حكايات اسما 2
ياسين السيوفي؟ الاسم ده كان مدفون تحت ركام السنين، كنت فاكرة إني خلصت منه ومن طمعه لما كشفت تلاعبه في حسابات الشركة وسفرته برا مصر بتهديد مني بتقديمه للمحاكمة. طلع ياسين هو العقل المدبر لكل اللي بيحصل؟
بصيت لنادين، والمرة دي ما شوفتش الضحية المكسورة، شوفت وش تاني خالص.. وش حد بقاله سنين بيستنى اللحظة دي.
— “بنت شريكه القديم؟ وياسين؟ أنتم كنتم مخططين لكل ده؟”
نادين قامت وقفت، مسحت دموعها بمنتهى البرود، وصلحت جاكتتها وقالت:
— “كريم غبي يا داليا.. طول عمره غبي ومندفع، كان فاكر إنه بيخونك عشان هو ‘راجل’، بس ياسين كان بيستخدم غباء كريم وشهواته عشان يدخلني حياتكم. أنا ما كنتش شغالة عندك بالصدفة، أنا اللي خليت شركة التوظيف تبعت لي الإعلان، وأنا اللي خليت كريم ينجذب لي عشان أكون قريبة من كل الأوراق.”
ضحكت بوجع:
— “يعني كل الحب اللي كان بينكم.. كل يوم تلات بالليل.. كان تمثيل؟”
نادين ابتسمت بسمة صفرا:
— “الثلاثاء كان يوم ‘تسليم التقارير’ لياسين في دبي.. كريم كان بيجي عندي عشان يوقع على أوراق تحويل الأصول اللي أنتي كنتِ فاكرة إنك بتأمنيها لنفسك. أنتي كنتِ بتنقلي الأصول من كريم لشركتك، وأنا كنت بنقلها من شركتك لشركة دبي.. اللي أنا بملك فيها 30% وياسين بملك الباقي.”
قعدت على مكتبي وأنا حاسة إن الهوا بيخلص من الأوضة. المحامي بتاعي كان واقف مشلول، مش عارف يعمل إيه في ورطة قانونية بالحجم ده. الأسهم اللي في دبي قانونية تماماً، والتحويلات تمت بتوقيعات مني شخصياً في وسط زحمة الأوراق اللي كنت بمضيها عشان أخلص من كريم.
رفعت راسي وبصيت لنادين:
— “وياسين فاكر إنه بكده كسب؟”
نادين قربت من المكتب وسندت بإيدها عليه:
— “ياسين مش بس كسب.. ياسين دلوقتي في طريقه للشركة، ومعاه أمر قضائي بوقف كل تصرفاتك المالية لحد ما يتم التحقيق في اختلاسات شركة دبي. وبكرة في الاجتماع، هيتم إعلان الحراسة القضائية على الشركة.. إلا لو..”
سكتت للحظة، فقلت بحدة:
— “إلا لو إيه؟”
نادين:
— “إلا لو وافقتي على التنازل عن نصيبك في أصول القاهرة مقابل إننا نقفل ملف القضايا ده، وتخرجي بأقل الخساير.. أنتي والأولاد.”
في اللحظة دي، تليفون المكتب رن. السكرتيرة قالت بصوت مرعوب: “مدام داليا.. الأستاذ ياسين السيوفي برا، ومعاه قوة من الشرطة ومحضر من المحكمة.”
بصيت لنادين، وبعدين للمحامي، وأخدت نفس عميق. اللعبة اللي بدأت بـ “عشيقة جوزي” اتحولت لحرب بقاء. قمت من مكاني، عدلت شعري، ولبست نظارتي السودا.
— “خليه يدخل يا نادين.. بس قولي لياسين، داليا السيوفي مابتسلمش سلاحها من أول جولة.. والشركة دي أنا اللي بنتها من الصفر، ومش عيل زي ياسين ولا خاين زي كريم اللي هيهدوها في ليلة.”
اتفتح الباب، ودخل ياسين.. كان أطول، ملامحه بقت أقسى، وفي عينيه نظرة تشفي مرعبة. بص لي وقال ببرود:
— “وحشتيني يا زوجة أخوي العزيزة.. تفتكري القاهرة لسه بتفتكرني؟”
وقفت في مواجهته وقلت:
— “القاهرة مابتفتكرش الهربانين يا ياسين.. بس أكيد هتفتكر اليوم اللي هترجع فيه السجن بسببي.”
ياسين ضحك وطلع من جيبه “فلاشة” صغيرة وحطها قدامي على المكتب:
— “قبل ما تهددي.. شوفي اللي على الفلاشة دي الأول. ده فيديو من كاميرات مراقبة بيتك ليلة ما كريم خرج.. وفيه حاجة حصلت في الجنينة أنتي أكيد مش عايزة حد يشوفها.”
قلبي انقبض.. ليلة ما كريم خرج؟ أنا كنت فاكرة إنه مشي لوحده، بس الفلاشة دي فيها إيه؟ ومين اللي كان مستنيه برا؟
بصيت لياسين بجمود، بس من جوايا كنت بترعش.. الحكاية مابقتش شركة وفلوس، الحكاية دخلت في منطقة تانية خالص.
أخدت الفلاشة من قدامه بإيد ثابتة، رغم إن ضربات قلبي كانت مسموعة في المكان كله. نادين كانت واقفة ورا ياسين، نظرتها اتحولت من التحدي لترقب خبيث.
ياسين شاور للمحامي بتاعي ولنادين يخرجوا:
— “اتفضلوا بره.. الكلام اللي جاي ده خاص جداً بيني وبين داليا.”
أول ما الباب اتقفل، حطيت الفلاشة في اللاب توب وشغلتها. الفيديو كان متصور من زاوية مخفية في جنينة فيلتي، الساعة كانت 11 بليل، وقت ما كريم خرج من عندي وهو مكسور.
شفته وهو بيترنح عند البوابة، وفجأة ظهرت عربية سودة، نزل منها اتنين “بودي جاردز” من بتوعي.. أنا اللي معيناهم. بس اللي حصل ما كانش طرد لكريم، اللي حصل إنهم أخدوه غصب عنه، ورموه في شنطة العربية، وفي اللحظة دي، ظهرت أنا في الكاميرا.. واقفة بتابع اللي بيحصل بمنتهى الهدوء قبل ما العربية تتحرك.
وقفت الفيديو وبصيت لياسين بجمود:
— “عايز توصل لإيه يا ياسين؟ دي كانت حماية له.. كريم كان منهار وممكن يؤذي نفسه.”
ياسين ضحك ضحكة هزت أركان المكتب:
— “حماية؟ كريم مختفي من ليلتها يا داليا. ملوش أثر في أي مستشفى ولا عند أي حد من صحابه. الفيديو ده لو وصل للنيابة مع بلاغ الاختطاف اللي أنا مجهزه، مش هتبقى قضية فلوس وشركات.. هتبقى قضية جنائية، وأنتي عارفة العقوبة في الحالات دي إيه.”
قرب مني وهمس:
— “كريم فين يا داليا؟ أنا مش بس عايز الشركة.. أنا عايز أخويا، عشان يمضي لي على التنازل النهائي قبل ما يختفي للأبد.. بطريقتك أنتي.”
سكتت لحظة، وبعدين رجعت بضهري على الكرسي وابتسمت ببرود:
— “أنت فاكر إنك أذكى مني يا ياسين؟ الفيديو ده ناقص.. ناقص الحتة اللي كريم فيها نزل من العربية دي عند بيت مامته بطلبه هو. وأنا اللي طلبت من الحرس يوصلوه عشان حالته.”
ياسين وشّه اتغير: “بيت مامته؟ أنا سألت هناك ومحدش شاف وشه.”
رديت بثقة:
— “لأنه مش هناك.. كريم دلوقتي في مكان أنت وعصابتك ونادين عمركم ما هتوصلوا له. كريم هو اللي استنجد بيا لما عرف إنك بتستخدم نادين عشان تسرقنا إحنا الاتنين. كريم خاين.. بس هو عارف إن داليا السيوفي هي الوحيدة اللي ممكن تحميه من غدرك.”
ياسين خبط المكتب بإيده: “بلاش كدب! نادين قالت لي إنك طردتيه وشمتانة فيه!”
قمت ووقفت قدامه، وبقيت أنا اللي ببتسم بتشفي:
— “نادين كانت بتسمع اللي أنا عايزة أوصلهولك يا ياسين. تفتكر واحدة بذكائي هتمثل مسرحية “الزوجة المخدوعة” 3 سنين عشان في الآخر تقع في فخ طفل زيك؟ أنا اللي سحبتك لمصر يا ياسين.. وأنا اللي خليتك تظهر في الصورة عشان أخلص منك ومن كريم ومن نادين بضربة واحدة.”
فتحت درج المكتب وطلعت ورقة تانية خالص.. ورقة عليها ختم النيابة العامة.
— “ده بلاغ رسمي مقدم من كريم السيوفي ضدك أنت ونادين.. بتهمة التزوير والاستيلاء على أصول شركة دبي. كريم مضى الورقة دي النهاردة الصبح.. وهو في حمايتي.”
ياسين وقف مكانه مذهول، مش عارف يصدق مين ولا مين. في اللحظة دي، سمعنا صوت صريخ برا المكتب. نادين دخلت وهي بتنهج:
— “ياسين! الحق.. الشرطة اللي برا مش بتوع المحضر! دول جايين يقبضوا علينا إحنا!”
بصيت لياسين وقلت له بمنتهى القسوة:
— “أنا اللي بلغت عن نفسي بالاختطاف يا ياسين.. عشان لما تيجوا هنا بالمحضر، تلاقوا الشرطة مستنياكم بتهمة البلاغ الكاذب وتزوير أوراق شركة دبي اللي كريم أنكر معرفته بيها تماماً.”
ياسين كان هيهجم عليا، بس الباب اتفتح ودخلت الشرطة فعلاً. وقبل ما يخرجوه مكلبش، بص لي وقال بوعيد:
— “ما تفرحيش قوي يا داليا.. كريم مش معاكي، كريم مع ‘الطرف التالت’ اللي باعك وباعني.. والورقة اللي معاكي دي مزورة، لأن كريم مات الصبح في الحادثة اللي دبرتها نادين!”
وقعت في الكرسي بصدمة.. نادين بصت لي بابتسامة مرعبة وقالت وهي بتتسحب مع العساكر:
— “البقاء لله يا مدام داليا.. الشركة دلوقتي بقت ملك ‘الوريث الوحيد’ اللي ظهر فجأة.. وصدقيني، أنتي مش هتحبي تعرفي هو مين.”
خرجوا كلهم، وبقيت لوحدي في المكتب.. تليفوني رن، والمرة دي كانت رسالة فيها صورة لكريم وهو في العربية، بس غرقان في دمه.. وتحتها جملة واحدة:
“الدور عليكي يا صاحبة الشركة.”
للمذيد تابعو صفحه رومانى مكرم
المكتب اللي كان من شوية خلية نحل وصراع، بقى فجأة هادي زي المقابر. ريحة البرفان بتاع ياسين لسه في الجو، وصوت صريخ نادين لسه بيرن في ودني. بصيت للصورة اللي على الموبايل.. كريم، الراجل اللي عشت معاه 14 سنة، الراجل اللي خاني وكسرني، والراجل اللي كنت فاكرة إني بحميه عشان أكسره بطريقتي.. مقتول؟
إيدي كانت بترتعش وأنا بمسح الصورة، قلبي كان بيدق بعنف مش حزنًا عليه، لكن رعبًا من المجهول. مين هو “الوريث الوحيد”؟ كريم ملوش إخوات غير ياسين اللي لسه مقبوض عليه، وأولادي لسه قصر.. يعني أنا الوصية عليهم.
فتحت باب مكتبي وخرجت للسكرتيرة اللي كانت بتعيط:
— “اطلبي لي المحامية فوراً، وكلمي البيت طمنيني على الأولاد.”
قعدت على الكرسي وأنا بحاول أجمع شتات نفسي. فجأة، المحامية دخلت وهي بتنهج، ووشها أصفر زي الليمونة:
— “مدام داليا.. المصيبة أكبر مما نتخيل. نادين ما كانتش بتكدب لما قالت فيه وريث ظهر. فيه عقد زواج رسمي اتسجل في الشهر العقاري من أسبوع بس.. كريم متجوز واحدة تانية، والواحدة دي حامل!”
ضحكت بهستيريا:
— “حامل؟ كريم؟ اللي بقالنا 11 سنة بنحاول نجيب طفل تالت والدكاترة قالوا مستحيل؟”
المحامية كملت بصوت واطي:
— “مش بس كده.. كريم قبل ما يموت بـ 24 ساعة، وقع على تنازل كامل عن نصيبه في ‘شركة الأم’ للست دي ولبنته اللي هتتولد.. والست دي هي..”
قبل ما تنطق الاسم، باب المكتب اتفتح تاني. دخلت ست في أواخر الأربعينات، لابسة أسود في أسود، ملامحها هادية بس عينيها فيها غدر السنين. كانت “سوزان”.. السكرتيرة اللي اشتغلت مع كريم 10 سنين قبل ما أنا أطلب منه يرفدها لأني كنت بحس إنها بتدخل في اللي مالهاش فيه.
سوزان قعدت قدامي بكل ثقة، وحطت شنطتها على مكتبي:
— “البقاء لله يا مدام داليا. كريم مات وهو في طريقه ليا.. كان جاي يهرب عندي من اللعبة اللي أنتي وياسين عملتوها عليه.”
بصيت لها بذهول:
— “أنتي؟ أنتي اللي كنتِ بتديري اللعبة من ورا الستار يا سوزان؟”
سوزان ابتسمت:
— “أنا اللي كنت بمسح وراه يا داليا. أنا اللي كنت عارفة عن نادين، وعارفة عن ياسين، وعارفة إنك بتراقبي كل ده. كريم كان بيثق فيا أنا بس.. ولما حس إن الأرض بتهرب من تحت رجليه، لجأ لي. ودلوقتي، أنا مش بس أرملته.. أنا الأم للوريث اللي هياخد 50% من كل حاجة باسم كريم السيوفي.”
قمت وقفت وسندت على المكتب:
— “إنتي فاكرة إن اللعبة خلصت؟ العقد ده هيتطعن عليه، والتحليل هيثبت إن الطفل ده مش ابنه!”
سوزان قامت ووقفت في مواجهتي، وقربت من وشي وهمست:
— “التحليل هيثبت إنه ابنه يا داليا.. لأن كريم فعلاً كان بيتعالج من وراكي، والعملية نجحت. بس فيه مفاجأة تانية.. تفتكري مين اللي بلغ نادين بمكان كريم النهاردة الصبح عشان تخلص منه قبل ما يغير رأيه في التنازل؟”
فتحت عيني بصدمة:
— “أنتي؟ أنتي اللي قتلتيه؟”
سوزان ضحكت ببرود وهي خارجة:
— “أنا حميت مستقبلي ومستقبل ابني. نادين دلوقتي هتشيل الليلة هي وياسين، وأنا هقعد أتفرج عليكي وأنتي بتحاولي تنقذي شركتك اللي بدأت تنهار في البورصة من ساعة خبر الحادثة. نتقابل في العزا يا.. يا مدام داليا.”
خرجت سوزان، وسبتني في دوامة مابتخلصش. بصيت للمحامية وقلت لها بجمود:
— “كلمي ‘الطرف الرابع’.. قولي له إن الوقت جه. داليا السيوفي مش هتموت لوحدها.”
المحامية سألت برعب: “مين الطرف الرابع يا فندم؟”
رديت وأنا بفتح درج سري في المكتب وبطلع منه ملف قديم عليه غبار:
— “صاحب الشركة الحقيقي.. الراجل اللي كريم سرق منه اسمه وحياته من 20 سنة، واللي الكل فاكر إنه مات.”
في اللحظة دي، النور قطع في الشركة كلها، وسمعت صوت خطوات تقيلة جاية ناحية مكتبي.. صوت مش غريب عليا أبدًا.