مراتي كانت متوفيه1

مراتي كانت متوفيه بقالها خمس سنين… ومع ذلك، كل أول شهر كنت ببعت ٢٠الف لحماتي.

 

كنت فاكر إني بساعد ست كبيرة أرملة عايشة لوحدها في قرية صغيرة على البحر.

 

لكن لما البنك كلمني وقال إن في مشكلة في الحساب، قررت أسافر بنفسي.

 

أخدتلها أدوية ضغط، شال دافي، علب بسكويت بتحبها، وشوية حاجات كانت “مي” مراتي بتحبها وهي صغيرة.

 

وكان جوايا إحساس بالذنب.

 

إحساس إني مقصر.

 

ماكنتش أعرف إن اللي مستنيني هناك هيقلب حياتي كلها.

 

اسمي “رامي”.

 

عندي 37 سنة.

 

ومن خمس سنين و3 شهور ويومين، خسرت مراتي “مريم”.

 

وأنا بكره كلمة “ماتت”.

 

كلمة قاسية.

 

نهائية.

 

صغيرة أوي على اللي حصل.

 

بالنسبالي، مريم ما ماتتش…

 

هي اختفت.

 

وسابت ريحتها في المخدة.

 

وسابت إسوارتها الفضية في الدرج.

 

وسابت فراغ محدش قدر يملأه.

 

قالولي إنها ماتت في حادثة عربية وهي رايحة تزور أمها في مدينة ساحلية.

 

تريلا.

 

مطر.

 

عربية اتحولت لخردة.

 

والنعش كان مقفول.

 

ولما طلبت أشوفها، رفضوا.

 

القس قال:

 

— “افتكرها زي ما كانت.”

 

وأمها، الحاجة “مارتا”، كانت ماسكة في دراعي وقت الجنازة وبتصرخ:

 

— “يا بنتي… يا نور عيني…”

 

وساعتها وعدتها.

 

قلت:

 

— “يا أمي… طول ما أنا عايش مش هتحتاجي تمدي إيدك لحد.”

 

ومن يومها وأنا ببعت الفلوس.

 

كل شهر.

 

من غير ما أتأخر يوم.

 

أصحابي كانوا بيقولوا إني مجنون.

 

لكن بالنسبة ليا…

 

كل تحويل كان آخر خيط رابطني بمريم.

 

كل أول شهر، لما توصلي رسالة البنك، كنت بحس إني لمست إيدها ثانية واحدة.

 

لحد ما في يوم…

 

وصل جواب من البنك.

 

قال إن بيانات الحساب محتاجة مراجعة.

 

اتصلت بالحاجة مارتا.

 

التليفون الأرضي مقفول.

 

الموبايل مقفول.

 

يوم.

 

اتنين.

 

تلاتة.

 

مفيش رد.

 

قلبي بدأ يقلق.

 

قولت يمكن تعبانة.

 

يمكن وقعت.

 

يمكن محتاجة حد.

 

أخدت أجازة من الشغل وركبت عربيتي.

 

وصلت البلد قبل المغرب.

 

كل حاجة كانت أهدى من اللي فاكرها.

 

بيوت قديمة.

 

شوارع ضيقة.

 

ريحة البحر.

 

وصوت الجرس بتاع الكنيسة من بعيد.

 

وقفت قدام البيت الأزرق القديم.

 

بيت الحاجة مارتا.

 

لكن أول حاجة خدت بالي منها…

 

إن البيت مقفول.

 

السلسلة عليها صدأ.

 

الشبابيك مقفولة.

 

الزرع ميت.

 

خبطت.

 

مفيش رد.

 

خبطت تاني.

 

— “يا أمي… أنا رامي.”

 

برضه مفيش.

 

وفجأة ست كبيرة خرجت من البيت اللي جنبه.

 

بصتلي وقالت:

 

— “بتدور على مين يا ابني؟”

 

— بتدور على مين يا ابني؟

التفتّ للست العجوزة وأنا قلبي مقبوض. كان باين على وشها التعب، ولابسة إيشارب أسود وبتسند على عكاز خشب.

قلت لها بسرعة وأنا بحاول أهدي ضربات قلبي:

— بدور على الحاجة مارتا، أم مريم.. أنا رامي جوز بنتها الله يرحمها. البيت مقفول بقاله قد إيه؟ هي تعبانة؟ راحت مستشفى؟

الست بصتلي بنظرة غريبة.. نظرة فيها شفقة على دهشة، وسكتت كام ثانية كأنها بتستوعب كلامي، وبعدين قالت بصوت مرتعش:

— الحاجة مارتا؟ يا ابني الحاجة مارتا سابت البيت ده من خمس سنين.. من وقت العزا بتاع بنتها مريم.

نزل الكلمتين على ودني زي الصاعقة. خمس سنين؟ طب والفلوس؟ والتحويلات؟

قلت لها وأنا مشوش:

— خمس سنين إزاي يا أمي؟ أنا بكلمها.. يعني، أنا ببعتلها فلوس كل أول شهر على حسابها في البنك، وتلفونها الأرضي كان شغال لحد الأسبوع اللي فات بس!

الست هزت راسها بأسف وقالت:

— يا ابني أنا جارتها من أربعين سنة. البيت ده مهجور من يوم الحادثة. هي مأستحملتش تقعد هنا بعد ما بنتها ماتت، وقالت إنها مسافرة تقعد عند قرايب ليها في الصعيد عشان تنسى.. ومن يومها محدش شافها، والبيت زي ما أنت شايفه السلسلة مصدية والزرع ناشف. أما التلفون الأرضي، فالسلوك في المنطقة كلها مقطوعة من سنتين بسبب خط عالي وقع في الشتا، ومفيش حرارة بتدخل البيوت دي أصلاً!

الدنيا لفت بيا. التلفون مقطوع من سنتين؟ والبيت مقفول من خمس سنين؟ طب مين اللي كان بيرد عليا أول سنتين؟ ومين اللي كان بيستلم الـ 20 ألف جنيه كل شهر من خمس سنين لحد النهاردة؟!

شكرت الست العجوزة وأنا مش شايف قدامي. ركبت العربية ودمي حاسس إنه اتمكّن منه التلج. فتحت الموبايل وبصيت على كشف الحساب الإلكتروني. الفلوس بتتسحب بانتظام، يوم 2 في كل شهر، من مكنة صراف آلي (ATM) فرع البنك الرئيسي في المدينة الساحلية اللي أنا فيها دلوقتي، مش من الصعيد!

شغلت العربية وطيرت على الفرع الرئيسي للبنك في وسط المدينة. كانت الساعة قربت على المواعيد المسائية للبنك. دخلت وأنا منهار، طلبت أقابل مدير الفرع. لما شاف حالتي وشافت الكارنيه بتاعي وعرف إني عميل “VIP” في البنك، دخلني مكتبه فوراً.

قلت له وأنا بحط الجواب اللي وصلي على مكتبه:

— أنا رامي نصحي.. جالي جواب إن حساب الست دي فيه مشكلة. الست دي حماتي، والبيت بتاعها مهجور من خمس سنين. عايز أعرف الفلوس دي مين بيسحبها.. وفين الحاجة مارتا؟

المدير بص في الكمبيوتر وقعد يكتب بسرعة، وبعدين ملامح وشة اتغيرت تماماً. بصلي وقالي بلطف:

— أستاذ رامي.. الحساب ده مفيش فيه أي مشكلة قانونية من ناحيتنا. الحساب باسم “مارتا يعقوب”، والفلوس بتتحول من حسابك لحسابها، وبتتسحب بالفيزا كارد والرقم السري من مكنة الفرع هنا بانتظام.

— ومين اللي بيسحبها؟! الست عجوزة ومش هنا!

— ثواني هشوفلك تاريخ تجديد البيانات..

المدير سكت تماماً، وعينيه برقت وهو بيبص للشاشة. اتمتم بكلام مش مفهوم وبعدين قال بصوت واطي:

— مش ممكن.. الحساب ده بياناته اتحدثت من سنة واحدة بس. وبصمة الصباع والتوقيع المطابق للبطاقة الشخصية اتعملوا هنا في الفرع.. والبطاقة سارية.

سندت بإيدي على المكتب وقلتله وصوتي بيرتعش:

— يعني الحاجة مارتا جت بنفسها هنا من سنة؟

المدير هز راسه وقال:

— مكتوب في النظام إن صاحبة الحساب حضرت بنفسها.. بس استني.. في ملحوظة كتبها الموظف اللي حدّث البيانات.. كاتب إن العميل “غير قادر على الحركة تماماً ويجلس على كرسي متحرك، وتتولى ابنتها ومرافقتها إنهاء الإجراءات بموجب توقيع الأم وبصمتها”.

حسيت إن الهوا اتقطع عن الرئة عندي.

— بنتها؟ بنتها مين؟ مارتا مكنش عندها غير بنت واحدة.. مريم.. ومريم ماتت من خمس سنين!

المدير ارتبك وقال:

— يا فندم أنا بقولك اللي مكتوب على السيستم.. الموظف كاتب “الابنة المرافقة”. لو عايز تتاكد، إحنا ممكن نرجع لكاميرات المراقبة بتاعة يوم التحديث، أو كاميرات مكنة الـ ATM بتاعة الشهر اللي فات عشان تشوف مين اللي سحب الفلوس بالفيزا. بس ده هيحتاج إذن رسمي أو محضر.

طلعت كارتي وقلتله بصوت حاد ومليان رجاء في نفس الوقت:

— أرجوك.. أنا ببعت الفلوس دي كصدقة وعلى روح مراتي.. وبقالي خمس سنين عايش في وهم. اعتبرها خدمة إنسانية.. وريني الكاميرا بتاعة السحب الأخير.

المدير تردد، لكن لما شاف دموعي اللي بدأت تنزل غصب عني، تعاطف معايا. اتصل بمسؤول الأمن في البنك وطلب منه يجهز تسجيل مكنة الـ ATM الخارجية ليوم 2 في الشهر الحالي الساعة 10 صباحاً (الوقت اللي جاتلي فيه رسالة السحب).

بعد نص ساعة، كنت قاعد مع المدير ومسؤول الأمن قدام شاشة الكمبيوتر.

الشاشة كانت سودا، وبعدين بدأت تعرض الفيديو.

الشارع كان زحمة.. ومكنة الـ ATM مفيش حد واقف قدامها..

وفجأة، ظهرت ست.

كانت لابسة نضارة شمس سودا عريضة، ومنديل كبير مغطي راسها ورقبتها.. لابسة عباية واسعة.

قربت من المكنة، طلعت الفيزا، وحطت الرقم السري وهي بتتلفت حواليها بقلق كأنها خايفة حد يشوفها.

سحبت الفلوس وحطتها في شنطتها.

أنا كنت باصص للشاشة وعينيا هتطلع من مكانها. الست دي مش الحاجة مارتا.. الحاجة مارتا ست قصيرة ومحنية وضخمة شوية.

الست اللي في الكاميرا كانت ممشوقة القوام.. طويلة.. وحركتها خفيفة وسريعة.

لما خلصت السحب، وقبل ما تمشي، نزلت النضارة الشمس ثانية واحدة عشان تمسح عرق من على وشها وبصت ناحية الكاميرا..

وفي اللحظة دي.. الزمن وقف.

القلب وقف.. والكون كله اختفى.

الوش ده.. الملامح دي.. الشامة الصغيرة اللي فوق شفتها الغامقة..

الحلق الفضي اللي في ودنها..

دي مريم.

صرخت بأعلى صوتي في مكتب المدير:

— دي مريم!! دي مراتي!! مراتي ماتتتتتتش!! مريم عايشة!!

المدير ومسؤول الأمن وقفوا مفزوعين. المدير قالي:

— أستاذ رامي اهدى.. أنت بتقول إنها ماتت من خمس سنين! دي واحدة شبهها يمكن؟

— مش شبهها!! دي هي!! أنا حافظ تفاصيل وشها أكتر من نفسي! دي مريم!!

طلعت جري من البنك زي المجنون. الشارع كان بدأ يليل، ونور الكشافات بيعكس على الأرض المبلولة من رطوبة البحر. كنت بنهج، وعقلي بيطحن في أفكار مرعبة.

لو مريم عايشة.. مين اللي كان في النعش المقفول؟

ليه سابيتني خمس سنين أتعذب وأبكي عليها كل ليلة؟

ليه أمها خبت عليا وقالت إنها ماتت وصوتت في الجنازة؟

والأهم من كل ده.. مريم عايشة فين دلوقتي؟ وبتعمل إيه بالـ 20 ألف جنيه كل شهر؟

افتكرت كلام موظف البنك: “الأم على كرسي متحرك وبنتها معاها”. يعني مريم عايشة مع أمها في مكان ما في المدينة دي!

ركبت عربيتي، وأنا إيدي بترتعش لدرجة إني مش عارف أحط المفتاح في الكونتاكت.

قعدت أفكّر.. مريم ملهاش قرايب هنا غير خالتها “سلوى”، اللي كانت مقاطعاهم من سنين بسبب مشاكل على الميراث. مريم كانت دايماً تقولي إن خالتها دي عايشة في شقة قديمة في منطقة “السيوف” ورا محطة القطر القديمة.

دوّرت العربية ومشيت بأقصى سرعة ناحية المنطقة دي.

وصلت بعد ساعة من اللف في الشوارع الضيقة المظلمة. المنطقة كانت شعبية جداً والبيوت لازقة في بعضها. نزلت وسألت كذا حد من أصحاب المحلات القديمة عن “الست مارتا” أو أختها “سلوى”.

لحد ما وقفني راجل عجوز فاتح دكانة بقالة صغيرة، بصلي وقال:

— الست مارتا يعقوب؟ أيوة يا ابني.. هي قاعدة هنا في البيت اللي ورايا ده في الدور الأرضي.. بس الست دي قعيدة ومبتخرجش خالص.. ومعاها بنتها ممرضة بتراعيها.

قلتله وأنا هتموت من اللهفة:

— بنتها اسمها إيه؟

قالى:

— اسمها “نور”.. بتشتغل في مستشفى خاص هنا، مبتخرجش غير للغل والطلبات، ومبتكلمش حد من الجيران خالص، دايماً حاطة طرحة على وشها.

“نور”.. مريم مسمية نفسها نور.

مشيت خطوات رجلي كانت تقيلة زي الرصاص لحد ما وصلت لباب الشقة الأرضي. الباب كان خشب قديم، ولونه بني مقشر. كان في صوت واطي جاي من جوه.. صوت تليفزيون شغال على قداس أو ترانيم بصوت هادي.

رفعت إيدي.. وكنت حاسس إن لو خبطت، حياتي القديمة هتنتهي للأبد، وهتبدأ حقيقة تانية خالص.. حقيقة أنا مش عارف هقدر أستحملها ولا لأ.

أخدت نفس طويل.. وخبطت تلات خبطات قوية.

الصوت جوه سكت تماماً.

سمعت صوت خطوات خفيفة بتقرب من الباب.. خطوات أنا حافظ إيقاعها كويس جداً.. خطوات مريم وهي لابسة شبشبها البيتي الخفيف.

الخطوات وقفت ورا الباب مباشرة.

وسمعت صوتها.. صوت مريم النقي اللي كنت بسمعه في أحلامي كل ليلة.. وهي بتقول بقلق:

— مين؟ مين بيخبط دلوقتي؟

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *