر بمصر الجديدة، اتمسكوا من ساعتين من رجالتي أنا.. والممرضة الخصوصية اللي فاكر إنك هددتها بدم، أنا مأمنة أهلها في مكان محدش يعرفه. السبع سنين اللي عشتهم مع ياسين الدالي ما كنتش هبلة فيهم يا منير.. كنت بدرس السوق وعارفة مين الحيتان اللي بتلعب في الضلمة، وعارفة إن نقطة ضعفك الوحيدة هي ابنك معتز اللي مخبيه في لندن.. العين بالعين، والابن بالابن.. والبادئ أظلم!
منير بدأ يترعش وجسمه عرق بالكامل، وبص لشيرين برعب حقيقي وقال:
— أنتِ.. أنتِ مش بني آدمة.. أنتِ كارثة! عايزة إيه يا شيرين؟
شيرين وقفت، ولمت ورقها، وقربت من مكتبه وقالت وهي بتنزل نظارتها السوداء على عينيها:
— عايزة كل العقود القديمة اللي بتذل بيها اسم أبويا تتمزق قدامي دلوقتي.. وعايزة شيك بـ 200 مليون جنيه تعويض عن الرعب اللي عيشتهوني الساعات اللي فاتت.. وإلا، مكالمة واحدة مني للندن، وابنك هيرجعلك في كفن!
منير الشافعي كان بيتنفس بصعوبة، وإيده بتترعش وهو بيفتح الدرج عشان يخرج العقود والشيكات.. وحس إن الست دي فعلاً مش مجرد زوجة مكسورة.. دي إعصار بياكل الأخضر واليابس.
بس في اللحظة دي، وقبل ما منير يمضي على الشيك.. تليفون مكتبه الداخلي رن.. منير رد بسرعة، وجاء صوت السكرتيرة برة مرعوبة وبتقول:
— منير بيه.. الحقنا.. الباب الخارجي للشركة اتكسر، وفي حد داخل بغضب ومعاه سلاح.. وبيصرخ باسم مدام شيرين!
شيرين لفت ضهرها بسرعة للباب، وعينيها اتسعت بصدمة حقيقية لأول مرة في حياتها.. لما شافت الشخص اللي كسر الباب ودخل.. شخص مكنتش تتوقع أبداً إنه لسه عايش أو إنه يقدر يوصل للمكان ده!
توقفت الأنفاس في الغرفة، وانفتح الباب المكسور بعنف ليدخل منه شخص يلهث بغضب، وجسده مغطى بجروح غائرة، وبيده سلاح ناري يوجهه مباشرة نحو صدور الجميع.
لم يكن هذا الشخص سوى “ياسين الدالي”!
شيرين تراجعت خطوة للخلف، وعيناها لاتصدقان ما تريان. ياسين الذي حكم عليه بالسجن المشدد لـ 15 عاماً قبل يومين فقط، يقف أمامها الآن بهيئة مرعبة، ملابسه ممزقة وملطخة بالدماء، وعيناه تشعان بجنون مطلق.
صاح ياسين بصوت حاد ومبحوح وهو يرفع السلاح:
— فاكرة إنك كسبتي يا شيرين؟ فاكرة إنك لما رميتيني في السجن هتقدري تعيشي وتاخدي ابني وفلوسي؟ أنا هربت من عربية الترحيلات.. قلبت العربية باللي فيها وموتُّ عسكري عشان أجيلك! أجيلك وأخلص حسابي معاكي ومع الكلب ده!
منير الشافعي رفع يديه برعب وهو يصرخ:
— ياسين! اهدى.. أنا ماليش دعوة.. الست دي هي اللي دمرت عيلتك وهي اللي بتهددني دلوقتي! أنا كنت بحاول أجبلك حقك منها!
ياسين ضحك ضحكة هستيرية، ووجه السلاح نحو رأس منير ثم نحو شيرين وقال:
— كلكم خاينين.. أنت كنت عايز تسرق الشركات يا منير وشحنتني ضدها زمان.. وأنتِ يا شيرين.. أنتِ دمرتي أمي وأخويا ورميتيني في الضلمة! مش هسيبك تاخدي يوسف.. يوسف هيموت معايا دلوقتي!
شيرين رغم المفاجأة ورغم السلاح الموجه نحو صدرها، استجمعت كل قوتها وجبروتها في ثوانٍ. نظرت إلى عيني ياسين المجنونتين وقالت بصوت هادئ وثابت كالحديد:
— لو راجل اضرب يا ياسين.. اضرب وضيع آخر فرصة ليك في الحياة. أنت هربان وميت كدة كدة.. بس لو فاكر إنك بتهددني، تبقى لسه غبي وما عرفتش مين شيرين. يوسف ابني مش في القصر.. يوسف في مكان آمن مع رجالتي، ولو حصلي حاجة، رجالتنا في لندن هيخلصوا على ابن منير، ورجالتي هنا هيحرقوا قلبك على ابنك المريض اللي في المستشفى! أنت خسرت كل حاجة.. حتى شرفك خسرتوا!
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كان ياسين يرتعش وإصبعه يتحرك على الزناد، استغلت شيرين ثانية واحدة من تردده؛ اندفعت برشاقة وقوة لم يتوقعها أحد، وأمسكت بيده التي تحمل السلاح ووجهتها نحو السقف.
انطلقت رصاصة دوت في أرجاء المكتب الفخم وهشمت النجف الكريستالي، ودارت معركة عنيفة بالأيدي بين شيرين وياسين الذي كان يضرب بجنون، لكن نار الانتقام داخل شيرين جعلتها أقوى من جرحها وأقوى من غدره. نجحت في إسقاط السلاح من يده ليتدحرج على الأرض.
منير الشافعي حاول استغلال الفرصة والهروب نحو الباب، لكن في نفس اللحظة، اقتحمت قوات العمليات الخاصة والشرطة المكتب، بعد أن تتبعت خط سير ياسين الهارب.
ألقى الضباط القبض على ياسين وشلوا حركته بالكامل على الأرض وهو يصرخ ويبكي بنحيب حارق: “شيرييين! سيبيني.. ابني فين يا شيرين!”، بينما تقدم ضابط آخر نحو منير الشافعي وكلبش يديه بناءً على قرار النيابة الذي أحضرته شيرين.
التفت الضابط نحو شيرين وقال باحترام شديد:
— حمد الله على سلامتك يا مدام شيرين.. لولا شجاعتك وبلاغك السريع عن تحركات منير الشافعي وياسين، مكنّاش وصلنا في الوقت المناسب. ياسين هيتضاف لقضيته تهم الهروب من الترحيلات والشروع في القتل، ومنير الشافعي انتهى رسمي.
شيرين عدلت ملابسها بهدوء، ومسحت قطرة دم صغيرة سالت من جرح طفيف في يدها، ونظرت إلى ياسين وهو يُجر ذليلاً ومكسوراً إلى الأبد وراء قضبان لن يرى بعدها النور، ونظرت إلى منير الشافعي الذي سقطت إمبراطوريته تحت قدميها.
بعد مرور شهر واحد..
أشرقت الشمس على قصر عائلة الدالي، الذي تغيرت لافتته الرسمية على البوابة لتصبح “مجموعة شركات شيرين للاستثمار والمقاولات”.
الجو كان ربيعياً دافئاً، وشيرين كانت تقف في الشرفة الواسعة، ترتدي فستاناً أبيض أنيقاً يعبر عن بداية جديدة ونقية. بين يديها كان طفلها “يوسف”، وشبه الهلال الصغير يظهر تحت بطن رجله الشمال وهو يبتسم لها ببراءة.
وعلى السرير الصغير المجاور لهما، كان يجلس الطفل الآخر.. ابن ندى، الذي تماثل للشفاء تماماً بعد نجاح عمليته الجراحية، والذي قررت شيرين بكرم ترفعها وعظمتها أن تتكفل برعايته وتربيته مع ابنها، لتثبت للجميع أن غدر عائلة الدالي لم يلوث نقاء قلبها، بل صنع منها أسطورة في عالم الهوانم ورجال الأعمال.
نظرت شيرين إلى طفليها، وابتسمت ابتسامة النصر الحقيقي.. النصر الذي لم تأخذه بالدم، بل بالذكاء، والعدالة، والقوة الشامخة لامرأة ظنوا أنهم كسروها.. فكانت هي الكارثة التي دفنت غدرهم، واليد الحانية التي بنت من ركامهم مستقبلاً لا يموت.
