قرض حكايات امانى السيد 2

قفلت الموبايل بعد ما شوفت كلمة “Read” بتنور قدام عيني.. حسيت لأول مرة من سنة إن فيه طاقة غريبة سرت في جسمي، طاقة مش جاية من الفرح، دي جاية من قاع الوجع اللي اتقلب لـ “تحدي”. نمت ليلتها ومفيش في ودني غير كلمة واحدة: “الوعد في المطار”.

تاني يوم الصبح، دخلت البنك وأنا شايلة الفلوس اللي جمعتها من بيع هدومه وكل حاجة سابها وراه، بالإضافة لسلفية بسيطة من صاحبة عمري. دفعت الأقساط المتأخرة، وأخدت وصل السداد وجريت بيه على مكتب المحامي.

دخلت المكتب ورميت الإيصالات على مكتبه وقلتله بنبرة حاسمة:

* “أنا سددت المتأخر والمحضرين مش هيجوا الشغل تاني.. قولي بقى، هنبدأ الحرب دي إزاي؟”

المحامي ابتسم ونزل نظارته وقالي:

* “كده أنتي أمّنتي ضهرك في الشغل.. دلوقتي دورنا نهاجم. أنا جهزت جنحة (تبديد وخيانة أمانة) بناءً على التوكيل اللي استخدمه لسحب الشيك، ومعانا برنت من الرسائل القديمة اللي بيعترف فيها إن الفلوس دي عشان يقف على رجله بره ويردها لك. القض*ية دي هتمشي في مسارها الطبيعي وهتاخد حكم غيابي سريع لأنه بره البلد”.

سألته بلهفة: “وبعد الحكم؟”

رد المحامي: “بعد الحكم، بنقدم طلب لإنتربول القاهرة عشان إدراج اسمه على قوائم ترقب الوصول (الكمين).. ودي هتبقى القنبلة الموقوتة اللي مستنياه”.

مرت الأيام والأسابيع، ورجعت لساقية الشغل والشفتين.. بس المرة دي كنت بشتغل وأنا حاسة إن كل قرش بدفعه للبنك هو خطوة بتقربني من حقي.. مبقتش بكلم نفسي في الشوارع بوجع، بقيت بمشي وأنا باصة لفوق، مستنية اللحظة اللي هينهار فيها قصر الرمل اللي بناه بدمي.

بعد حوالي شهرين، المحامي كلمني وقالي: “مبروك يا أماني.. أخدنا حكم غيابي بحبسه 3 سنين مع الشغل والنفاذ، وقدمنا الأوراق الرسمية لإدراج الاسم في المطار”.

في اليوم ده، حسيت إن فيه جبل انزاح من على نفسي.. الحكم بقى حقيقة على الورق، وباقي التنفيذ.

في نفس الليلة، وأنا قاعدة في صالتي المطفية، لقيت موبايلي بيرن.. الرقم مكنش غريب المرة دي.. ده كان رقم أحمد شخصياً!

قلبي دق بسرعة، بس مكنش خوف.. كان حماس الصياد اللي شايف فريسته بتقرب من المصيدة.

فتحت الخط وفضلت ساكتة.. جالي صوته، بس مكنش فيه البرود بتاع زمان.. صوته كان متوتر، فيه نبرة غضب مكتوم:

* “أنتي عملتي إيه يا أماني؟ إيه القرف اللي باعتينهولي أهلي من مصر ده؟ أنتي رافعة عليا قض*ية حبس؟!”

رديت ببرود قاتل، بنفس النبرة اللي كان بيكلمني بيها:

* “أهلاً يا بشمهندس.. مش أنتي اللي قولتلي (ده قرض شخصي باسمك وبلي الورق واشربي ميته)؟ أنا بليته ولقيت ميته مرة.. فقولت أسقيك منها شوية”.

زعق في التليفون وصوته علي:

* “أنتي اتجننتي؟ أنتي فاكرة الحركة دي هتهزني؟ أنا في دبي، وعايش في عز، وتحت إيدي عربية وبيوت، ومحاكم مصر دي متطولنيش.. الحكم ده بليه أنتي واشربي ميته، أنا مش نازل مصر أساساً!”.

ضحكت ضحكة خفيفة وجعته أكتر من الزعيق وقولتله:

* “عارفة إنك مش نازل.. وعارفة إنك مبسوط.. بس الحياة بتلف يا أحمد، وجواز سفرك المصري اللي معاك ده له تاريخ انتهاء.. ويوم ما هتيجي تجدده في السفارة هناك، أو يوم ما تنزل في أي مناسبة، هتلاقي رجالة المطار مستنيينك بالكلابشات.. من هنا ورايح، عيش في دبي وأنت بتبص وراك.. عيش وأنت خايف من أي حد لابس بدلة ميري.. فلوسي اللي بتفسح بيها الهانم، هتدفع تمنها قلق وخوف في كل لحظة”.

وقبل ما ينطق بكلمة، قفلت السكة في وشه.. وعملت له “بلوك” من كل حتة.

مرت سنة كاملة.. سنة وأنا مستمرة في سداد القسط اللي بقى بياكل نص مرتبي، بس الوجع خف، وبقى مكانه صبر وقوة. زمايلي في الشغل مابقوش بيبصوا لي بشفقة، بالعكس.. بقوا يشوفوا فيا الست القوية اللي وقفت على رجلها ومتهدتش.

وفي يوم.. وأنا قاعدة في مكتبي بخلص أوراق نهاية الشهر، جالي إشعار على الفيسبوك من صفحة “صديق مشترك” بيني وبين أحمد.. الصديق ده كان منزل بوست كاتب فيه:

“دعواتكم لوالد أحمد.. في ذمة الله.. والعزاء في مجمع المحاكم بالمنصورة فور وصول الج*ثمان من دبي”.

أول ما قريت الكلمة.. جسمي كله قشعر.. والد أحمد اتوفى فجأة في دبي، وأهله بيجهزوا عشان يدفنوه في مصر.. وده معناه حاجة واحدة بس.. أحمد مضطر ينزل مصر مع الج*ثمان عشان يدفن أبوه!

فتحت شنطتي، طلعت الموبايل وطلبت رقم المحامي.. إيدي كانت بترحف من الصدمة والمفاجأة..

* “ألو.. يا متر.. أحمد نازل مصر خلال 48 ساعة.. ج*ثمان والده جاي على طيارة دبي.. تفتكر الاسم لسه منور في المطار؟”

المحامي رد عليا وصوته فيه نبرة جدية مرعبة:

* “الاسم مدرج ومفيش فيه هزار.. اجهزي يا أماني.. اللحظة اللي استنيتيها بتيجي في وقت مكنتيش تتوقgroupيه.. الوعد في المطار فعلاً!”.

 

قعدت على مكتب في الشغل، الموبايل في إيدي كأنه جمرة نار.. الكلمات مكتوبة قدامي على الشاشة: “والد أحمد في ذمة الله.. والعزاء فور وصول الج*ثمان”.

حسيت بمشاعر متلخبطة.. الموت له جلالة، وزعلت على الراجل الطيب اللي ملوش ذنب في ندالة ابنه، بس في نفس اللحظة، كان فيه صوت جوايا بيصرخ: “العدالة بتتحرك.. الساقية دارت وجمعتنا في نفس النقطة”.

قمت من مكتبي واستأذنت من المدير.. نزلت الشارع وأنا حاسة إن الهوا يدخل صدري لأول مرة من سنين من غير ما يخنقني. كلمت المحامي وفضلنا على تواصل طول الليل بنتابع مواعيد الطيران اللي جاية من دبي لـ مطار القاهرة.

المحامي قالي بلهجة حاسمة:

* “أماني.. الطيارة اللي عليها الج*ثمان هتوصل بكرة الساعة 6 الصبح.. أنا هكون هناك مع قوة تنفيذ الأحكام بتاعة المطار، بس أنتي لازم تيجي.. لازم يشوف وشك في اللحظة دي عشان يعرف إن دمك الشقي مش بيروح هدر”.

منمتش دقيقة واحدة طول الليل.. كنت قاعدة في الصالة، باصة لساعة الحيطة.. “تيك تاك”.. بس المرة دي الصوت مكنش بيسحب من عمري، ده كان بيقربني من حقي. الساعة جت 4 الفجر، لبست هدومي.. نزلت وركبت تاكسي للمطار.

وصلت صالة الوصول رقم 3.. الجو كان برد وساقع، والمكان زحمة.. ناس مستنية أهاليها بورد وضحك، وأنا مستنية الخاين بالكلابشات. وقفت في زاوية بعيدة شوية، ولمحت المحامي واقف مع اتنين أمناء شرطة وضابط لابس بدلة ميري، ماسكين في إيديهم ورق.. ورقة الحكم بتاعتي.

الساعة دقت 6.. وبعدها بـ 45 دقيقة، بدأت بوابات الخروج تفتح.. والركاب يظهروا.

قلبي كان بيدق زي الطبلة.. عيني كانت بتتحرك على الوشوش لحد ما لمحته!

كان هو.. أحمد.. لابس قميص أسود، وشه باهت ومخطوف من الحزن على أبوه، وماشي جنب والدته وأخته اللي كانوا بيعيطوا.. مكنش معاه جيهان، نزل لوحده عشان يخلص الإجراءات بسرعة.

كان ماشي بخطوات سريعة ناحية بوابة الخروج.. وفي اللحظة اللي حط فيها رجله برا الصالة وعينه جت على العربيات.. الضابط خطى خطوتين ووقف قدامه:

* “بطاقتك وجواز سفرك يا فندم لو سمحت”.

أحمد اتخض، وشه اتقلب أصفر وقال بتوتر:

* “فيه إيه يا فندم؟ أنا معايا ج*ثمان والدي وخارج ورا عربية الإسعاف.. فيه حاجة في الورق؟”

الضابط بصل في الجواز، وبعدين بص في الكشف اللي معاه وقاله ببرود:

* “البقاء لله يا فندم.. بس الأستاذ أحمد…؟ أنت مدرج على قوائم ترقب الوصول.. عليك حكم حبس واجب النفاذ 3 سنين في قض*ية تبديد وخيانة أمانة”.

أمه صرخت: “حبس إيه يا بيه؟ إحنا في مصيبة! ابني لسه جاي من السفر!”

وأحمد بدأ يتنفض، صوته علي وهو بيقول: “حكم إيه؟ دي أكيد قضايا كيدتلي من طليقتي.. أنا هعمل معارضة.. أنا هدفع.. سيبوني أدفن أبويا طيب!”.

في اللحظة دي.. أنا خطيت كام خطوة ووقفت قدامه بالظبط.. المسافة بيني وبينه مكنتش تكمل مترين.

أول ما عينه جت في عيني.. برقت.. الصدمة شلت لسانه.. الرعب اللي شوفتيه في عينه في اللحظة دي، نساني كل ليلة نمت فيها معيطة.. نساني شكل علبة الجبنة اللي كنت برجعها عشان أوفر الفرق.. نساني رسائل البنك اللي كانت بتنزل على وشي زي اللطمة.

بصيت له بثبات، ملامحي كانت أبرد من حيطان المطار، وقولتله بصوت سمعه هو لوحده وسط لمتهم:

* “البقاء لله يا ابن الأصول.. مش قولتلك؟ الساقية حبلها بيلف.. والوعد في المطار.. بِل بقى حكم الحبس ده يا أحمد.. واشرب ميته”.

الضابط شاور للأمناء.. وفي ثانية.. كان صوت “تكة الكلبشات” بيرن في الصالة وهو بيقفل على إيده اللي كانت متصورة بالساعة الغالية.. وهو بيتسحب قدام أمه وأخته وسط ذهول كل الناس في المطار.

المحامي قرب مني وطبطب على كتفي وقالي: “حقك رجع يا أماني.. هو كده هيترحل على القسم، وطبعاً عشان ظرف الوفاة هيدفن والده بحراسة، بس هيرجع على السجن لحد ما يعمل معارضة ويحدد جلسة.. والمرة دي، مفيش خروج إلا لما يدفع كل مليم في القرض كاش وفوقيهم التعويض”.

رجعت من المطار والشمس بتطلع.. النور كان بيملا الشوارع، وحسيت إن الهوا بقى خفيف.. أحمد دخل الحجز، والكلابشات في إيده.. بس الحرب لسه مخلصتش.. لسه فيه جلسة المحكمة، ولسه رد الفلوس.. ولسه جيهان اللي فاكرة إنها كسبت!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *