حفيدي حكايات زهره الربيع 2

مرت الـ 48 ساعة على عامر وهبة وزي ما يكونوا عايشين في كابوس مش عارفين يفوقوا منه. عامر حاول يكلمني مية مرة، يبعت رسايل، يخلي أعمامه وأخواله يتدخلوا، وكل ما حد من قرايبنا يكلمني، كنت برد عليه بكلمة واحدة: “اللي يرضى إني اتهان ويقولي مش نفعانا بحاجة، ملوش عندي غير الشارع.. ومحدش يدخل بيني وبين اللي طردني من لحمي ودمي”.

في اليوم الموعود، عامر كان فاكر إني بهدد، والست هبة كانت عمالة تقويه وتقوله: “دي بتخوفنا، مش هتقدر تعمل حاجة، دي أم في الآخر وقلبها حنين”.. بس هما ميعرفوش إن نوال القديمة ماتت في المستشفى، والواقفة قدامهم دلوقتي ست تانية خالص، ست كسروا قلبها وداست على عاطفتها عشان تاخد حق كرامتها.

الساعة دقت 12 الظهر، والباب خبط، بس المرة دي مخبطش بإيد محضر.. الخبط كان قوي ووراه حركة ورجلين كتير. عامر فتح الباب وهو بيترعش، لقى المحامي بتاعي ومعاه قوة من الشرطة، ورجال تنفيذ الأحكام، ومعاهم عمال لوريات لنقل العفش!

الضابط بلهجة حازمة وصارمة: “أستاذ عامر المحمدي؟ معانا حكم تنفيذ فوري بالطرد من العقار وتسليمه لمالكته السيدة نوال، ومعانا كمان أمر بغلق المحل التجاري وتشميعه بالشمع الأحمر لانتهاء الرخص وإقامته على أرض ملك للغير بدون وجه حق”.

عامر ركبه سابت ومبقاش قادر يقف على رجليه، وهبة خرجت تجري وتصرخ وتصوت: “يا ناس يا عالم الحقونا، حماتي بتطردنا في الشارع، بتطرد ابنها وحفيدها اللي ذراعه مكسور!”

المحامي بتاعي بص لها بكل برود وقال: “القانون مبيحميش اللي يطول لسانه على أسياده يا مدام.. قدامكم نص ساعة تلموا هدومكم الشخصية بس، والعفش كله هيتجمع وينزل، وإلا القوة الجبرية هتعمل شغلها”.

الجيران كلهم طلعوا على السلالم وبقوا يتفرجوا، اللي كان عارف حقيقة هبة وعامر وبخلهم وجحودهم كان شمتان، واللي ميعرفش بقى واقف مذهول. عامر بقا يلم في هدومه وهو بيبكي زي العيال الصغيرة، وهبة تصرخ وتلطم، وياسين الصغير واقف مرعوب مش فاهم إيه اللي بيحصل. شالوهم وحطوا حاجتهم في الشارع قدام عيون المنطقة كلها، والمحل اللي كان عامر بيتباهى بيه وبأرباحه، اتقفل بجريد حديد واتحط عليه الشمع الأحمر، وبقى عامر في لحظة واحدة: بلا بيت، وبلا شغل، وبلا كرامة وسط الناس.

في نفس اللحظات دي، كنت أنا قاعدة في بيتي القديم، لابسة دهبي اللي كنت عيناه، ومستقبلة المحامي بتاعي ومعاه مفاتيح البيت الكبير ومفاتيح المحل.

المحامي ابتسم وقالي: “مبروك يا حاجة نوال، التنفيذ تم بالحرف، والبيت والمحل بقوا تحت إيدك رسمي، وعامر ومراته دلوقتي في الشارع بيدوروا على إيجار جديد، ومحدش من أصحاب المحلات راضي يشغله بعد الفضيحة اللي حصلت”.

سندت ضهري لورا وقلت: “دي البداية يا متر.. عامر افتكر إن الدنيا دامت له، وافتكر إن قرشين مراته ولا لسانها الطويل هيحموها. أنا هسيبهم يلفوا حوالين نفسهم كام يوم، يدوقوا طعم المر والذل اللي دوهولي”.

بعد أسبوع بالظبط، الباب بتاعي خبط. فتحت، لقيت عامر واقف، دقنه طولانة، وشه دبلان وهدمته مبهدلة. أول ما شافني، ركع على ركبه تحت رجلي وبدأ يبوس جزمتي وهو بيبكي بحرقة:

“سامحيني يا أمي.. هبوس رجلك سامحيني، أنا اتمهنت في الشارع، ومراته هبة سابتني وراحت قعدت عند أمها لما لقتني بقيت على الحديدة وقالتلي أنت مش نافعني بحاجة! أنا عرفت قيمتك يا أمي، أبوس إيدك رجعيني لحضنك أنا بموت”.

بصيتله من فوق لتحت، ومسكتش، وقبل ما أنطق بكلمة، لمحت هبة وأمها جايين من بعيد وجايبين معاهم ناس عشان يترجوني.. بس أنا في دماغي خطة تانية خالص، خطة هتخليهم كلهم يركعوا، ومش هكتفي بطردهم وبس!

**تُرى، ما هي الخطوة القادمة في خطة الحاجة نوال؟ وهل ستقبل توبة عامر بعد أن تخلت عنه زوجته؟ هذا ما سنعرفه

وقفت في مدخل البيت، وبصيت لعامر وهو راكع تحت رجلي، والدموع مغرقة وشه. وفي نفس اللحظة، وصلت هبة وأمها ومعاهم تلات رجالة كبار من المنطقة جايين واسطة عشان يلموا الموضوع بعد ما الفضيحة بقت بجلاجل في البلد كلها.

أول ما هبة شافت عامر راكع، وشها جاب ألوان، بس لسه الجبروت والغل في عيونها. أمها اتكتمت واتقدمت عليا وقالت بنبرة فيها مكس مابين الحرج والرجاء: “جرى إيه يا حاجة نوال؟ المسامح كريم، والولد غلط وعرف غلطه، والست هبة كانت ساعة غضب وشيطان، ميوصلش الأمر إنك ترمي ابنك الوحيد في الشارع وتخليه فرجة للي يسوى واللي ميسواش!”

بصيت للرجالة اللي جايين معاهم، وقولت بصوت قوي سكت الكل: “أهلاً يا حاج فوزي، أهلاً يا أستاذ صابر.. خطوة عزيزة، اتفضلوا ادخلوا، أما الباقيين فيفضلوا واقفين على الباب زي ما هما”.

دخلوا الرجالة وعامر قام دخل وراهم وهو منكسر، وهبة وأمها وقفوا برا هيموتوا من الغيظ. قعدت على كرسي الصالون، وحطيت رجل على رجل، وقولت للمحامي بتاعي اللي كان قاعد معايا: “اقرأ الشروط يا متر”.

المحامي طلع ورق من شنطته وبص لعامر وقال: “الحاجة نوال مستعدة تديك فرصة تانية، بس بشروط قانونية موثقة في الشهر العقاري حالا، ولو رفضت، المحل هيفضل مقفول، والشقة هتتأجر لغريب من بكرة الصبح”.

عامر لهث ورفع عينه: “موافق يا أمي، موافق على أي حاجة، بس نرجع بيتنا والمحل يتفتح، أنا اتخرب بيتي والديانة بقوا يمروا عليا في الشارع”.

المحامي بدأ يقرأ الشروط اللي طيرت بقايا برج من دماغ عامر:

> **أولاً:** تنازل رسمي وبلا رجعة من عامر عن نصيبه الشرعي في معاش والده أو أي إرث مستقبلي لصالح الحاجة نوال.

> **ثانياً:** المحل يتفتح ويمشي بإيجار شهري رسمي يدفعه عامر للحاجة نوال، وفي حال التأخر شهر واحد عن الدفع، يتم طرده فوراً بقوة القانون وبدون إنذار.

> **ثالثاً:** عامر يوقع على “إيصال أمانة” بمبلغ نص مليون جنيه كضمان لمعاملته لأمه، والإيصال ده يفضل في إيد المحامي، لو عامر زعل أمه أو قل أدبه بكلمة واحدة، الإيصال هيروح النيابة.

> **رابعاً وأهم شرط:** الست هبة متدخلش البيت الكبير ده نهائي، وتتكتب ورقة بعدم تعرض، ولو عامر عايز يعيش مع مراته، يروح يأجر لها جحر يعيشها فيه من فلوسه، أما شقة البيت الكبير فدي هتقعد فيها الحاجة نوال معززة مكرمة، وعامر ملوش فيها غير أوضة واحدة لو حب يخدم أمه، ومن غير مراته!

>

عامر سمع الشروط وبق بقى مفتوح من الصدمة: “يا أمي.. يعني أطلق هبة؟ وأعيش معاكي خادم من غير مليم في المحل؟!”

قولتله بنبرة حديد: “أنا مقلتلكش طلقها.. روح عيش معاها في أوضة تحت السلم اصرف عليها وريني رجولتك، إنما بيتي وأرضي ومحلي متدخلهمش، والقرش اللي كان بيكبرك قدامها هيرجع في جيبي أنا، عشان تعرف إن الله حق.. قدامك خمس دقائق، تمضي وتنقذ نفسك من السجن والديانة، يا إما تاخد هبة وأمها وتروحوا تشحتوا سوا”.

عامر بص للورق، وبص لمستقبله اللي ضاع، ومبقاش قدامه حل.. مسك القلم وإيده بترعش، ومضى وبصم على كل الأوراق وهو بيبكي دموع الندم الحقيقي.

خرج المحامي بالورق، وأول ما هبة شافت عامر طالع وعينه في الأرض، جريت عليه: “عملت إيه يا عامر؟ هنرجع الشقة والمحل؟”

عامر بص لها بنظرة كلها غل وكره، ولأول مرة في حياته يرفع إيده ويضربها قلم رن في الشارع كله، وصرخ فيها: “خربتي بيتي وضيعتي مستقبلي وخليتيني أمضي على بيع نفسي عشان لسانك القذر! أنتي طالق يا هبة.. طالق بالتلاتة، وخذي أمك وروحي في داهية!”

هبة صرخت ولمت الناس، وأمها بقت تلطم، وعامر سابهم وجري في الشارع وهو مش طايق نفسه.

أنا وقفت في البلكونة وبصيت عليهم وأنا بشرب الشاي، حسيت بروح جوزي الله يرحمه وهي مرتاحة، وعرفت إن الأمانة اللي سابهالي حفظتلي كرامتي في الوقت المناسب.

مرت ست شهور..

الحال اتبدل تماماً. عامر بقى عايش معايا في الشقة، بس مش الابن الآمر الناهي.. بقى زي الألف، يصحى الصبح يبوس إيدي، وينزل المحل يشتغل من النجمة للنجمة عشان يجمع الإيجار اللي بيدفعهولي أول كل شهر وهو ساكت، وبقى يراعي ربنا فيا وفي ابنه ياسين اللي بقيت أنا اللي بربيه وبكبره على الأصول بعد ما أمه سابته وراحت تتجوز واحد تاني، ومسألتش فيه.

وفي يوم، وأنا قاعدة في الصالون براجع حسابات المحل والإيجارات اللي داخلة لي، تليفوني رن.. لافيت الرقم لقيت محامي هبة بيتصل بيا وبيقولي نبرة خبيثة: “يا حاجة نوال.. هبة رفعت قضية نفقة ومؤخر ومتعة على عامر، وبما إن عامر شغال في المحل بتاعك، فالقاضي هيحكم بحجز على دخل المحل، يعني فلوسك إنتي اللي هتدفع لهبة!”

ابتسمت وقولت في بالي: “يا بنت هبة.. فاكرة نفسك ذكية؟ لسه مش عارفة مين هي الحاجة نوال!”

**تُرى، إزاي الحاجة نوال هتصدم هبة ومحاميها المرة دي؟ وهل عامر هيفضل خاضع لأمه، ولا هيقلب عليها تاني لما يلاقي نفسه هيدخل السجن بسبب قضايا النفقة؟ هذا ما سنعرفه في الجزء الخامس!**

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *