قعد محمود على درجات السلم الضلَمة، ساند ضهره على الحيطة الباردة، والدموع بتنزل من عينيه بحرقة لأول مرة من سنين. صوت ضحكات عياله "زياد" و"ليلى" جوه الشقة كان طالع من تحت الباب، بيخبط في قلبه زي السكاكين. كل ذكرة حلوة، كل لحظة هناء وقفت فيها جنبه، كل لقمة ناشفة اقتسموها سوا عشان يبنوا مستقبله، كانت بتمر قدام عينيه زي الشريط. الشارع بره كان هادي، والليل عِمِق، لكن جحيم محمود كان يلا دوبه بيبدأ. قام بالعافية، يجر رجليه زي الشيخ العجوز، ونزل للشارع. مفيش في جيبه غير الخمسين جنيه اللي باقية، ومفيش سقف ياويه. راح على القهوة البلدي اللي في أول الشارع، قعد في ركن ضلمة بعيد عن أنوار الفوانيس، وطلب كباية شاي بنعناع عشان يدفى. القهوجي حط الكباية قدامه وبصله بشفقة واستغراب: ـ "مالك يا أسطى محمود؟ شكل فيك حاجة مش مظبوطة النهاردة.. خير؟" محمود هز رأسه وما نطقش، حط راسه بين إيديه وفضل ساكت. تاني يوم الصبح، الشمس طلعت، ومعاها طلعت الفواتير اللي كانت مستنية محمود. الساعة جات عشرة الصبح، محمود كان واقف قدام باب الورشة. المقفولة بقفل كبير من عبد الصمد. الشارع بدأ يتملي بالناس، والتجار اللي محمود كان بياخد منهم بضاعة بالآجل بدأوا يتجمعوا. الأستاذ "جمال" تاجر الدهانات، والأستاذ "سعيد" تاجر المسامير والإكسسوارات، كانوا واقفين مع الحاج عبد الصمد قدام الباب. أول ما شافوا محمود قرب، اتلموا حواليه زي النسور. جمال زعق فيه: ـ "أهلاً بالأسطى! إيه الأخبار يا عمدة؟ سمعنا إنك اتجوزت وقضيت شهر العسل في إسكندرية على حساب بضاعتنا؟ أنا ليا عندك 25 ألف جنيه حق دهانات الطلبية القديمة، والنهارده ميعاد السداد!" سعيد كمل بغضب: ـ "وأنا ليا 15 ألف جنيه يا محمود! والخبر جالي إن الورشة عليها حجز تحفظي من المحكمة وأنك محجوز على أصولها! هات فلوسنا فوراً يا إما هنعمل محاضر تبديد ونقفل معاك بالحساب القديم!" محمود عرق بغزارة، وحس إن الأرض بتلف بيه: ـ "يا جماعة استهدوا بالله.. أنا مروري بأزمة بسيطة و..." عبد الصمد تدخل بصوته الجوهري وهو بيبص لمحمود بإزدراد: ـ "أزمة إيه يا محمود؟ أنت مفكر الناس سُذج؟ أنت أخدت الفلوس النقدية اللي كانت في حساب الورشة، وأخدت تحويشة مرتك، ورحت تطفح بيه شهر عسل! الورشة دي دلوقتي تحت الحراسة القضائية بسبب قضية الورثة اللي رفعتها سعاد أخت المرحوم رفعت، ومفيش حبة خشب واحدة هتخرج منها إلا بـأمر المحكمة!" محمود بص لعبد الصمد وصرخ بيأس: ـ "عبد الصمد! أنت عملت كدة ليه؟ أنت ليه قومت الدنيا عليا؟" عبد الصمد قرب منه ووشه قاسي زي الصخر: ـ "أنا ما قومت القضايا عليك يا محمود.. أنت اللي قمتها على نفسك لما نسيت أصلك، ولما أكلت حق الغلبانة اللي كانت شايلك. الست هناء جت لي، مش عشان تطلب مني أذيتك، لكن عشان تحمي حق عيالها وحق الورثة اللي أنت كنت ناوي تاكله! الست أصيلة.. وعرفت تصون الحقوق، إنما أنت طلعت عيل!" في اللحظة دي، عربية شرطة صغيرة وصلت الشارع، ونزل منها أمين شرطة ومعاه محضر من المحكمة. المحضر استعلم عن "محمود أحمد الفولي"، ولما محمود شاور على نفسه، سلم له إعلان قضائي بالتمكين والتعدي. المحضر قال بصوت عالي قدام التجار والجيران: ـ "أنت يا أسطى محمود مطلوب إعلانك بدعوى تمكين للست 'هناء عبد السلام' من شقة الزوجية بصفتها حاضنة للأطفال 'زياد' و'ليلى'، بالإضافة لدعوى نفقة مأكل وملبس ومسكن بمبلغ 6 آلاف جنيه شهرياً، وميعاد الجلسة يوم الخميس القادم." الشارع كله اتهز بالهمس. محمود حس إن السقف وقع على دماغه. 6 آلاف جنيه نفقة شهرياً؟ والورشة مقفولة ومحجوز عليها، وجيبه فاضي، والتجار بيطالبوه بـ 40 ألف جنيه كاش فوراً! جمال تاجر الدهانات قال للمحضر: ـ "سجل عندك يا حضرة المحضر.. الراجل ده مديون لنا بفلوس ومبطل سداد، وإحنا طالعين معاه على القسم نعمل محاضر إثبات حالة وتبديد!" أمين الشرطة مسك محمود من دراعه: ـ "تعال معانا يا أسطى محمود على القسم نخلص المحاضر دي ونشوف موضوع الديون ده." محمود اتسحب زي المجرم في نص منطقته، قدام الصبيان اللي كانوا بيشتغلوا عنده، وقدام التجار اللي كانوا بيعملوا له ألف حساب، وقدام الجيران اللي كانوا بيسموه "العمدة". الهيبة الكدابة راحت، والغرور اتحول لذل ورغبة في الاختفاء. في قسم الشرطة، قعد محمود في النوبتجية ليلة كاملة. ليلة بين الحيطان الباردة، لا أكل ولا شرب ولا نوم. التجار رفضوا يتنازلوا عن المحاضر إلا لما ياخدوا ضمانات أو جزء من فلوسهم. تاني يوم الصبح، المحامي بتاع محمود جه القسم وشكله متوتر: ـ "يا أسطى محمود.. الوضع صعب جداً. عبير مرتك الثانية راحت النيابة الصبح ورفعت عليك دعوى خلع، وطالبت بمؤخر الصداق والدهب اللي أنت كتبتهم في القائمة، وبتقول إنك خدعت واستغليت عدم فهمها وكتبت لها شقة مش بتاعتك!" محمود اتصدم، وضحك ضحكة يأس مكسورة: ـ "عبير؟ رفعت خلع؟ دي الفلوس اللي اتجوزتها بيها كانت فلوس الجمعية بتاعة هناء!" المحامي هز رأسه بأسف: ـ "عبير أدلت بأقوالها وقالت إنك أنت اللي أغريتها بالدهب والفسح، وإنها مكنتش تعرف إنك مديون ومحجوز عليك. هي نفذت بجلدها وسبتك في الميدان لوحدك." محمود مسك رأسه وهو يبكي بصوت مكتوم: ـ "وهناء؟" المحامي بص له بجدية: ـ "مدام هناء ماشية بالقانون خطوة بخطوة. محاميها يقدم صورة الدفاتر الرسمية للورشة اللي فيها إثبات دخلك الحقيقي، والقاضي هيحكم بالنفقة فوراً، ولو ما دفعتش خلال 30 يوم، صدر ضدك أمر حبس مباشر." محمود بلع ريقه بتعب: ـ "أنا عايز أتسلف.. عايز أبيع أي حاجة عشان أطلع من السجن واطلع من المحاضر دي!" المحامي: "تبيع إيه؟ الورشة محجوز عليها، والشقة هناء أخدت تمكين بها، والعربية الملاكي اللي كنت ماشي تتنطط بيها عبد الصمد حاطط يده عليها مقابل كمبيالة الخشب! أنت محيلتكش مليم يا محمود." في نفس الوقت، كانت هناء قاعدة في شقتها. الشقة كانت هادية ونضيفة. هناء كانت لابسة طقم جديد نوي، كانت شرياه من أول دفعة فلوس استردتها من حوشتها اللي كانت مخبياها بعيد عن محمود. الباب اتفتح، ودخلت أختها "وفاء" وهي بتضحك ومبسوطة: ـ "هناء! الأخبار مكسرة الدنيا في المنطقة! محمود بايت في القسم من امبارح، والتجار نازلين فيه محاضر، وعبير رفعت عليه خلع وأخدت الهدوم والدهب وجريت على بيت أهلها!" هناء صبت كباية شاي وقعدت بثبات، ملامحها مكنش فيها شماتة، كان فيها راحة الراجل اللي استرد حقه بعد طول انتظار. وفاء كملت: ـ "أنتِ مش زعلانة عليه يا هناء؟ ده جوزك وأبو عيالك!" هناء بصت لوفاء بثبات وقالت بصوت هادي: ـ "أنا أزعل على الراجل اللي يصون بيته وعياله يا وفاء.. أزعل على الراجل اللي لما يدق بيه الحال بيستحمل ويصبر، مش يروح ياخد شقايا وحوشة عمري ويتجوز بيها مرات صاحبه وييجي يتعالي عليا ويقولي 'أنا عايز أتدلع'. محمود مكنش جوزي في اللحظة دي.. محمود كان استغلالي ونذل، والعقاب اللي بياخده ده مش مني أنا.. ده من ربنا ومن أفعاله." وفاء: "طب وهتعملي إيه في النفقة والورثة؟" هناء قامت ووقفت عند الشباك، وبصت للشمس اللي طالعة: ـ "أنا اتفقت مع سعاد أخت رفعت والحاج عبد الصمد.. الورشة هتتفتح تاني بشركاء جُداد. سعاد هتاخد نصيب أخوها، وأنا هسهم بالحسابات والإدارة مقابل نسبة من الأرباح تضمن مستقبلي ومستقبل زياد وليلى. أما محمود.. فدوره في الورشة دي انتهى، هيبقى مجرد صنايعي بشهادة، يدفع ديونه للناس ولعياله من عرق جبينه لو عايز يفضل بره السجن." في القسم، الضابط نادى على محمود. محمود طلع وشكله منكسر، ذليل، ودخل مكتب الضابط. لقى واقف هناك الحاج عبد الصمد، والأستاذ جمال، والمحامي بتاع هناء. الضابط بص لمحمود وقال: ـ "شوف يا محمود.. الأستاذ جمال والحاج عبد الصمد موافقين يعملوا معاك تسوية بشرط: تتنازل عن إدارتك للورشة بالكامل لصالح الورثة والتجار لحد ما تسدد الـ 40 ألف ديون، وتوقع على التزام بدفع النفقة الشهرية لعيالك 6 آلاف جنيه بانتظام." محمود بص للمحامي بتاع هناء وقال بصوت يترعش: ـ "وهناء؟ مش جاية؟ مش هشوفها؟" المحامي قدم له الورقة والقلم: ـ "مدام هناء مش فاضية يا أسطى محمود.. مدام هناء بتجهز الولاد للمدرسة وبترتب أوراق الورشة الجديدة اللي هتسهم في إدارتها. امضي هنا لو عايز تخرج، أو ارجع الحجز مستني جلسة بكرة." محمود مسك القلم بإيد بتترعش زي القصبة. بص للورقة.. ورقة تنازله عن كبريائه، عن ورشته، عن سلطته اللي عاش يفرضها على الست اللي صانته. وقع محمود بالدموع، وكل حرف كان بيكتبه كان بيقطع جزء من غروره القديم. لما خرج من القسم، الشمس كانت في كبد السماء، حرارتها بتسفع وشها الشاحب. مشي في الشارع حافي الفكر، ملوش بيت يروحله، ولا زوجة تستناه بكباية شاي، ولا عيال يجروا عليه يقولوا له "بابا جه". وقف قدام العمارة، رفع راسه وبص لشباك شقته فوق. شاف هناء واقفة في البلكونة، بتعلق هدوم الولاد الجديدة، وبتبص للسما برضا وثقة. محمود اتمنى في اللحظة دي لو الزمن يرجع، لو يقدر يبوس إيدها ورجلها عشان ترجعه لسابق عهده.. بس كان عارف إن اللي اتكسر مبيتصلحش، وإن الست اللي فاقت من غفلتها، مستحيل ترجع تنام تاني. محمود قعد على رصيف الشارع المقابل للعمارة، حط راسه بين ركبه، وبكى.. بكى على الفلوس اللي راحت، وعلى الهيبة اللي اتفقدت، وعلى الست الأصيلة اللي خسرها للأبد عشان لحظة طمع ورغبة كدابة في "الدلع". قعد محمود على رصيف الشارع المقابل للعمارة، حاطط رأسه بين ركبه والدموع بتنزل منه بمرارة. الشمس فوقه كانت حامية، بتسفع في وشه ونفوخه، بس البرودة اللي في قلبه كانت أشد. يبص لفوق، يشوف هناء واقفة في البلكونة بكل ثقة وهدوء، بتنشر هدوم الولاد الجديدة، ولا كأن الراجل اللي مرمي في الشارع ده كان في يوم من الأيام جوزها وسندها. الشارع كله كان بيمر من جنبه، اللي يبص له بشماتة، واللي يبص له بقرف، والكل بيهمس: *"أهو العمدة.. أهو اللي ساب بيته وشقا مراته وراح يتنطط بفلوس الجمعية، أهو لبس في الحيط وبقى شحات."* فجأة، صوت خطوات ثقيلة وقفت قدامه. محمود رفع رأسه بالعافية، لقى "عبير" واقفة قدامه.. بس مكنتش عبير اللي عرفها في إسكندرية، المتمكيجة اللي بتضحك وتتدلع. كانت لابسة عباية سودا، ووشها ملان غضب وغل، وجنبها راجلين عظام من إخواتها. عبير تفّت على الأرض قدامه وقالت بصوت عالي سمّع الشارع: ـ "جرى إيه يا أسطى محمود؟ قاعد كدة زي الكلب المضروب ليه؟ فاكر إنك لما تروح البوليس وتتمسكن هتهرب مني؟ أنا جيت أخد بقية حسابي!" محمود قام وقف بالعافية، وركبه بتخبط في بعضها: ـ "حساب إيه يا عبير؟ أنتِ مش رفعتِ خلي ورميتِ أوراقي وأخدتِ الدهب اللي اشتريتهولك بفلوسي؟ عايزة إيه تاني؟" واحد من إخواتها قرب من محمود ومسكه من ياقة قميصه المكسر، رفعه لفوق وقال بصوت يرعب: ـ "الدهب ده حق اختنا مقابل القائمة والمؤخر اللي أنت كتبتهم بخط إيدك! لكن الفضيحة والأيام اللي قعدتها معاك في الحرام بحجة إن الشقة ملكك والورشة ملكك، دي حسابها تاني! اختنا طلعت من بيتك ملهاش سقف، والشقة اتجمعت لصالح أخت رفعت، أنت نصاب واكل حقوق الناس!" عبير زعقت: ـ "هات الـ 20 ألف جنيه اللي باقيين من مؤخر الصداق، يا إما وإله العرش أخواتي هيعملوا معاك الواجب في وسط الشارع ونسحلك للقسم تاني!" محمود صرخ بقلة حيلة والدموع مغرقة وشه: ـ "جيبين منين؟ أنتوا أخدتم كل حاجة! أنا جايبي فاضي مفيش فيه جنيه! ارحموني بقى!" في اللحظة دي، هناء كانت نازلة من العمارة ومعاها زياد وليلى، رايحين يشتروا طلبات للمدرسة. أول ما خرجت من باب العمارة وشافت المنظر، وقفت مكانها. محمود أول ما شاف هناء، صرخ بعالي صوته وجري ناحيتها، استخبى ورا ضهرها ومسك في عبايتها زي العيل الصغير المرعوب: ـ "الحقيني يا هناء! الحقيني يا أم زياد! هيق*تلوناي! عبير وإخواتها عايزين يموتوني!" هناء ما اتهزتش، ولا اتخضت. بصت لإيد محمود اللي ماسكة في عبايتها بقرف، وزاحت إيده بالراحة وابتعدت خطوة للوراء، بحيث بقى محمود واقف لوحده قدام عبير وإخواتها. بصت لهناء لعبير وإخواتها ببرود وقالت بصوت حازم: ـ "أستاذة عبير.. مشاكلك مع محمود تحليها بعيد عن باب عمارتي وعن ولادي. الراجل ده مالوش أي علاقة بيا ولا بالبيت ده خلاص، القانون بيني وبينه، واللي ليكم عنده تاخدوه بالقانون مش البلطجة في الشارع." أخو عبير بص لهناء باحترام، لأن المنطقة كلها كانت عارفة أصالتها وحقها اللي اتأكل، وقال: ـ "حقك علينا يا مدام هناء.. إحنا مش جايين نعمل مشاكل معاكي، إحنا جايين ناخد حق اختنا من الحرامي ده." عبير بصت لهناء بغل وقالت: ـ "فرحانة فيه يا هناء؟ فرحانة إنه بقى شحات؟" هناء ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة نصر صامتة، وبصت لعبير من فوق لتحت وقالت: ـ "أفرح ليه يا عبير؟ أنا لا شماتانة ولا زعلانة.. أنا بس بفرّج ربنا لما بياخد الحقوق. أنتِ أخدتيه وهو فاكر نفسه 'كبير' ومعاه فلوس، ورميتيه لما طلع حافي ومحيلتوش حاجة.. وأنا سبته لما فكر إن النذالة شطارة. أنتوا الاتنين شبه بعض، وتستاهلوا بعض." مسكت هناء إيد زياد وليلى، ومشيت من جنبهم مرفوعة الراس، والولاد بيضحكوا وبيبصوا لأمهم بفخر. محمود فضّل واقف اتسمر مكانه. الكلام نزل عليه زي الصاعقة. عبير وإخواتها مسكوه، وأخوها أخد ساعته الفضة القديمة اللي كانت فاضلة معاه، وأخدوا تليفونه القديم مقابل بقية فلوسهم، وزقوه على الأرض ومشيوا وهما بيشتموه. الليل جه، ومحمود قاعد على باب الورشة المقفولة بالجنادير. البرد كان بيقرص جسمه، وجوعه كان بيقطّع في مصارينه. مفيش أكل، مفيش فلوس، ومفيش مأوى. فجأة، الباب الحديدي الصغير بتاع الورشة اتفتح. خرج منه "أحمد" الصبي الكبير بتاع الورشة، ومعاه الحاج عبد الصمد وسعاد أخت المرحوم رفعت. كانوا بيكملوا جرد أخير للورشة عشان يفتتحوها بكرة بالشراكة الجديدة مع هناء. أحمد بص لمعلمه القديم بشفقة، وطلع من جيبه سندوتش فول وكباية شاي وحطهم جنبه على الرصيف: ـ "اتفضل يا أسطى محمود.. كل حاجة تقويك." محمود رفع رأسه بكسرة، وبص للحاج عبد الصمد: ـ "حاج عبد الصمد.. أنا هشتغل هنا. هشتغل صنايعي تحت إيدكم، أكنس الورشة وأشيل الخشب.. بس أدوني يوميتي أكل منها وأدفع منها نفقة الولاد عشان ما اتدحرجش في السجن!" الحاج عبد الصمد بص لسعاد، وسعاد بصلت له، وبعدين عبد الصمد قال بصرامة: ـ "الورشة دي بكرة هتفتح بإدارة جديدة يا محمود.. الست هناء هي اللي ماسكة الحسابات والمالية، وسعاد صاحبة الحق. لو الست هناء وافقت إنك تشتغل هنا كصنايعي باليومية، وتتخصم منك النفقة ودين التجار من يوميتك.. إحنا معندناش مانع." محمود بلع ريقه بتعب.. يشتغل "صنايعي باليومية" في الورشة اللي كان طول عمره بيدخلها زي العمدة؟ يشتغل تحت أمرة وإدارة "هناء" الست اللي كان بيستخسر فيها الموبايل والطقم الجديد؟ لكن الحاجة والذل أكلوا كبريائه. هز رأسه بسرعة وقال: ـ "موافق.. موافق يا حاج! قل لـ هناء إني موافق على أي شرط، بس سيبوني أكل عيش وأسدد اللي عليا!" تاني يوم الصبح، الساعة تسعة. الشارع كله كان متجمع قدام الورشة. الورشة كانت متنضفة، ومترتبة، وعلقت عليها يافطة جديدة مكتوب عليها: **(ورشة الأمل للنجارة والتديكور ـ إدارة مدام هناء عبد السلام ورثة المرحوم رفعت)**. هناء كانت واقفة قدام الورشة، لابسة طقم نضيف وأنيق، ومسكة في إيدها دفتر الحسابات الجديد. الحاج عبد الصمد واقف جنبها، وسعاد واقفة بتوزع شربات على الجيران بمناسبة الافتتاح ورد الحقوق لأصحابها. وفي ركن الورشة الداخلي، بعيد عن أعين الناس.. كان محمود واقف، لابس أفرول شغل قديم ومقطع، ماسك المكنسة وبيكنس تراب الخشب من على الأرض، وعرقه نازل على وشه. هناء دخلت المكتب الصغير، قعدت على الكرسي اللي كان محمود بيقعد عليه ويتنطط ببرود. فتحت الدفتر، وندت بصوت واضح وثابت: ـ "يا أسطى محمود!" محمود ساب المكنسة من إيده بسرعة، وجري وقف قدام باب المكتب، نزل رأسه في الأرض وقال بصوت واطي ومكسور: ـ "نعم يا ست هناء.. أؤمريني." هناء بصت له بجمود، حطت ورقة وقلم قدامه على الترابيزة وقالت: ـ "يوميتك هنا 150 جنيه.. هيتخصم منها 100 جنيه يومياً لصالح نفقة زياد وليلى وسداد ديون التجار، وهيتفضل لك 50 جنيه تجيب بيها أكلك وشربك وتنام بيها في أوضة الخزين اللي ورا الورشة. والتزامك بالمواعيد هو اللي يحدد هتقعد هنا ولا تترفض وتروح السجن. مفهوم؟" محمودغمض عينيه والألم بيقطع في صدره. الـ 50 جنيه اللي بقت يوميته، هي هي المبلغ اللي كان بيستخسره فيها لما تطلب منه مصاريف البيت! رفع رأسه وبص لهناء.. حاول يدور في عينها على أي ذرة أمل، أي بقايا للست اللي كانت بتموت فيه وبتبارك على نكده، بس مالقاش غير جدار من الثلج الصلب. قال بصوت مخنوق والدمعة محبوسة في عينه: ـ "مفهوم يا ست هناء.. مفهوم." هناء قفلت الدفتر وقالت ببرود: ـ "اتفضل على شغلك.. الخشب الجديد وصل ولازم يترص." محمود لف ضهره ومشي يجر رجليه، مسك الخشب الثقيل وشاله على كتافه، وكتافه بتوجعه من التعب، بينما هناء كانت قاعدة في مكتبها بتمشي الشغل بثقة وحزم. الدنيا دارت دورة كاملة.. اللي كان فاكر نفسه عمدة بفلوس مراته، بقى أجير عندها بياخد قوته بالقطارة، والست اللي كانت محنية من كتر التوفير والكسرة، بقت هي صاحبة العمل، مرفوعة الراس، مسيطرة على حياتها وحياة عيالها، ومستنية الخطوة الأخيرة اللي هتختم بيها الحكاية للابد. خرج محمود من مكتب هناء وهو حاسس إن جسمه كله بيهتز. الخشب التقيل اللي شاله على كتافه مكنش أتقل من الهم والكسرة اللي في قلبه. يمسك المكنسة ويكنس تراب الخشب، ويمسح عرقه بكُم الأفرول القديم، وعينيه كل شوية تتسحب لداخل المكتب.. يشوف هناء قاعد على الكرسي بثبات، ماسكة القلم وبتراجع الفواتير مع الحاج عبد الصمد وسعاد، بكل هيبة واحترام، والناس بتدخل وتخرج توطي عليها بالسلام والتقدير. مرت الأيام والأسبوع ورا الأسبوع، ومحمود عايش في أوضة الخزين اللي ورا الورشة. أوضة ضيقة، ريحتها تراب وخشب، مفيهاش غير مرتبة قديمة على الأرض. كل يوم الصبح يصحى الساعة سبعة، يفتح باب الورشة، يفرش الحصيرة، ويكنس، ويستنى "مدام هناء" لما تيجي. الـ 50 جنيه اللي كانت بتفضل له في اليوم، يا دوبك تجيب له رغيفين عيش وحتة جبنة وكباية شاي. كان بياكل اللقمة ناشفة وهو بيبص للرصيف اللي كان بيتمرغ عليه بفلوس الجمعية، ويفتكر لما كان بيبخل على هناء بطقم جديد أو موبايل، ويقول لنفسه: *"سبحانك يا رب.. الحرام مابيدومش، والظلم دينه مبيتمحيش إلا لما يتدفع للتالت والمتالت."* بعد مرور ستة أشهر كاملة.. الورشة بقت اسم على مسمى "ورشة الأمل"، الشغل زاد، والطلبيات بقت بالكوم بفضل إدارة هناء الأكاديمية والمضبوطة بالمسطرة، وأمانة الحاج عبد الصمد. الديون اللي كانت على محمود للتجار اتسددت بالكامل من شغله وعرق جبينه ومن أرباح الورشة. وفي يوم خميس بالليل، بعد ما الصبيان مشيوا والورشة هديت، هناء كانت قاعدة في المكتب بتمضي أخر أوراق السداد. محمود وقف على باب المكتب، شكله اتغير تمامًا.. خَسّ أكتر من نص وزنه، وشه بقى فيه سُمرة الشقا والتعب، وعينيه راحت منها نبرة التعالي والغرور وبقت مليانة انكسار وهدوء. ـ "ست هناء.. أنا خلصت رص الخشب بتاع طلبية بكرة، في أي أوامر ثانية؟" هناء رفعت عينها من الدفتر، بصت له بنظرة هادية خالِية من أي انتقام أو غضب.. نظرة ست تعافت تمامًا من وجعها، وما بقاش في قلبها لمحمود غير الإشفاق والحياد. طلعت من الشنطة أظرف بيضاء وحطتها على الترابيزة: ـ "اقعد يا محمود." محمود اتفاجئ، قعد على طرف الكرسي بالراحة وهو حاطط إيديه في حجريه زي العيل الصغير: ـ "خير يا ست هناء؟" هناء زقت الأظرف ناحيته وقالت بصوت ثابت: ـ "الظرف الأولاني ده فيه مخالصة كاملة من الحاج عبد الصمد والتجار.. ديونك كلها اتسددت بالكامل، ومحدش ليه عندك مليم واحد أو كمبيالة. والظرف الثاني فيه إيصال سداد نفقة الولاد عن الست شهور اللي فاتوا." محمود بص للورق والدموع اتجمعت في عينيه: ـ "والظرف الثالث؟" هناء مسكت الظرف الثالث، وطلعت منه ورقة رسمية وقدمتها له: ـ "ده ورقة طلاقي منك يا محمود.. الطلاق تم رسمياً وبحكم محكمة، والأوراق اتوثقت." محمود حاس بصدمة، رغم إنه كان عارف إن اللحظة دي جاية لا محالة، بس لما شاف الورقة مكتوب فيها اسم "هناء" ومطلقة منه، دموعه نزلت على خدوده وبكى بصوت مكتوم: ـ "طلقتيني يا هناء؟ خلاص؟ مفيش أمل ترجعيلي؟ أنا اتغيرت والله.. أنا اتعلمت الدرس وقُ/تلت ألف مرة في اليوم وأنا بشوفك بعيدة عني وبخدم تحت إيدك!" هناء هزت رأسها بالرفض القاطع وابتسمت ابتسامة رضا: ـ "أنا ما طلقتكش عشان أنتقم منك يا محمود.. أنا طلقتك عشان أبدأ حياتي بجد. الانتقام كان حقي في الفلوس والكرامة وأخدته، إنما الرجوع؟ الرجوع لواحد هان عليه بيته وشقا مراته وباعها عشان شهوة ودلع كداب، يبقى غباء.. وأنا خلاص، فترة غبائي انتهت من يوم ما بعتلي الصور من إسكندرية." محمود مسح دموعه بظهر إيده وقال بصوت مرتعش: ـ "طب والولاد؟ هشوفهم؟" هناء قالت بحنان الأم الأصيلة: ـ "الولاد عيالك يا محمود.. زياد وليلى يقدروا يشوفوك في أي وقت، ومحدش هيحرمك منهم ولا هيحكي لهم عن نذالتك، أنا مربياهم على الاحترام. بس شرطي الوحيد.. تنزل تشوفهم بضرعك وشقاك ونضافتك، مش بضعفك وكسرتك." كملت هناء كلامها وهي بتقوم تقف: ـ "أنا أخدت نصيبي القانوني في الورشة بالشراكة مع سعاد والحاج عبد الصمد، وأنت من بكرة تقدر تفضل شغال هنا كصنايعي براتب محترم يعيشك مستور، أو تاخد أوراقك وتدور على ورشة ثانية تبدأ فيها من جديد.. الاختيار ليك." محمود بص للورقة، وبعدين بص لهناء، وعرف إن الست دي خلاص بقت في مكان ثاني بعيد عنه بمسافات.. مكان مفيش فيه ضعف ولا انكسار. وقف محمود وهو حاسس إن ظهره بات مستقيم شوية بعد ما سدد دينه، وقال بنبرة صادقة: ـ "أنا هفضل شغال هنا يا هناء.. هفضل شغال تحت إيدك وفي ورشتك، مش عشان اللقمة، لكن عشان كل ما أرفع عيني وأشوفك نجاحك، أفتكر إن الظلم مر، وإن الست الأصيلة لما بتقوم.. مفيش راجل بيقدر يقف في وشها." بعد سنة.. في يوم مشمس، الشارع كله كان متزين بالأعلام والأنوار بمناسبة افتتاح التوسع الجديد لـ "مؤسسة الأمل للأثاث والتديكور". هناء كانت واقفة في النص، لابسة طقم شيك جداً، وحواليها عيالها زياد (بقى عنده 8 سنين) وليلى (6 سنين) لابسين أحسن هدوم ومسكين في إيدها بفخر. الحاج عبد الصمد واقف جنبها بيضحك، وسعاد بتوزع الهدايا على الناس. وفي جنب بعيد من الورشة، كان محمود واقف في وسط العمال، لابس أفروله النضيف، بيبص لهناء وعياله بابتسامة مكسورة بس فيها رضا. مكنش زعلان.. كان عارف إن ده المكان الصحيح اللي يستاهله، وإن كل واحد في الدنيا بياخد نصيبه اللي نسجه بإيده. هناء بصت للشمس اللي طالعة في السماء، واستنشقت الهواء العليل.. افتكرت اليوم اللي كانت بتصيح فيه من القهر والفقر والخيانات، واليوم اللي قررت فيه تحول الوجع لقوة. ابتسمت زياد وليلى وجرتهم في أحضانها، وعرفت إن القصة مش قصة راجل خائن وست مكسورة.. القصة كانت عن "هناء".. الست اللي عرفت تحول رماد كسرتها، لذهب وكرامة وعز يفضل عايش معاها ومع عيالها طول العمر.